من الموت جوعاً إلى الموت برداً.. غزة تصنف ضمير العالم

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
16 يناير 2026مـ – 27 رجب 1447هـ

تقرير || وديع العبسي

ما إن أعلن المدعو “ترامب” عن وقف إطلاق النار في غزة حتى تنفست الأنظمة العربية الصعداء؛ حينها وجدت في “المسرحية” الأمريكية المخرج من سلبيتها تجاه مجازر الإبادة، عاقدة العزم على ألا تعيد النظر إلى غزة، وما إذا كان العدو الصهيوني قد التزم بالاتفاق أو أخلّ به.

لم تتعامل هذه الأنظمة مع إبادة الفلسطينيين يوماً من منطلق المسؤولية، ولذلك رحبت سريعاً بالمسرحية التي وضعها ترامب وأخذت تتغنى بتفاصيلها. وباستثناء خفض الهجمات، استمر العدوان الإسرائيلي بأشكاله المختلفة، بما في ذلك الحصار الذي لا يزال يتساقط على إثره الشهداء. وبغض النظر عن آلاف الخروقات، فإن أكبر خرق يتمثل في منع دخول المساعدات اللازمة، يوازيه خرق الرعاة للاتفاق الذين وقفوا سلبيين أمام ما يعانيه الفلسطينيون، كما لم يحركوا ساكناً في ما يتعلق بتحريك بند الإعمار والانتقال إلى المرحلة التالية، في انتظار ما يجود به “المزاج الترامبي”.

يعيش الفلسطينيون في القطاع اليوم مأساة جديدة بسبب الإهمال، وخيانة العدو للاتفاق، بينما يدير العرب والعالم وجوههم عما يجري، وكأن الاتفاق المزعوم قد أنهى المأساة ورفع عن كاهلهم ثقلاً لا يقوون على تحمله. اليوم المأساة أعظم؛ حيث يعيش الناس فقراً مدقعاً في شتاء قارس ومنخفض جوي تسببت أمطاره في جرف الخيام وتساقط ما تبقى من جدران المنازل على رؤوس من حاول الاحتماء بها.

غزة بلا نشرة لأحوال الطقس
يرصد العالم -بما فيه العرب- أحوال المناخ ودرجات الحرارة، وينشرون يومياً نشرة الطقس محذرين من تقلبات محتملة، داعين إلى أخذ الحذر من موجات الصقيع. ووحدهم الفلسطينيون لا تعنيهم هذه النشرة؛ فهم طوال الوقت على ترتيب واحد لا استثناء فيه: البحث عن أماكن تأويهم من الأمطار، وعيدان حطب جافة لإشعال النار أسفل “قِدْر” بما توفر من طعام، ولا مجال حتى لتسخين الماء لحاجة الأطفال والرضع والنساء.

المشهد في غزة يعكس الحال الذي وصلت إليه المشاعر الإنسانية؛ حيث الجميع منصرفون إلى يومياتهم والاستمتاع بالدفء، بينما القتل البطيء ينهش في قدرة الفلسطينيين على التحمل حد الموت. وقد مات فعلاً في مخيمات النزوح القسري منذ بدء الحرب 21 شهيداً (وفقاً للإحصائيات الأخيرة) بينهم 18 طفلاً، سبعة منهم قضوا بسبب موجات البرد الأخيرة مع انعدام وسائل التدفئة والمأوى الآمن، والنقص الحاد في الأغطية والملابس الشتوية. هذا يكشف حجم الكارثة الإنسانية التي تهدد الفئات الأضعف في المجتمع الفلسطيني.

وكما تشابهت أيام العدوان العنيف والقتل بالقنابل، تتشابه يوميات الفلسطينيين بعد “اتفاق” وقف العدوان: واقع لم يتعافَ بعد من حرب إبادة نفذها الكيان “الإسرائيلي” طوال العامين الماضيين، وانتظار مؤلم للموت في زحف بطيء. في هذا الوقت، ما تزال الأمم المتحدة وهيئاتها تعزف على ذات الأسطوانة في التعبير عن الأسف ودعوة العدو بصوت مهزوز إلى مراعاة القوانين الإنسانية، مع عجز دائم عن إحداث أي تأثير لغياب الضغط العربي والإسلامي.

مطالب بالتحرك العاجل
أوضحت وكالة “الأونروا” أن سكان غزة الذين أُجبروا على مغادرة منازلهم معرضون للبرد والرياح والفيضانات. هؤلاء ممن نجوا من القنابل والجوع، يواجهون اليوم حياة بلا مواد كافية تقيهم البرد. وأكدت الوكالة أن البرد والاكتظاظ وانعدام النظافة يزيد من خطر الإصابة بالأمراض والعدوى، وأن هطول الأمطار يفاقم الأوضاع المعيشية المتردية أصلاً.

ودعت منظمة الهلال الأحمر الفلسطيني المجتمع الدولي لتقديم مساعدات عاجلة، محذرة من تفاقم الوضع الصحي في المخيمات. فيما طالب المكتب الإعلامي الحكومي بقطاع غزة الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية بالتحرك العاجل لتوفير مراكز إيواء آمنة، والسماح بإدخال مستلزمات التدفئة دون قيود لإنقاذ ما تبقى من الأرواح قبل فوات الأوان.

وأكد المتحدث باسم الدفاع المدني، محمود بصل، أن 99% من مراكز الإيواء غرقت بشكل كامل، وأن أكثر من مليون و500 ألف إنسان يعيشون في خيام غارقة تماماً، وأن القادم سيكون أصعب. ووفقاً لبيانات رسمية، فإن أكثر من 93% من الخيام باتت مهترئة وتفتقر لمقومات الحماية الأساسية، مع عجز تام للبلديات عن تقديم الخدمات بسبب انعدام الإمكانيات. وتتساءل التناولات: “إلى متى سيظل هؤلاء الضحايا مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بينما يستمر العالم في صمته؟”.

العدو الصهيوني يكرر الغباء
فقط من يسكن الغباء تركيبتهم لا يستوعبون التجارب، ونموذجهم الصارخ هو العصابة الصهيونية التي ارتكبت مئات المجازر بحق الشعب الفلسطيني. فعلوا كل شيء لتطويع الفلسطينيين أو إجبارهم على الهجرة؛ قتلوا المئات ودمروا آلاف المنازل وجرفوا المزارع، ووصلوا بالحصار إلى أسوأ مستوى عرفته البشرية، ومع ذلك لم يحققوا شيئاً.

اليوم، وبعد معركة نارية شهدها العالم، يعيدون الكرّة للمرة الألف بتحرك خاوٍ من أي حنكة سياسية، عبر الحصار وتعمد إغراق الفلسطينيين بالأوجاع وهم يفترشون الأنقاض، محاولين من جديد إجبارهم على الخضوع أو الرحيل. لكن الشعب الفلسطيني الذي تشرّب الثورة وعاش الشهادة في تفاصيل جهاد العزة والكرامة، يبقى شعباً عصياً؛ فمنذ مئة عام والعدو يحاول تهجيره من أرضه، فلا يقوى إلا على ارتكاب الجرائم، فيما يبقى الفلسطيني متجذراً في أرضه.

المصدر: “موقع أنصار الله”