طبيعة الخلافات المصرية الإماراتية

1

ذمــار نـيـوز || تقارير ||

18 يناير 2026مـ –29 رجب 1447هـ

تقرير | أنس القاضي

شهدت العلاقة بين مصر والإمارات خلال العقد الأخير مستوى مرتفعاً من التنسيق السياسي والدعم الاقتصادي، خصوصاً بعد عام 2013م، حيث شكّلت أبوظبي أحد أهم الداعمين الماليين للاقتصاد المصري في مرحلة شديدة الحساسية بعد أحداث ما سمي “الربيع العربي”، ونشاط الإخوان والجماعات “الإرهابية”، غير أن هذا التقارب لم يُلغِ اختلافات عميقة في الرؤى الاستراتيجية تجاه قضايا الإقليم، بل أخفاها مؤقتاً تحت ضغط أولويات مشتركة.

مع تراجع بعض هذه الأولويات، وظهور ملفات جديدة أكثر التصاقاً بالأمن القومي المباشر لمصر، بدأت هذه الاختلافات بالتحوّل إلى تباينات استراتيجية مُعلنة جزئياً، لا سيما في دوائر السودان، القرن الإفريقي، البحر الأحمر، واليمن. ويتميّز هذا التحول بكونه خلافاً قابلاً للسيطرة؛ أي أنه لا يتجه نحو القطيعة، لكنه لم يعد قابلاً للتجاهل أو الاحتواء عبر الخطابات السياسية.

آخر التداولات الإعلامية تتحدث عن تقديم المخابرات العامة المصرية معلومات للسعودية بشأن التحرك البحري الإماراتي في البحر الأحمر وخليج عدن، وهناك أخبار أخرى تتحدث عن قرار مصري بمنع مرور الطائرات الحربية الإماراتية من الأجواء المصرية إلى السودان لدعم ميليشيات الدعم السريع. وأيا كانت حقيقة هذه الأخبار -وهي في طبيعة الحال منطقية- فإنها مؤشرات لتعقد العلاقات المصرية الإماراتية.

ملف السودان
يمثّل السودان محور الخلاف الأعمق والأكثر حساسية في العلاقة المصرية–الإماراتية، إذ تنطلق المقاربة المصرية من اعتبار السودان عمقاً استراتيجياً لا غنى عنه، سواء من زاوية الأمن الحدودي، أو من زاوية الأمن المائي المرتبط بنهر النيل، وضمن هذا التصور، ترى القاهرة أن القوات المسلحة السودانية تمثل الإطار المؤسسي الوحيد القادر على الحفاظ على الدولة الوطنية ومنع انزلاق البلاد إلى تفكك دائم.

في المقابل، تشير المعطيات المصرية إلى انخراط إماراتي فعلي في دعم قوات الدعم السريع، سواء بصورة مباشرة أو عبر شبكات إمداد وتمويل غير معلنة، وتعتبر القاهرة هذا النهج تهديداً مزدوجاً: فهو من جهة يقوّض بنية الدولة السودانية، ومن جهة أخرى يفتح الباب أمام فوضى ممتدة قد تنتقل آثارها إلى الداخل المصري، عبر موجات لجوء ضخمة، وانفلات أمني، وإضعاف الموقف التفاوضي المصري في مواجهة إثيوبيا.

ويكشف الخطاب المصري (الرسمي والإعلامي) عن رفض قاطع لمعادلة “الجيش والميليشيا”، وعن تمسّك واضح بمبدأ أن أي تسوية سياسية في السودان يجب أن تمر عبر إعادة الاعتبار للمؤسسة العسكرية الوطنية. وفي هذا السياق، تضع القاهرة شرطاً غير معلن لأي وساطة محتملة: وقف الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع، وتحميل الجهات الداعمة مسؤولية سياسية وأخلاقية عن الكارثة الإنسانية.

الخلاف المصري الإماراتي حول السودان ليس خلاف مصالح عابرة، بل خلاف بنيوي في تصور الدولة والأمن، وهو بالنسبة لمصر خلاف ذو طابع وجودي، لا يمكن احتواؤه إلا بتغيير ملموس في السياسات على الأرض، لا بمجرد تفاهمات دبلوماسية.

القرن الأفريقي و”صوماليلاند”
يتّصل ملف القرن الأفريقي اتصالاً مباشراً بالأمن القومي المصري، من خلال موقعه الجغرافي المتاخم لمضيق باب المندب، وتأثيره المحتمل على أمن الملاحة الدولية وقناة السويس، إضافة إلى تشابكه الوثيق مع ملف سد النهضة الإثيوبي، ومن هذا المنطلق، تنظر القاهرة بقلق بالغ إلى أي تحركات تُفضي إلى تفكيك الدول الوطنية في هذه المنطقة، وعلى رأسها الصومال.

ترفض مصر بصورة قاطعة الاعتراف بــ”صوماليلاند”، وتعتبر أي تعاون خارجي معها خارج إطار الدولة الصومالية المركزية تهديداً مباشراً لتوازنات البحر الأحمر، ويزداد هذا القلق مع تلاقي الدور الإماراتي في إدارة الموانئ والبنى التحتية مع مصالح إثيوبية وإسرائيلية، بما قد يحوّل الإقليم إلى منصة ضغط استراتيجية على مصر من الجنوب والشرق معاً.

