اللقاء الجنوبي في الرياض.. إعادة هندسة اليمن من دون اليمن

1

ذمــار نـيـوز || مـقـالات ||
18 يناير 2026مـ – 29 رجب 1447هـ

بقلم// محمد الخامري

مشهد اللقاء التشاوري الجنوبي الذي انطلق في الرياض بصورته التي انتشرت في الصحافة السعودية لايمكن ان يكون حدث عادي، ولايمكن التعامل معه بوصفه لقاء سياسي أو نشاط تشاوري محدود، فالصورة التي تصدّرت المشهد، كما البيان الذي صدر عنه، حملا دلالات سياسية عميقة تتجاوز النصوص المعلنة، وتستدعي قراءة هادئة لكنها صريحة، خاصة حين يتعلق الأمر بغياب اليمن كدولة ورمز ومرجعية وقيادة..!!

في السياسة، لاتُقرأ البيانات وحدها، بل تُقرأ الصور أيضا، اضافة الى السياقات والرموز المصاحبة..
واللافت في هذا اللقاء أن القاعة اكتملت عناصرها الرمزية ومايمكن تسميته بالهوية البصرية بدقة عالية؛ حضر علم المملكة العربية السعودية إلى جانب علم دولة الجنوب السابقة، لوحة عملاقة تحمل عنوان (على طريق الحوار)، وحضور سياسي وقبلي وعسكري جنوبي واسع..
يقابله غياب كامل لأي رمز للجمهورية اليمنية، لا علم ولا اسم ولا إشارة سياسية مباشرة..!!
هذا الغياب لم يكن شكلي أو بروتوكولي، ولايمكن تفسيره بأنه خطأ أو سهو، بل هو جزء أساسي من رسالة سياسية عميقة، وقاعدة صلبة من القواعد التي يتم انشاءها في هذه المرحلة الرخوة من حياة اليمن، للبناء عليها مستقبلا..

البيان الصادر عن اللقاء ذهب أبعد من لغة التهدئة أو العموميات المعتادة، فقد استخدم مصطلحات واضحة وصريحة تتحدث عن (حق شعب الجنوب في تقرير مصيره)، و(استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة.!!)، وهي عبارات لم تعد تُقال في هوامش الخطاب السياسي أو على ألسنة أطراف غير رسمية، او عبارات نزقة تقال في مظاهرة غوغائية غير منضبطة، بل قُرئت من منصة رسمية، وبرعاية دولة إقليمية كبرى، وفي عاصمة القرار العربي..!!

هذا التحول في مكان القول وطبيعته يغيّر الكثير من دلالاته، ويخرجه من خانة التعبير السياسي النزق إلى خانة التأسيس لمسار جديد ومستقبل ملغوم..

الأهم من ذلك كله أن البيان لم يتعامل مع المملكة العربية السعودية بوصفها وسيط أو ضامن او دولة شقيقة مستضيفة للحدث فحسب، بل قدّمها كشريك مباشر في المسار السياسي والأمني والاقتصادي، بل وكراعي طويل الأمد للحوار الجنوبي الجنوبي، حاضرا ومستقبلا..
الحديث عن الرواتب، ودعم القوات، وتعزيز القدرات العسكرية، وربط ذلك بالمسار السياسي، يكشف بوضوح أن الأمر لايقتصر على معالجة مطالب آنية، بل على بناء علاقة بنيوية تربط السياسة بالأمن بالاقتصاد وبمعيشة الناس واحتياجاتهم الضرورية، وتُنتج واقع جديد على الأرض..!

السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا ليس حول طموحات بعض الجنوبيين، فهي بغض النظر عن الموقف منها؛ طموحات معلنة منذ سنوات، ولها أنصارها ورافضوها. لكن السؤال الأخطر هو؛ أين اليمن في كل هذا، أين الدولة التي يُفترض أن هذه القضايا تُناقش ضمن إطارها، أين مجلس القيادة الرئاسي بوصفه أعلى سلطة سياسية قائمة، وأين رئيسه على وجه الخصوص، وهو المعني دستورياً وسياسياً بأي مسار يناقش او يمس اليمن ووحدتها، أو شكلها ومستقبلها..؟!.

غياب اليمن لم يكن غياب طرف في نقاش، بل غياب كيان كامل، لايوجد أي ذكر للجمهورية اليمنية في البيان، ولا إحالة إلى الدستور اليمني، ولا توصيف للقضية الجنوبية باعتبارها قضية ضمن الدولة اليمنية، بل جرى التعامل معها كقضية قائمة بذاتها، تبحث عن حل نهائي خارج إطار الدولة الأم..!!.

هذا التحول، مهما حاول البعض تلطيفه، يعني عمليا أن فكرة اليمن كدولة جامعة لم تعد حاضرة على طاولة النقاش، أو على الأقل لم تعد شرط مسبق لأي حل قادم..!.

الأخطر من ذلك أن هذا الغياب للجمهورية اليمنية ورمزيتها وقياداتها؛ جاء في لحظة يُفترض أنها لحظة استعادة الدولة، لاتجاوزها، فمجلس القيادة الرئاسي تم تشكيله أصلاً ليكون إطار انتقالي جامع، يعالج القضايا الكبرى، وفي مقدمتها القضية الجنوبية، ضمن مشروع وطني شامل، لكن ماظهر في الرياض يوحي بأن هذا الإطار قد تم الالتفاف عليه، أو تجاوزه بهدوء، دون إعلان رسمي، ودون تحمّل سياسي مباشر لمسؤولية هذا التجاوز..!.

إن مانشهده اليوم لايبدو صراع بين وحدة وانفصال بقدر ماهو إعادة هندسة باردة للمشهد اليمني، تُدار بلغة الحوار لا بلغة الحرب، وبالصور والبيانات لا بالمدافع والطائرات، وفي مثل هذه اللحظات، لايكون الصمت موقف محايد، بل قد يتحول إلى قبول ضمني بمسارات تُرسم من دون مشاركة أصحاب الشأن، أو على الأقل من دون شفافية ووضوح أمام الرأي العام..

أعتقد وأقولها بمرارة، اليمن اليوم لايُفقد في ساحات القتال، بل يُفقد حين يتم تفتيته واعادة هندسته بيد أبنائه، وفقا لأجندات غيرهم، حين يغيب عن الصورة التي توزع في وسائل الإعلام، وحين يُستبدل حضوره الرمزي والسياسي بمسارات جزئية، تُدار كل تفصيلة على حدة، حتى يصبح الكل مجرد ذكرى سياسية، ومن حق اليمنيين اليوم، شمالاً وجنوباً أن يسألوا بوضوح ومسؤولية؛ إلى أين يتجه هذا المسار، وأين موقع اليمن فيه، ومن يملك حق الإجابة باسم الدولة التي لم تعد حاضرة، لا في الصورة ولا في البيان، ولا في قاعة التشاور، ولا حتى بالمحيط القريب منها.