مؤسس مركز “بروغن”: الشراكة الأوروبية الهندية في مواجهة الضغوط الأمريكية والتحولات الجيوسياسية الراهنة
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
27 يناير 2026مـ – 8 شعبان 1447هـ
شكّلت التطورات الاقتصادية والسياسية المتسارعة محور نقاش تحليلي في برنامج “صدى الخبر” على قناة “المسيرة”، اليوم الثلاثاء، حيث استعرض مؤسس مركز “بروغن” للدراسات، “رضوان قاسم” من “براين”، أبعاد التقارب الأوروبي الهندي الأخير ودلالاته في ظل الأزمات التي تعصف بالقارة العجوز، مدى المضيّ في هذا التقارب رغم استمرار علاقاتها الوثيقة مع روسيا ورفضها الانخراط في الموقف الغربي من حرب أوكرانيا.
وقدّم “قاسم” تفكيكًا تحليليًّا لخلفيات سعي الاتحاد الأوروبي نحو بناء شراكة اقتصادية استراتيجية مع الهند، ليس فقط كمجرد اتفاق تجاري، وإنّما كخروجٍ اضطراري من الأزمة الاقتصادية الخانقة ومحاولة للإفلات من تبعات الحرب الاقتصادية التي يشنها الرئيس الأمريكي ترامب ضد أوروبا والعالم، وما تفرضه من ضغوطات على سلاسل الإمداد والأسواق التقليدية.
وأشار إلى أنّ الاتحاد الأوروبي يسعى بجدية للبحث عن مساحات بديلة لتصريف بضائعه وتأمين مصالحه بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية التي باتت تشكّل عبئاً اقتصاديًا، خصوصًا مع حالة الانكشاف التي تسببت بها التوترات مع روسيا.
وأكّد أنّ الهند تبرز في هذا المشهد كخيارٍ مثالي للجانب الأوروبي نظرًا لثقلها السكاني الهائل وقدرتها الاقتصادية المتنامية؛ مما يجعلها البديل الأكثر ملاءمة عن الصين التي تتسم علاقة الغرب بها بتنافس تجاري حاد وتعقيدات سياسية كبرى.
وقال: إنّ “التوجه الأوروبي نحو نيودلهي يتجاوز البعد التجاري الصرف ليصل إلى معالجة أزمات داخلية هيكلية، حيث تفتح الاتفاقيات الباب أمام استقطاب آلاف العمال الهنود لسد الفجوات الكبيرة في سوق العمل الأوروبي بأسعار منخفضة”، وهو ما يمثل ردًّا عمليًّا غير مباشر على انتقادات ترامب لسياسات الهجرة الأوروبية، عبر التفريق بين الهجرة التقليدية وبين عقود العمل المهنية في قطاعات الأبحاث والخدمات المختلفة.
وفيما يخص الموقف الهندي من الأزمة الأوكرانية وعلاقة نيودلهي الوثيقة مع موسكو، أوضح قاسم أنّ هذا الملف لم يعد يشكّل عائقًا جوهريًّا أمام المضي في التقارب الأوروبي الهندي؛ إذ تدرك الدول الأوروبية في ظل مأزقها الراهن أنها لا تملك القدرة على فرض شروط سياسية على الهند أو إجبارها على قطع علاقاتها مع روسيا، بل إنّ الأولوية الأوروبية القصوى باتت تتركز على إيجاد مخرج للاقتصاد الأوروبي المترنح وتأمين المصالح المشتركة بدلاً من فرض الإملاءات.
وأوضح أنّ هذه الرغبة تتجلى في التسهيلات الجمركية الضخمة التي تضمنتها الاتفاقيات، حيث شهدت الرسوم على السيارات وقطع غيارها انخفاضات هائلة من مستويات قياسية لتصل إلى حدود 10%، بالإضافة إلى خفض أو إلغاء الرسوم على مواد تجارية أخرى بنسب تتراوح بين 50% إلى 100%، في خطوةٍ تهدف بشكّلٍ مباشر إلى غزو السوق الهندية بالمنتجات الأوروبية لتعويض خسائر الأسواق في الصين والولايات المتحدة.
وعلى الصعيد الأيديولوجي، وبالرغم من محاولات الخطاب الرسمي الأوروبي، متمثلاً في تصريحات رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لاين”، تصوير هذا التقارب كلقاء بين “أكبر ديمقراطيتين في العالم”، إلا أنّ الواقع التحليلي يُشير إلى أنّ المصالح البراغماتية هي المحرك الفعلي لا المبادئ السياسية.
ولفت إلى أنّ بعض التقارير الإعلامية الغربية، مثل صحيفة “لوموند”، توجّه انتقادات لتراجع الديمقراطية في الهند، إلا أنّ صانع القرار الأوروبي يتغاضى عن هذه الجوانب طالما أنّ الشراكة تخدم إنقاذ الاقتصاد؛ مما يعكس ازدواجية في التعامل مع الأنظمة السياسية بناءً على المصلحة الاقتصادية الصرفة، حيث يمكن تصنيف الأنظمة كديمقراطية أو غير ذلك بناءً على ما توفره من مكاسب.
أما فيما يتعلق برد الفعل الأمريكي، بيّن “رضوان” أنّه من المتوقع أنّ يرى ترامب في هذه التحركات الأوروبية “ضربة استباقية” ومحاولة للالتفاف على ضغوطه؛ مما قد يدفع واشنطن لممارسة مزيد من الضغط على العواصم الأوروبية التي تظل، رغم محاولاتها الاستقلالية، واقعة تحت تأثير السطوة الأمريكية، وفي المقابل، “يظل الضغط الأمريكي على الهند محدود الفعالية نظرًا لكونها قوة نووية ودولة ذات ثقل سكاني واقتصادي لا يمكن تجاهله”.
وخلص مؤسس مركز “بروغن” للدراسات، إلى القول: إنّه وبناءً على ذلك، يظل التساؤل قائمًا حول “مدى نجاح أوروبا في التحرر من التبعية الاقتصادية لواشنطن، وما إذا كانت هذه الشراكة مع الهند ستمثل الخطوة الأولى الحقيقية نحو عالم متعدد الأقطاب”، يتخلص من هيمنة الحروب الاقتصادية الأمريكية، ومرجحًا أنّ الضغوط الأمريكية ستنجح في إبقاء القارة الأوروبية داخل فلك سياساتها في نهاية المطاف.
