أيُهدّد الغرور قامة التاريخ؟!

1

ذمــار نـيـوز || مقالات ||

27 يناير 2026مـ –8 شعبان 1447هـ

بقلم / فاطمة عبدالإله الشامي

في لحظات الغرور الإمبراطوري، يختلط على بعض الساسة الفرق بين الصوت العالي والهيبة الحقيقية، وبين التهديد والقدرة الفعلية على صناعة الوقائع. من هذا الوهم خرج دونالد ترامب ليُطلق تهديداً تجاه الإمام السيد علي الخامنئي، ظانًّا أن الكلمات حين تخرج من فم رئيس أمريكي تتحول تلقائيًا إلى قدر، وأن التاريخ يُكتب بتغريدة أو تصريح متشنج. لكن السياسة، كما يعلم العارفون، لا تُدار بالانفعال، ولا تُحسم بالاستعراض، بل تُبنى بتوازن القوى، وبعمق الرؤية، وبصلابة الموقف.

وترامب ليس جديداً على هذا الأسلوب. الرجل الذي صعد إلى المسرح السياسي على وقع الشعَبوية واللغة السوقية، اعتاد أن يُخاطب العالم بمنطق التاجر لا بمنطق رجل الدولة. يساوم، يهدد، يضغط، ثم ينتظر أن ينحني الآخرون. غير أن رهانه هذه المرة وقع على عنوان لا يُقاس بمنصب ولا يُختزل في بروتوكول: الإمام الخامنئي ليس مجرد قائد سياسي للجمهورية الإسلامية إيران بل هو رمز ديني، ومرجعية فكرية، وعقل استراتيجي يقف خلف واحدة من أكثر التجارب السياسية تعقيداً واستمرارية في العصر الحديث.

تهديد الإمام الخامنئي ليس شأناً عابراً في سوق التصريحات، بل هو مساس بموقع رمزي عميق في وجدان الأمة الإسلامية، وفي قلب محور سياسي تشكّل عبر عقود من المواجهة مع الهيمنة الأمريكية والصهيونية. فالرجل الذي تربّى في مدرسة الثورة الإسلامية، وورث مشروع الإمام الخميني، لم يُبنِ حضوره على الضجيج، بل على تراكم الصبر، وإدارة الاشتباك الطويل، وفهم طبيعة الصراع باعتباره صراع إرادات لا صراع لحظات.

ترامب، في جوهر خطابه، لا يرى الشرق الأوسط إلا كخريطة مصالح. لا يقرأ في وجوه الشعوب تاريخها، ولا في رموزها معناها. هو يتعامل مع المنطقة كمنصة نفط وسلاح وصفقات، لا كحضارة لها ذاكرة وجراح وعقيدة. ومن هنا يأتي سوء تقديره. فهو حين يهدد الإمام الخامنئي، يتخيّل أنه يخاطب سياسياً عادياً يمكن الضغط عليه بالعقوبات أو بالعزل أو بالتهويل الإعلامي لكنه في الحقيقة يخاطب مدرسة صلبة في إدارة الصراع، مدرسة تؤمن أن الزمن جزء من المعركة، وأن الثبات أهم من الصراخ.

لقد جرّبت الإدارات الأمريكية، من قبل ترامب وبعده، كل أدوات الضغط على إيران: العقوبات القصوى، الحصار الاقتصادي، الحرب النفسية، والتهديد العسكري. ومع ذلك لم تنكسر الدولة، ولم يتراجع المشروع، بل على العكس، تمددت إيران سياسياً وعسكرياً في الإقليم، وفرضت حضورها كلاعب لا يمكن تجاهله. وهذا كله لم يكن نتيجة تهور، بل نتيجة عقل استراتيجي طويل النفس، يقوده في قمته الإمام الخامنئي.

المفارقة الساخرة أن ترامب، الذي يتحدث بلغة القوة، هو نفسه الذي غادر البيت الأبيض سابقاً مثقلاً بالهزائم السياسية، وبالانقسامات الداخلية، وبالفضائح. أما الإمام الخامنئي، فقد قاد بلاده عبر أكثر المراحل حساسية في تاريخها الحديث: من الحرب العراقية الإيرانية، إلى مرحلة إعادة البناء، إلى زمن المواجهة المفتوحة مع المشروع الأمريكي في المنطقة الى الحرب التي قادها ضد اسرائيل اللعينة. وبين الرجلين مسافة شاسعة بين من يلوّح بالقوة ومن يصنع توازنها.

