احتجاجات إيران المطلبية وحاجات الصهاينة العدوانية
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
13 يناير 2026مـ – 24 رجب 1447هـ
تقرير || يحيى الشامي
في كل مظاهرات العالم جرت العادة أن تقمع قوات النظام المتظاهرين أو حتى تعتدي عليهم، لكن المشهد في إيران مختلف تماماً، فالمحتجون هم من يعتدون على قوات الأمن دهساً وحرقاً وقتلاً. ومن الإجحاف وصف ما جرى في الأسبوعين الأخيرين بالاحتجاجات المطلبية أو التظاهرات السلمية، فوفقاً لمشاهد العنف المتصاعدة وشهادات المراقبين وعدد أرقام الشهداء من قوات الأمن، فإن ما يحدث هو امتداد مباشر لحرب الـ12يوماً الصهيونية-الأمريكية على إيران الإسلامية.
من البازار الى الفوضى والتخريب
بدأت الشرارة في 28 ديسمبر 2025 من أسواق طهران التاريخية، حيث انهار سعر التومان أمام الدولار نتيجة الحصار الاقتصادي الأمريكي الممتد لعقود؛ مطالب اقتصادية مشروعة تحركها معاناة شعبية حقيقية قابلة للتفاوض والنقاش ضمن قنوات سليمة مكفولة، وبالفعل كانت الحكومة قد أبدت استعداداً للحوار وتفهّماً واضحاً لأحقية المطالب ومشروعية التحرك السلمي، لكن سرعان ما انحرف المشهد عن سياقه المطلبي حين دخلت خلايا مدربة وممولة من الخارج على خط البازار، لتحول الصوت المطلبي الواضح إلى مطالب تتقاطع تماماً مع أهداف العدو الإسرائيلي والأمريكي، حينها بدأت سلسلة اعتداءات منظّمة تستهدف مؤسسات الدولة ورجال الامن والشرطة، وتتجاوز في جرأتها كل الخطوط الحمراء والرموز المقدسة، حتى “بدا الأمر كأن إيران تقاتل نفسها”، كما يصف أحد المراقبين للمشهد الإيراني، مشيراً إلى أن “التدخل الخارجي حوّل مظاهرة اقتصادية إلى حرب استخباراتية مفتوحة”.
اعترافات العدو: السلاح والخطط العسكرية
وضمن سعيها لامتطاء موجة التظاهرات، ورغم منع الحكومة الصهيونية مسؤوليها عن التصريح مباشرة، إلا أن نقاشات الخبراء والمحللين في الاعلام الصهيوني كشفت قدراً كافياً لفضح حجم التدخل الصهيوني على خط الأزمة الداخلية الإيرانية، فقد اضطرت أوساط العدو الصهيوني نفسها إلى الاعتراف بدور الولايات المتحدة و”إسرائيل” في تأجيج العنف، منها ما أكدته مصادر إسرائيلية أن “الولايات المتحدة وإسرائيل هما مِن وراء تأجيج أعمال العنف والقتل في إيران، وأنهما يزوّدان عملاءهما بالسلاح وأدوات التخريب”، متحدثة عن “تحضيرات لهجوم عسكري جديد ضد إيران رغم المحاذير الكبيرة”.
وفي اعتراف صريح، أقرّ المراسل السياسي للقناة 14 الصهيونية “تامير موراغ” قائلاً: “هناك عملاء من دول مختلفة غير إسرائيل على الأرض في إيران، ويمكننا أن نرى أن المتظاهرين لديهم كمية لا بأس بها من السلاح، ففي كثير من الأحيان يطلقون النار. من الواضح أن هناك من يزودهم بهذا السلاح”.
أما يعقوب ناغل، رئيس جهاز الأمن القومي الصهيوني السابق، فقد كشف عن نية مبيتة لتدمير القدرات العسكرية الإيرانية، مؤكداً: “هناك الكثير جداً من الأمور التي تستطيع إسرائيل من خلالها مساعدة المتظاهرين في إيران. لقد حاربوا في الماضي بالعصي، ومن الأفضل أن يحاربوا بأشياء أكثر جدية في مواجهة البسيج والحرس الثوري”.
ترامب من التحريض إلى التهديد العسكري
انتقل المشهد إلى مستوى جديد وخطير حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب -صراحة- أن واشنطن “مستعدة لمساعدة المتظاهرين”، مهدداً النظام الإيراني: “إذا أطلقوا النار على المتظاهرين، فسنطلق عليهم النار”، في محاولة واضحة للدفع بالخلايا التخريبية إلى مزيد من العنف الموجّه وتأجيج مزيد من الشارع الإيراني باتجاه النظام وأمنه القومي، وهو استغلال رخيص سرعان ما كشتفه اعترافات الخلايا المضبوطة نفسها. وفي هذا السياق، كشفت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية عن “نشاط أمريكي مكثف جرى تنفيذه ضمن ما يعرف بـ’هوامش الإنكار’ عبر سلسلة هجمات وعي وسايبر ضد الجمهور الإيراني”، مشيرة إلى أن هذه الهجمات “تهدف إلى حث المواطنين الإيرانيين على الخروج إلى الشوارع، وأكثر من ذلك إلى توجيه نشطاء الاحتجاج لضرب مؤسسات مركزية تابعة للدولة”. جاء ذلك بعد تهديد ترامب المباشر بشن “ضربة عسكرية على إيران بذريعة حماية المحتجين”.
