غرينلاند وإيران في حلقة “جغراسيا”.. جغرافيا الموارد في مواجهة الأطماع الأمريكية

1

ذمــار نـيـوز || متابعات ||

17 يناير 2026مـ –28 رجب 1447هـ

يستعرض النائب والإعلامي والباحث الأستاذ ناصر قنديل في هذه الحلقة من برنامج «جغراسيا» التي تعرض على شاشة “قناة المسيرة” كل يوم جمعة قراءة تحليلية معمّقة لما شهدته إيران من أحداث متسارعة، ضمن مشهد دولي وإقليمي شديد التشابك.

ويرى الأستاذ قنديل في برنامجه أن ما جرى في إيران هو حلقة متقدمة في مسار المواجهة المفتوحة بين أمريكا ومحور المقاومة، وهي مواجهة لم تعد تُدار عبر الجيوش وحدها، وإنما عبر إدارة الفوضى، والتحكم بالاتصال، واستثمار الجغرافيا كأداة هيمنة أو مقاومة، في ظل تحولات كبرى تعيد رسم موازين القوة العالمية.

وينطلق برنامج «جغراسيا» من معادلة ثابتة تؤكد أن فلسطين تشكّل جوهر الصراع العالمي، وأن موقعها الجغرافي، ودورها التاريخي، ووظيفتها السياسية، جعلتها مركزًا لمشاريع الهيمنة الغربية منذ نشوء المشروع الصهيوني، لافتاً إلى أن فلسطين تمثّل العقدة التي تتلاقى عندها المصالح الاقتصادية والجيوسياسية، وهي النقطة التي تتكشّف عندها حقيقة الصراع بين قوى الهيمنة والاستكبار العالمي وقوى التحرر، ومن هنا، فإن أي دولة تضع فلسطين في صلب معادلتها السياسية والأمنية تدخل تلقائيًا في دائرة الاستهداف الأمريكي الصهيوني.

 

 

وفي هذا السياق، تظهر إيران كدولة قررت ربط أمنها القومي بفلسطين، وتحويل دعم المقاومة إلى خيار استراتيجي ثابت، ما جعلها هدفًا مباشرًا للحصار والضغط والحرب المركبة، باعتبارها أحد الأعمدة التي يستند إليها محور المقاومة في المنطقة.

من الحصار والعقوبات إلى الحرب المركبة

ويعرض البرنامج المسار الطويل للمواجهة التي قادتها أمريكا ضد إيران، بدءًا من العقوبات الاقتصادية الشاملة، والحصار المالي، ومحاولات العزل السياسي، وصولًا إلى الحرب السيبرانية، والاغتيالات، والاستهدافات الأمنية غير المباشرة.

هذه الأدوات هدفت إلى إنهاك الدولة الإيرانية اقتصاديًا، وإضعاف المجتمع، ودفعه نحو الانفجار الداخلي، غير أن هذا المسار واجه قدرة إيرانية متراكمة على التكيّف، وبناء بدائل، وتطوير منظومات اقتصادية وأمنية تقلّل من أثر الحصار.

ومع تراجع فعالية هذه الأدوات، انتقلت أمريكا إلى مستوى أكثر تعقيدًا عبر الحرب المركبة، التي تعتمد على تحريك الداخل، واستثمار الأزمات الاجتماعية، وتغذية الاحتقان، وربط ذلك بإدارة إعلامية واتصالية واسعة، بهدف إحداث اختراق داخلي يعوّض فشل الضغط الخارجي.

ويرصد البرنامج تطور الأحداث داخل إيران، حيث بدأت التحركات ذات طابع معيشي واجتماعي، ثم شهدت انتقالًا تدريجيًا نحو أنماط أكثر عنفًا، مع بروز مجموعات منظّمة، وعمليات تخريب، واستهداف مباشر لقوى الأمن، وإحراق منشآت عامة، وقطع طرق رئيسية.

هذا التحول كشف الطابع المركّب للأحداث، وربطها بشبكات تمويل وتوجيه تعمل خارج الحدود، ضمن مشروع تقوده أمريكا لإعادة إنتاج سيناريو الفوضى، ونقل الصراع من مستوى الضغط السياسي إلى مستوى الإنهاك الأمني والاجتماعي.

البرنامج يوضح أن هذا النموذج يعتمد على كسر الثقة بين الدولة والمجتمع، وضرب الاستقرار، وإغراق المشهد بالفوضى، باعتبار ذلك مدخلًا لإعادة تشكيل التوازنات السياسية من الداخل.

وفي لحظة مفصلية، شهدت المدن الإيرانية خروجًا شعبيًا واسعًا، شكّل تحوّلًا استراتيجيًا في مسار الأحداث. هذا الحضور الجماهيري عكس وعيًا عامًا بطبيعة الاستهداف الخارجي، ورفضًا لمحاولات تحويل المطالب الاجتماعية إلى أداة تخريب.