إن التهديد حين يصدر عن رجل دولة حقيقي، يكون مدروساً محسوب العواقب، ومسنوداً بقدرة على التنفيذ. أما حين يصدر عن سياسي شعبوي اعتاد مخاطبة الداخل الأمريكي بلغة الاستعراض، فإنه يتحول إلى مجرد صدى في الفراغ. وترامب، مهما علت نبرته، لا يستطيع أن يغير حقيقة واحدة: أن الإمام الخامنئي ليس رجل لحظة، بل رجل مسار تاريخي طويل.

ثم إن من يهدد الإمام الخامنئي، لا يهدد شخصاً بعينه، بل يهدد فكرة. يهدد مشروعاً قائماً على الاستقلال، ورفض التبعية، ومقاومة الهيمنة. وهذه الأفكار لا تُقصف، ولا تُحاصر، ولا تُلغى بقرار. هي أفكار تنمو تحت الضغط، وتشتد في وجه العاصفة، وتتحول مع الزمن إلى قناعة راسخة في وجدان الشعوب.

ترامب، في تهديده، يعكس مأزق العقل الأمريكي حين يفشل في فهم الشرق من داخله. فالإمام الخامنئي لا يُدار بمنطق الترهيب، ولا تُكسَر إرادته بلغة الإنذار. هو رجل يعرف أن الصراع مع أمريكا ليس معركة يوم أو سنة، بل معركة أجيال، تُدار بالصبر، وبالاستعداد، وبالإيمان بأن من يقف على أرضه، ويمسك بخيوط قراره، لا يُهزم بسهولة.

في النهاية، يظهر التهديد الترامبي كصرخة في فراغ تاريخي لا يستجيب للصراخ. فالتاريخ لا يحترم من يلوّح كثيراً ويصنع قليلًا، بل يحترم من يصمت كثيراً ويغيّر كثيراً. وبين ترامب والإمام الخامنئي، يقف التاريخ شاهداً على من بنى مشروعاً قرآنياً ايماني راسخ وعميق، ومن اكتفى بالضجيج.

ومن موقعنا نحن اليمنيون، الدولة التي خبرت معنى الحصار والعدوان، ولم تتعلّم يوماً لغة الذل والهوان، فإن الموقف ليس حياداً ولا صمتاً ولا ترف الانتظار. فاليمن، بتاريخِه المقاوم، وجغرافيته التي لم تُروَّض، ووجدانه الذي لم يُشترَ، يرى في الإمام الخامنئي رمزاً لمشروع استقلاليّ يرفض الوصاية، ويكسر منطق الإملاء، ويعيد تعريف السيادة بوصفها فعل إرادة لا هدية تُمنَح. ويرى في إيران دولة واجهت أعتى الضغوط، من العقوبات إلى العزل إلى الحرب النفسية، وبقيت واقفة على قدميها، تُعيد تشكيل توازنها كلما ظنّ خصومها أنها على وشك الانكسار.

إن أي استهداف لإيران أو لقيادتها ليس حدثاً عابراً في دفتر السياسة، بل هو استهداف لفكرة التحرر ذاتها للفكرة التي تقول إن القرار يُصنع في الداخل لا يُستورد، وإن الكرامة ليست بنداً تفاوضياً. وهذه فكرة لا يقف اليمن منها موقف المتفرّج، بل موقف الشاهد المنحاز للحق، والداعم لخط الاستقلال، والمنخرط أخلاقياً وعقائدياً في معركة الوعي قبل معركة الميدان.

اليمن لا يساوم على رموزه، ولا يضع مسافة بينه وبين قضايا الأمة، ولا يتعامل مع التاريخ بوصفه نشرة أخبار، بل بوصفه مسؤولية.

ومن هنا، فإن موقف اليمن من الإمام الخامنئي وإيران هو موقف التقاء على المعنى قبل المصالح، وعلى المبادئ قبل الحسابات الضيقة. هو موقف يرى في الصمود قيمة، وفي الثبات هوية، وفي مقاومة الهيمنة مساراً طويل النفس لا تُغيّره تهديدات ولا تُربكه عواصف الخطاب.

وفي زمن تختلط فيه الأصوات وتُشترى المواقف، يبقى اليمن واضحاً في اصطفافه: مع من يحمل راية الاستقلال، ومع من يدفع ثمن كلمته، ومع من يحوّل الصبر إلى قوة، والإيمان إلى سياسة، والكرامة إلى مشروع تاريخي لا يُهزم.