تسونامي الصدمة: انهيار المنظومة النفسية في “جيش” العدو الصهيوني بعد طوفان الأقصى
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
18 يناير 2026مـ – 29 رجب 1447هـ
ما تزال آثار الانتكاسة التي مني بها الكيان الصهيوني في الـ7 من أكتوبر 2023م تلاحق جنود العدو نظرا للصدمة التي أحدثتها دقة العملية وحجم الخسائر الكبيرة، وما تبعها من عمليات بطولية للمقاومة طيلة عامين من المواجهات، وعزز ذلك بطولات مجاهدي حزب الله، الأمر الذي خلق حالة من الرعب لم تفارق جنود العدو وأدت في نهاية المطاف لانتحار العشرات منهم.
تشير معطيات صادرة عن وزارة حرب العدو إلى تصاعد مقلق في حالات اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) بين الجنود الصهاينة، فالكمائن المعقدة في غزة، والمواجهات المفتوحة في جنوب لبنان، حوّلت ساحات القتال إلى بيئات استنزاف نفسي طويل الأمد، حيث لم تعد الخسائر تُقاس بالعتاد فقط، بل بتآكل الأعصاب وانهيار المعنويات، خصوصًا في صفوف “قوات الاحتياط” في جيش العدو.
وأفادت وزارة حرب العدو بارتفاع اضطراب ما بعد الصدمة بين المجندين الصهاينة بنحو 40% منذ سبتمبر 2023، مع توقع زيادة 180% بحلول 2028. وأكدت أن 60% من أصل 22,300 صهيوني يتلقون علاجًا من جروح الحرب يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة، مقابل زيادة 50% في استخدام العلاجات البديلة.
وقالت شركة “مكابي” الصهيونية (ثاني أكبر مزود للرعاية الصحية في الكيان) في تقريرها السنوي لعام 2025 إن 39% من العسكريين الصهاينة الذين يتلقون العلاج لديها طلبوا دعما نفسيا، بينما عبر 26% منهم عن مخاوف تتعلق بالاكتئاب.
وخلصت لجنة في الكنيست الإسرائيلي في أكتوبر إلى أن 279 مجندا صهيونيا حاولوا الانتحار في الفترة من يناير 2024 إلى يوليو 2025، وهي زيادة حادة مقارنة بالسنوات السابقة. وجاء في تقرير اللجنة أن المجندين الصهاينة المقاتلين شكلوا 78% من مجمل حالات الانتحار في “إسرائيل” عام 2024.
في الـ12 من يناير الجاري نشر مجند صهيوني مقطع فيديو، كشف فيه عن التجربة النفسية التي مرَّ بها جراء مشاهدته للعمليات البطولية التي نفذتها المقاومة في غزة، حيث ظهر المجند في مقطع الفيديو بحالة من الانهيار النفسي قائلًا: “لا أزال أشتم رائحة الجثث داخل جرافة “دي 9″، وأشعر أن قذائف “آر بي جي” تمر داخل رأسي”.
وأضاف “لا أستطيع النوم إلا بعد شرب زجاجة من الكحوليات”.
ومطلع يناير الجاري كشف تقرير نشرته صحيفة “هآرتس الإسرائيلية” العبرية، أن 22 مجندا صهيونيا انتحروا خلال عام 2025، وهو رقم لم يُسجل منذ عام 2010، حين أقدم 28 صهيونيا على الانتحار عقب حرب الإبادة على قطاع غزة.
ومن بين المنتحرين 12 مجنداً إلزامياً وتسعة من “قوات الاحتياط”، وقد وقعت 14 حالة خارج القواعد العسكرية، بينما سُجلت 8 حالات داخلها. وأوضح أن خمسة من المجندين الصهاينة كانوا يتلقون علاجاً نفسياً بسبب تعرضهم لمشكلات صحية نفسية، بينهم خبير مسيّرات رفيع المستوى، قال قبل انتحاره “لم أعد قادراً على تحمّل آثار القتال”.
ويربط التقرير ارتفاع حالات الانتحار باندلاع الحرب على غزة في 7 أكتوبر 2023، حيث سُجلت خلال ذلك العام 7 حالات انتحار، فيما ارتفع العدد الكلي لاحقاً من 17 حالة في 2023 إلى 21 حالة في 2024، مقارنة بمتوسط سنوي بلغ 12 حالة فقط خلال العقد الذي سبق العدوان. هذه الأرقام لا تشمل المجندين الصهاينة الذين أقدموا على الانتحار بعد تسريحهم من الخدمة، حيث تقدّر “وزارة الدفاع” في الكيان أن نحو 15 مجندا سابقاً ممن خدموا خلال الحرب أنهوا حياتهم بعد التسريح.
هذا الانحدار النفسي الحاد لا يمثل مجرد أرقام في تقارير طبية، بل هو انعكاس مباشر للفشل الذريع في مواجهة حرب المدن المعقدة في قطاع غزة ولبنان، حيث تحولت أزقة المخيمات وتلال الجنوب إلى مصائد استنزفت الأعصاب قبل العتاد، ليتشكل بذلك “تسونامي” نفسي يضرب العمود الفقري للاحتلال المتمثل في قوات الاحتياط؛ هؤلاء المستوطنون الذين وجدوا أنفسهم فجأة أمام حقيقة هشاشتهم الكامنة، ما يهدد بتفكك المغتصبين الصهاينة أكثر من أي وقت مضى.