هذا المشهد أسقط الرهان على انهيار الجبهة الداخلية، وأعاد تثبيت موقع الدولة، ووجّه رسالة واضحة إلى الخارج بأن المجتمع الإيراني يمتلك قدرة عالية على التماسك في مواجهة الحروب المركبة.

حرب الاتصالات ومعركة السيادة الرقمية

وبعد فشل الرهان على الشارع، انتقلت المواجهة إلى ساحة الاتصالات، عبر استخدام شبكة ستارلينك كأداة لتجاوز البنية الوطنية، وتأمين قنوات تواصل مستقلة عن الرقابة السيادية.

البرنامج يتوقف مطولًا عند هذه النقطة، معتبرًا أن معركة الاتصالات تمثّل أحد أخطر أوجه الصراع الحديث، حيث تتحول التكنولوجيا إلى سلاح جيوسياسي. إيران واجهت هذا التحدي بقدرات تقنية متقدمة، ونجحت في تعطيل الشبكة داخل أراضيها، في خطوة كشفت حدود التفوق التكنولوجي الأمريكي.

وقال: “هذه المواجهة فتحت بابًا جديدًا في معارك السيادة، وأثبتت أن التحكم بالفضاء الرقمي بات عنصرًا حاسمًا في الصراع بين الدول.”

ويتابع: “مع سقوط أدوات الاتصال، وتراجع الزخم الإعلامي، انتقلت الدولة الإيرانية إلى مرحلة الحسم الأمني، حيث جرى تفكيك الخلايا المرتبطة بالخارج، وضبط شبكات التمويل، واستعادة السيطرة على المشهد الداخلي.”

قنديل يرى في هذا المسار نموذجًا لإدارة الأزمات المركبة، يقوم على التدرّج، وامتصاص الصدمات، ومنع الانزلاق نحو الفوضى الشاملة، مع الحفاظ على الاستقرار العام.

ويتناول البرنامج الورقة الكردية باعتبارها أحد أخطر المفاصل الجغرافية في المنطقة، نظرًا لامتدادها بين إيران وتركيا والعراق وسوريا.

 

 

التحليل يحذّر من أن أي محاولة لاستثمار هذا الملف تحمل مخاطر تفجير إقليمي واسع، وتهدد بإعادة رسم خرائط النفوذ بالقوة، في بيئة مشبعة بالتداخلات الإثنية والسياسية، ما يجعل هذا الخيار شديد الخطورة حتى على أمريكا نفسها.

سوريا: الجغرافيا ومعادلات ما تحت الطاولة

وفي مقاربة أوسع للمشهد السوري، يتوقف برنامج «جغراسيا» عند التطورات الميدانية الأخيرة، وخصوصًا في مدينة حلب ومحيطها، وفي الجنوب السوري، باعتبارها مؤشرات جغرافية كاشفة لمسار الصراع، بعيدًا عن الخطاب السياسي والإعلامي المعلن.

 

 

ويُظهر التحليل أن ما يجري في الشمال السوري يتجاوز الاشتباكات الموضعية، ويتصل بإعادة ترتيب خطوط السيطرة وفق توازنات دولية وإقليمية دقيقة، حيث تتحول الجغرافيا إلى أداة تفاوض غير معلنة بين القوى المتدخلة. الصمت الذي يلتزمه الكيان الصهيوني حيال ما يحدث في حلب يفتح الباب أمام قراءة أعمق، تتعلق بتفاهمات ضمنية تحكم حركة الأطراف، وتعيد توزيع الأدوار دون الحاجة إلى إعلان رسمي.

ففي الجنوب السوري، وتحديدًا في محيط الجولان المحتل وجبل الشيخ، تفرض الجغرافيا معادلة مختلفة، عنوانها الظاهري تثبيت الاستقرار مقابل تمرير ترتيبات في ساحات أخرى.

هذا المشهد يعكس منطق المقايضة الجغرافية، حيث يجري ضبط الجبهات الحساسة بما يخدم مصالح القوى الكبرى، ويمنع انفجارًا واسعًا قد يربك الحسابات الإقليمية.

ويشير البرنامج إلى أن سوريا باتت ساحة اختبار لنموذج إدارة الصراع عبر التوازنات الجغرافية، حيث تُترك بعض المناطق للاشتعال المحدود، فيما تُجمَّد جبهات أخرى، وفق أولويات تتعلق بالأمن الإقليمي، وحماية خطوط الطاقة، وضمان أمن الكيان الصهيوني، وتفادي توسّع الاشتباك إلى مواجهة شاملة.