الحرب النفسية والذكاء الاصطناعي
مع فتور الشارع وعودة الأمن نسبياً إلى المدن الإيرانية، كان ملحوظاً كيف ارتفعت وتيرة الحرب الإعلامية والشائعات بالتزامن، فقد لجأ العدو إلى أسلحة جديدة في حربه ضد إيران: الجيوش الإلكترونية، ومضخمات الصورة، والحرب النفسية، في ظل تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تستخدمها أجهزة استخباراتيه بشكل غير مسبوق، لتكمل بذلك حروب النار والجبهات الساخنة، بل ولم يُخفِ الإعلام الصهيوني طمعه في أن تحقق الاحتجاجات ما عجزت حرب الـ12يوماً عن تحقيقه، واستغلال الفوضى الجارية لشن عملية عسكرية خاطفة. غيل تماري، مراسل القناة 13 الصهيونية في الولايات المتحدة، كشف عن استعدادات عسكرية أمريكية، قائلاً: “البنتاغون أعد بالفعل خططاً هجومية ستُعرض على الرئيس، وتتضمن تدخلاً عسكرياً أمريكياً في إيران. القيام بعملية جوية يبدو أمراً معقداً وغير فوري، خاصة وأن الولايات المتحدة لا تملك حالياً أي حاملة طائرات في المنطقة”. بينما أكدت المراسلة السياسية للقناة 11 الصهيونية غيلي كوهين أن “الرئيس ترامب ورئيس الوزراء نتنياهو كانا يتحدثان قبل أسبوعين فقط عن الهجوم على إيران، لكن فجأة تغيرت اللغة بعد حرب الأيام الـ12”.
وكشفت الأوساط الصهيونية أن الهدف الحقيقي من كل هذه المؤامرة هو إكمال ما بدأته حرب يونيو 2025، فقد أكدت أن “إسرائيل” تتربص بإيران بانتظار الفرصة المواتية لضرب منظومة الصواريخ الباليستية، ومنشآت إنتاج الصواريخ، والقاذفات، وكل ما تعكف إيران على ترميمه منذ عملية ‘الأسد الصامد’ قبل نحو نصف عام”. هذا الاعتراف الذي تكرر ذكره في نقاشات الإعلام العبري وأعاد تأكيده بطريقة غير مباشرة مجرم الحرب نتنياهو في تصريح مقتضب غازل فيه الشارع الإيراني، يؤكد أن الاحتجاجات ليست سوى غطاء لاستكمال أهداف العدوان الصيفي الفاشل.
بين المطالب المشروعة والتدمير المخطط
في قراءة متوازنة، يرى المراقبون للمشهد الإيراني أن ما تشهده إيران هو “تمرد محرض عليه إسرائيلياً”، رغم إقراره بأن الاحتجاجات لها “جذور اقتصادية وسياسية مشروعة”، وهي قراءة تؤيدها الوقائع والأحداث المتصاعدة بشكل لافت في الأيام الأخيرة من المظاهرات، لأنها لا تنكر معاناة الشعب الإيراني، ولا تغفل عن الدعم الإسرائيلي المعلن، ولا تبرر أعمال التخريب تحت غطاء المظاهرات السلمية.
ويرى مراقبون دوليون أن ما يحدث اليوم تجاوز مفهوم “الحالة الاحتجاجية” ليصبح استمراراً لحرب يونيو/حزيران 2025، ولكن بأدوات مختلفة. ويؤكد هؤلاء أن واشنطن و”تل أبيب” تريان في هذه الفوضى “فرصة مثالية” لتوجيه ضربات أمنية واغتيالات في صفوف القيادات الإيرانية، تزامناً مع تحريك الشارع لتعطيل الحياة العامة والوصول بالدولة إلى مرحلة “الشلل والعجز”.
في الواقع فإن المظاهرات الإيرانية هي -في جوهرها وبعد انكشاف حجم التدخل والحشد الغربي لاستغلاللها- تمثل في حقيقتها معركة قومية ضد تدخل خارجي مبيت، فالمطالب الاقتصادية المشروعة التي انطلقت من البازار أصبحت وقوداً لحرب استخباراتية أمريكية-إسرائيلية تريد استكمال ما بدأته حرب الـ12 يوماً الصيفية، بدءاً من ظهور السلاح المنظم، والاعتداءات المدروسة، والهجمات الإلكترونية المكثفة، كلها مؤشرات واضحة تعزز فكرة استثمار الصهاينة للحدث الإيراني الداخلي، خاصةً أن النظام الإيراني لم ينكر الأزمة الاقتصادية، لكنه يميز بدقة بين حق الشعب في التعبير عن مطالبه، وبين المؤامرة الخارجية التي تريد تحويل هذه المطالب إلى سلاح لتدمير البلاد، وقد جاء الخروج المليوني اليوم في عدة مدن ومحافظات إيرانية لينهي محاولات أعداء إيران استغلال المطالب، وينهي واحدة من أسوأ سيناريوهات التدخلات الخارجية من خلال التلاحم الشعبي مع الجيش والحرس الثوري في مواجهة الخلايا التخريبية، مؤكدين أن إيران قوية بوحدتها، وقادرة على كشف كل المؤامرات التي تحاك ضدها.
المصدر: “موقع أنصار الله”
