شلل نصفي وفقدان رزق.. “محمد الخطيب” ناجٍ من الموت وأسير الألم في غزة
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
15 يناير 2026مـ – 26 رجب 1447هـ
في لحظة واحدة، انقلبت حياة محمد ثابت الخطيب (37 عامًا) من أبٍ يسابق الحياة لأجل أطفاله الثلاثة، إلى جسدٍ مُثقلٍ بالعجز والألم، وروحٍ تصارع الفقد والخسارة. لم يكن يدري أن الحرب الصهيونية لن تكتفي بسرقة بيته ومصدر رزقه، بل ستتركه حبيس كرسي متحرك، يراقب أحلامه تتهاوى واحدة تلو الأخرى.
مع بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، حمل محمد أطفاله على كتفيه وفرّ بهم من تحت القصف، تاركًا خلفه منزلًا مهددًا ومحلاً متواضعًا للحلاقة كان يمثّل مصدر دخله الوحيد.
أيام قليلة فقط كانت كفيلة بتحويل سنوات من التعب إلى ركام، بعد أن قصف العدو الإسرائيلي محله في أحد أحياء غزة، ليجد نفسه بلا عمل، نازحًا إلى مخيم النصيرات، محاصرًا بالخوف والقلق على مستقبل أطفاله.
وفي 23 نوفمبر 2023، وبينما كان يحاول التأقلم مع قسوة النزوح، باغتته الحرب من جديد. قصفٌ عنيف طال منزلًا مجاورًا للمكان الذي لجأ إليه، انفجار هائل، شظايا متناثرة، صراخ في كل اتجاه.. وكان محمد أحد الضحايا.
يقول الخطيب لـ“فلسطين أون لاين”: “ما حسّيت بشي… فجأة الدنيا اسودّت، وبعدها ما بعرف شو صار”.
نُقل إلى مستشفى العودة، وهناك، وسط الاكتظاظ ونقص الإمكانيات، أُعلن خطأً أنه في عداد الشهداء. جسده كان ساكنًا، بلا حراك، وكأن الحياة غادرته. لكن في لحظة فارقة، انتبه أحد الممرضين – وهو قريب له – إلى وجود علامات حياة خافتة، فاندفع لإنقاذه دون تردد.
جرى تقديم إسعافات ميدانية عاجلة، ووُضعت أنابيب في صدره لتفريغ الهواء والدم المتجمعين نتيجة إصابته الخطيرة، لتبدأ معجزة صغيرة وسط الجحيم. شيئًا فشيئًا، عادت علاماته الحيوية، ونُقل إلى العناية المركزة تحت مراقبة مشددة.
زوجته روان الخطيب، تستعيد تلك اللحظات بصوتٍ مخنوق: “محمد كان غايب عن الوعي.. لا سامع صراخ أولاده ولا حاسس فينا. قالوا لنا وضعه حرج جدًا، وكنا بنحضّر نفسنا للأسوأ”.
بعد ستة أيام من الغيبوبة، فتح محمد عينيه على واقع جديد. أول ما خطر بباله لم يكن الجراح ولا الألم، بل ساقاه.
“وين رجليا؟ مش حاسس فيهم”، سأل الطبيب بقلق.
جاءه الرد مطمئنًا: “هذا مؤقت”.
لكن الحقيقة كانت أقسى. فحوصات دقيقة كشفت عن إصابة خطيرة في العمود الفقري بسبب شظية، أدت إلى شلل نصفي سفلي.
في مستشفى غزة الأوروبي، خضع لعملية جراحية معقدة استمرت نحو ثماني ساعات لتثبيت العمود الفقري، في محاولة لإنقاذ ما تبقى من قدرته على الحركة.
يقول محمد بحسرة: “الدكتور قال لي إن احتمال إني أمشي ضعيف جدًا… 3% بس، لكني متمسك بالأمل”.
خسر محمد كل شيء تقريبًا: محله، مصدر رزقه، صحته، وقدرته على المشي. وحتى شغفه بكرة القدم، التي كان يمارسها لاعبًا في نادي الصداقة، بات ذكرى موجعة. اليوم، يعيش على وقع ألمٍ دائم، يزداد مع البرد القارس والبلاتين المزروع في ظهره، في ظل نقص حاد في الأدوية والمسكنات ومهدئات الأعصاب.
لم يعد قادرًا على تلبية احتياجاته الأساسية دون مساعدة، فيما تتفاقم معاناته النفسية والجسدية يومًا بعد يوم، وسط واقع إنساني قاسٍ يعيشه آلاف الجرحى في غزة.
قصة محمد الخطيب ليست استثناءً، بل نموذجًا حيًا لمعاناة إنسانية تتكرر كل يوم في قطاع غزة؛ ناجون من الموت، لكنهم محاصرون بعجزٍ دائم، وألمٍ لا ينتهي، وحياةٍ أُجبروا على البدء بها من الصفر.. بلا ضمانات، ولا أفق واضح.