وهذه القراءة تضع سوريا في قلب معركة الخرائط، حيث تُدار الحرب والسياسة من خلال السيطرة على العقد الجغرافية، والممرات الحيوية، ونقاط الارتكاز الاستراتيجية، ما يجعل المشهد السوري نموذجًا حيًا لكيفية تحوّل الجغرافيا إلى لغة تفاهم وصراع في آن واحد.

غرينلاند: الجغرافيا في خدمة الاقتصاد

وينتقل برنامج «جغراسيا» إلى الساحة الدولية، حيث تتلاقى الجغرافيا مع الاقتصاد بشكل مباشر، عبر تسليط الضوء على الاهتمام الأمريكي المتزايد بغرينلاند في لحظة تشهد فيها أمريكا واحدة من أعقد أزماتها الاقتصادية والمالية.

غرينلاند التي كانت جزيرة نائية في الحسابات الجيوسياسية، تحولت إلى خزان استراتيجي للثروات الطبيعية، من معادن نادرة إلى مصادر طاقة محتملة، إضافة إلى موقعها الحاسم في معادلة السيطرة على الممرات القطبية الجديدة التي يفتحها ذوبان الجليد بفعل التغير المناخي.

وفي ظل تصاعد أزمة الديون الأمريكية، وارتفاع كلفة خدمة الدين، وتراجع القدرة على ضبط الأسواق العالمية، تبحث أمريكا عن مخارج جغرافية تعوّض التآكل الاقتصادي الداخلي، فتقرأ إدارة ترامب غرينلاند وكندا كعنوان جغرافي جديد في المعادلة، ومحاولة لامتلاك موارد جديدة تمنح الاقتصاد الأمريكي هامش تنفّس إضافي.

وهذا التوجه يعكس انتقال الصراع من ساحات الحروب التقليدية إلى ساحات الموارد والجغرافيا البعيدة، حيث تصبح المناطق القطبية جزءًا من معركة النفوذ العالمي، مع ما تحمله من أبعاد عسكرية واقتصادية واستراتيجية في مواجهة روسيا والصين. السيطرة على غرينلاند تعني التحكم بمستقبل الطاقة، والمعادن الاستراتيجية، وخطوط الملاحة الجديدة، إضافة إلى تعزيز التفوق العسكري في مواجهة المنافسين داخل الدائرة القطبية.

ويكشف هذا السلوك حجم القلق داخل مراكز القرار الأمريكية، حيث تتحول الجغرافيا إلى ملاذ أخير لتعويض الخسائر الاقتصادية والسياسية، حتى وإن أدى ذلك إلى توتير العلاقات مع الحلفاء الأوروبيين، وتهديد تماسك حلف الناتو.

في هذا السياق، يصبح هذا التوجه جزءًا من نفس المنطق الذي يدفع أمريكا للتصعيد ضد إيران، فالتصعيد الأمريكي في المنطقة لا يمكن فصله عن الأزمة الاقتصادية العميقة التي تعيشها أمريكا، وعن محاولتها تعويض تراجع الهيمنة عبر البحث عن موارد جديدة وخطوط نفوذ إضافية، إذ يعكس اندفاع إدارة ترامب نحو طرح أفكار السيطرة على غرينلاند وكندا بحثًا محمومًا عن موارد تعوّض التآكل الاقتصادي الداخلي، وتمنح الاقتصاد الأمريكي هامش حركة إضافي، بعد فشل الحروب على روسيا والصين وإيران وفنزويلا في تحقيق أهداف الهيمنة.

ويرى البرنامج أن هذا السلوك يكشف حجم القلق داخل مراكز القرار الأمريكية، حيث تتحول الجغرافيا إلى ملاذ أخير لتعويض الخسائر الاقتصادية والسياسية، حتى وإن أدى ذلك إلى توتير العلاقات مع الحلفاء الأوروبيين، وتهديد تماسك حلف الناتو.

في هذا السياق، تصبح غرينلاند رمزًا لتحوّل العالم نحو صراعات الموارد والمواقع، حيث تفرض الجغرافيا نفسها كعامل حاسم في رسم مستقبل النظام الدولي، وتكشف أن الأزمة الأمريكية تتجاوز السياسة إلى عمق الخريطة العالمية.

وتخلص الحلقة إلى أن الجولة الأخيرة انتهت بتقدّم واضح لإيران، مع فشل أدوات الحرب المركبة، وتراجع الرهان على الداخل، وانكشاف حدود التفوق التقني الأمريكي، لكن الصراع ما يزال مفتوحًا، ويتحرّك بين الجغرافيا والاقتصاد والموارد، فيما تبقى فلسطين المركز الذي تتقاطع عنده كل خطوط الاشتباك، وتبقى الجغرافيا المفتاح الحاسم لفهم الحاضر واستشراف مسار المواجهة المقبلة.