الحقيقة العارية.. الرياض تنزع سكين التقسيم من أبو ظبي
ذمــار نـيـوز || تقارير ||
19 يناير 2026مـ –30 رجب 1447هـ
تقرير || علي الدرواني
بالنسبة لليمن، لم تكن الرياض حريصة على الوحدة في أي مرحلة زمنية، فقد كانت دوما تنظر لليمن الواحد ككابوس جيوسياسي يجب وأده، أو على الأقل تحويله إلى هيكل كرتوني بلا روح. هذه هي الحقيقة العارية التي حاول حكام الرياض تجميلها لعقود، إلا أن صدى معزوفة الانفصال الذي تردد في قلب العاصمة السعودية وقبيل اجتماع لشخصيات جنوبية، جاء ليقطع الشك باليقين. لم يكن العزف مجرد سقطة بروتوكولية، بل كان إعلاناً عن لعبة تقودها الرياض بالمكشوف. اليمن الممزق بالنسبة لها خير من يمن موحد.
مؤخرا كانت السردية الرسمية في الرياض تلمح، بل وتصرح أحيانا، بالامتعاض من التحركات الإماراتية في الجنوب، وتعتبر دعم أبوظبي للمشاريع الانفصالية خروجا عن أهداف التحالف وتقويضاً لشرعية اليمن الواحد. اليوم، والنشيد الانفصالي يُعزف في قلب الرياض وبرعاية رسمية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا كان الانفصال خطيئة إماراتية بالأمس وأصبح اليوم رؤية سعودية حلالاً؟ هل الفارق في المشروع أم في هوية الممول؟ وهل انتقلت الرياض من مربع شعار الحفاظ على وحدة اليمن إلى مربع التنافس مع أبوظبي على من يقسمه أولاً؟
يتضح أن الفارق لم يكن في المبدأ، بل في من يمسك بالزمام، فالمملكة -التي كانت تخشى نفوذ أبوظبي المنفرد في جنوب اليمن- قررت التهام مشروع الانفصال لصالحها، ليكون تقسيما بنكهة سعودية خاصة يضمن لها نفوذا دائما بعيدا عن الشعارات الوحدوية المستهلكة، وبعيدا عن أدوات أبوظبي .
في هذا السياق، تأتي المليارات التي تضخها الرياض لدعم حكومة عدن والبنك المركزي لتثير علامات استفهام كبرى. يرى مراقبون أن هذه الأموال ليست حباً في مزعوم الشرعية، ولا إنقاذا للاقتصاد المنهار، بل هي مجرد تسالٍ سياسية وأداة للسيطرة المطلقة. السعودية تستخدم سلاح المال لشراء الولاءات وسحب البساط من تحت أدوات الإمارات في الجنوب، وتحويلها إلى أدوات سعودية خالصة تنفذ أجندة الرياض تحت غطاء الدعم التنموي.. إنها عملية استحواذ منظمة على القرار اليمني، تجعل من “حكومة عدن” مجرد واجهة لتمرير مشاريع السيطرة الإقليمية.
أما المشهد الأكثر إثارة للشفقة فهو موقف النخب اليمنية المقيمة في فنادق الرياض، هؤلاء الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً ضد الارتهان للإمارات بدعوى حماية السيادة والوحدة، يجدون أنفسهم اليوم شهود زور في قاعات يعزف فيها نشيد تمزيق بلادهم. ولهم يتوجه السؤال: لماذا كان الانفصال مرفوضا بنكهة إماراتية، بينما يبدو اليوم مقبولا ومباركا ولذيذا بنكهة سعودية؟ الإجابة واضحة: لقد تحولت الوحدة لدى هؤلاء من قضية وطن إلى وظيفة تؤدى لمن يدفع فاتورة الإقامة. القبول بتقسيم اليمن تحت الإشراف السعودي يثبت أن السيادة بالنسبة لهم مجرد صك يباع ويشترى حسب رغبة من يدفع أكثر.
إن ما جرى في الرياض ليس مجرد لقاء تشاوري، بل هو اعتراف بأن الصراع بين قطبي التحالف الذي شهدناه في الشهرين الاخيرين لم يكن على يمن واحد، بل على من يدير عملية التقسيم، ومن يحظى بمسكة السكين لتقطيع أوصال الوطن. وبينما تعزف أناشيد الانفصال وتضخ أموال التخدير الاقتصادي، يظل الشعب اليمني هو الضحية الوحيدة لهذه النكهات الإقليمية التي تضع السكين على خريطة بلادهم بدم بارد، ويظنون أنهم سيكملون مشروعهم، وهيهات.. فمستقبل اليمن ومصيرها هو الوحدة.