الصهاينة تحت الصدمة
لم تبقَ تداعيات الانهيار النفسي حبيسة الثكنات العسكرية في جيش العدو، بل امتدت إلى عمق المغتصبين الصهاينة. تقرير “مكابي” الصحي لعام 2025 كشف أن 39% من جنود العدو يحتاجون إلى تدخل نفسي فوري، بينما يعاني 26% من اكتئاب سريري، في حين تطال آثار “صدمة أكتوبر” نحو ثلث المستوطنين.
وتجاوزت مؤشرات الانهيار النفسي أسوار القواعد العسكرية الصهيونية لتستقر في صلب البنية المدنية للكيان الصهيوني، حيث لم يعد النزيف محصوراً في ساحات المواجهة، بل امتد ليصيب صناديق المرضى التي باتت تعج بالمجندين في الاحتياط والمسرحين من جيش العدو. وفي هذا السياق، جاء تقرير منظمة “مكابي” لعام 2025، (وهي ثاني أكبر ذراع للرعاية الصحية في الكيان)، حيث وثق التقرير أن 39% من المجندين الصهاينة بحاجة ماسة لتدخل نفسي احترافي، في حين يطارد شبح الاكتئاب السريري 26% منهم، ما يعكس تحول الصدمة من بسالة المجاهدين إلى لعنة جماعية أصابت 32% من عموم المستوطنين الصهاينة، حيث يعيش المستوطنون ارتدادات الزلزال ذاته الذي ضرب جيش العدو.
ويتجلى هذا الانكسار الحيوي في أبسط الوظائف البيولوجية، إذ لم يستطع 48% من جنود العدو النوم، وباتوا أسرى للأرق المستمر والكوابيس التي تعيد إنتاج أهوال الكمائن في مخيلتهم، وهو ما يشلّ ما تبقى من الكفاءة العملياتية؛ ففقدان نصف القوة المقاتلة للقدرة على النوم يعني بالضرورة تهاوي القدرة الإسرائيلية على اتخاذ قرارات مصيرية وسط النيران.
وقد دفع هذا العجز بجنود العدو نحو “التداوي الذاتي” العشوائي، حيث سجلت صيدليات “مكابي” قفزة بنسبة 14% في استهلاك المهدئات والمنومات غير الموصوفة، في محاولة يائسة للهروب من واقع مرعب يلاحقهم حتى في لحظات السكون الزائفة.
وأمام النقص الحاد في الكوادر الطبية النفسية لدى العدو لجأت وزارة حرب الكيان للبحث عن مسكنات خارج الأطر التقليدية، واستخدام العلاجات البديلة والكمالية بنسبة زيادة بلغت 50%. وتحولت شواطئ البحر إلى مراكز تأهيل لجنود العدو تحت مسمى “الركوب على الأمواج” عبر منظمات صهيونية مثل “HaGal Sheli”، في محاولة لتفريغ الشحنات الانفعالية المتفجرة، بالتوازي مع التوسع في توزيع “كلاب الخدمة” لمؤانسة الصهاينة الذين يخشون العتمة ونوبات القلق الليلي، وصولاً إلى الاستعانة ببرامج “اليقظة الذهنية” المدعومة بدراسات من جامعة “تل أبيب” وبالتعاون مع وزارة الدفاع الأمريكية، وهذا مصداق لقول الله الذي ضرب عليهم الذلة والمسكنة.
ولأن أبعاد الانكسار النفسي في صفوف جيش العدو الإسرائيلي بلغت مديات لم تعد المسكنات التقليدية قادرة على احتوائها، استحال الكيان الصهيوني اليوم إلى ما يشبه “مختبر تجارب”، حيث تُختبر على أجساد وعقول جنود العدو المأزومين أكثر العلاجات إثارة للجدل، في محاولة يائسة لترميم ما حطمته ضربات المقاومة. وفي هذا السياق، كشف مركز “شيبا” التابع للعدو عن إطلاق تجارب سريرية هي الأولى من نوعها عالمياً، توظف مادة “الـ MDMA” (المعروفة بـ الإكستاسي) في جلسات علاجية جماعية تستهدف في مرحلتها الأولى 168 صهيونيا ممن عادوا من جحيم المعارك في غزة ولبنان وهم يحملون صدمات قتالية عجز الطب النفسي التقليدي عن مداواتها.
وتُقدَّر كلفة المجند الصهيوني المصاب نفسيًا بنحو 150 ألف “شيكل” سنويًا، ما يعني استنزافًا بمليارات “الشواكل” لخزينة تعاني أصلًا من ضغوط الحرب.
ميدانيا، تسجل معدلات الطلاق والعنف المنزلي والإدمان في الكيان الصهيوني ارتفاعًا ملحوظا مع تحذيرات من تحول آلاف المجندين إلى عبء دائم بدل كونهم قوة عمل منتجة، وهو ما يهدد التماسك الداخلي للكيان الصهيوني.
خاتمة
يواجه الكيان الإسرائيلي اليوم أخطر معاركه، ليس على حدود غزة أو في تلال الجنوب اللبناني، بل في جبهته الداخلية المنهكة نفسيًا، فتسونامي الصدمة الذي ضرب جيشه كشف زيف أسطورة الأمن المطلق، وأثبت أن التفوق العسكري لا يكفي لصناعة النصر حين ينهار الإنسان من الداخل، ومع تراكم الأرقام الصادمة، يتضح أن ما بعد طوفان الأقصى ليس كما قبله، وأن الندوب النفسية العميقة التي خلّفتها المواجهة ستظل تطارد الكيان لأجيال، معلنة بداية أفول عقيدة قامت على القوة، وتجاهلت كلفة العدوان على البشر والوجدان.