وفي هذا السياق، تكشف المقارنة بين الموقف المصري من الدور الإماراتي والموقف من الدور التركي في الصومال عن دلالة مهمة: فالقاهرة لا تعارض النفوذ الخارجي من حيث المبدأ، لكنها ترفض توظيف هذا النفوذ في مسار التفكيك وأن يصبح غطاءً لحضور الكيان الصهيوني، وهو ما يضع الخلاف مع أبوظبي في هذا الملف ضمن إطار أوسع يتعلق بإعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي.

الخلاف في القرن الأفريقي استباقي وطويل الأمد، ويتجاوز الحسابات الثنائية ليطال مستقبل التوازنات الجيوسياسية في البحر الأحمر، ويتصل مباشرة بالأمن القومي المصري الجذري، وفي هذا الملف تلتقي التصورات اليمنية المصرية.

اليمن
يتقاطع الموقف المصري مع موقف السعودية في التأكيد على وحدة اليمن ورفض أي مشاريع انفصالية، انطلاقاً من قناعة بأن تفكيك اليمن سيحوّل جنوب الجزيرة العربية إلى ساحة صراع مفتوح، ويُسهم في تدويل السواحل والممرات البحرية.

في المقابل، ترى القاهرة أن الدعم الإماراتي لقوى انفصالية في جنوب اليمن يحمل مخاطر استراتيجية بعيدة المدى، إذ يخلق كيانات وظيفية هشّة، قابلة للاختراق الصهيوني، وقد تتحوّل إلى مصدر تهديد دائم للاستقرار الإقليمي. ورغم أن الخطاب المصري في هذا الملف يتّسم بالحذر والاحتواء دون خطاب صدامي مباشر، إلا أن إدراج اليمن ضمن خطاب “رفض تفكيك الدول الوطنية” يضعه عملياً في خانة الخطوط الحمراء الاستراتيجية. وفي هذا الملف أيضاً تلتقي التصورات المصرية مع المصالح الوطنية اليمنية.

العامل الإسرائيلي
لا تقدّم القاهرة “إسرائيل” بوصفها المحرّك الوحيد للخلاف مع أبوظبي، لكنها ترى أن تنامي الشراكة الإماراتية–الإسرائيلية يُعيد تشكيل البيئة الإقليمية بطريقة قد تُضعف الدور المصري التقليدي، خصوصاً في ملفات الوساطة الإقليمية وأمن البحر الأحمر، كما تنظر بقلق إلى مشاريع نقل وطاقة بديلة قد تؤثر على مكانة قناة السويس كممر تجاري عالمي.

إدارة الخلاف

تتسم إدارة القاهرة للخلاف مع أبوظبي بازدواجية مُقدرة، فعلى المستوى العلني تؤكد التصريحات الرسمية على قوة العلاقات، وكثافة التواصل، وتشابك المصالح، أما على المستوى العملي، فتتجه مصر إلى:

تعزيز تحالفاتها الإقليمية في القرن الأفريقي مع إرتيريا وجيبوتي والصومال الفدرالية.
دعم جيوش الدول الوطنية في السودان والصومال.
ترسيخ خطاب ثابت يرفض الميليشيات في السودان ومسارات التفكيك في السودان واليمن والصومال وليبيا.
تعكس هذه الازدواجية مقاربة تهدف إلى احتواء الخلاف دون تفجيره، مع الحفاظ على القدرة على الردع السياسي إذا تجاوزت التباينات سقفها المقبول.

الاتجاهات المحتملة
تمرّ العلاقة المصرية–الإماراتية بمرحلة تباين استراتيجي حادّ لكنه تحت السيطرة، حيث تُعدّ الخلافات القائمة حقيقية وبنيوية في بعض الملفات الحسّاسة، من دون أن تتجه، في المدى المنظور، نحو قطيعة شاملة، وذلك بفعل تشابك المصالح الاقتصادية والمالية بين الطرفين، والحاجة المشتركة إلى الحفاظ على حدّ أدنى من الاستقرار الإقليمي في بيئة شديدة الاضطراب. وفي هذا الإطار، يُرجَّح استمرار نمط “التصعيد البارد”، مع سعي مصري متدرّج لإعادة ضبط السلوك الإماراتي في الملفات الأكثر مساسًا بالأمن القومي المصري، ولا سيما في السودان والقرن الأفريقي، من دون الانزلاق إلى صدام علني مباشر.

غير أنّ هذا التوازن يبقى هشًّا؛ إذ إن أي اعتراف ودعم لكيانات انفصالية في القرن الأفريقي واليمن، أو تثبيت دائم لقوات الدعم السريع في السودان وترجيح كفتها على الجيش الرسمي، قد يدفع بالخلاف إلى مستوى صدام سياسي مفتوح يصعب احتواؤه. وبصورة عامة، تتعامل القاهرة مع هذا التباين بوصفه خلاف مصالح ورؤى داخل إطار شراكة قائمة، لا صراع وجود شامل، إلا أنّ استمرار هذا الوضع من دون تسويات عملية، خصوصًا في دوائر السودان والقرن الأفريقي، مرشّح لأن يجعل الخلاف أكثر بنيوية وأقل قابلية للإدارة مع مرور الوقت، بما يفرض على مصر توسيع خياراتها التحالفية والردعية لحماية عمقها الاستراتيجي.