غرينلاند.. طموحات ترامب للاستحواذ ورفضٌ دنماركي يلّوح بتهديد استقرار الناتو

1

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
13 يناير 2026مـ – 24 رجب 1447هـ

تشهد الساحة الدولية تصعيدًا دبلوماسيًا وعسكريًا لافتًا حول جزيرة غرينلاند، تلك البقعة الواقعة في أقصى القطب الشمالي والتي تظهر من السماء كأحد مشاهد أفلام الطبيعة الخيالية؛ هي جزيرة ذاتية الحكم، تابعة للدانمارك، وتعد الجزيرة الأكبر في العالم، وتقع بين المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الأطلسي، وتعد جزءًا من قارة أمريكا الشمالية، لكنها تُعد أيضًا من الناحية الجيوسياسية، جزءًا من أوروبا بسبب تبعيتها للدانمارك.

لربما تكون الحالة الناجمة، عن إصرار ترامب، على امتلاك الجزيرة حالة طارئة وغريبة، على العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا، والتحالف القائم بينهما، منذ الحرب العالمية الثانية، والذي مثل حجر الزاوية في النظام الغربي.

وعلى مدار الأسابيع الماضية، صعد ترامب من لهجته؛ فيما يتعلق بضرورة سيطرة الولايات المتحدة على الجزيرة؛ ممّا أدى إلى تصاعد القلق في أوروبا، بشأن إمكانية أنّ يتحول خطاب ترامب التهديدي، إلى أمرٍ واقع، وأنّ يقوم بعملية عسكرية، للسيطرة على غرينلاند، وهو ما سيضع الحليفين التقليدين أوروبا وأمريكا، وجهًا لوجه، في مواجهة عسكرية.

الجزيرة التي أطلق عليها “الفايكينغ” هذا الاسم التاريخي كنوعٍ من الدعاية للجذب إليها بينما يسكنها “الإنويت” “الأسكيمو” قديمًا، وتعني بلغتهم “الناس”، تخضع حاليًا للسيادة الدنماركية مع تمتعها بحكم ذاتي منذ عام 2009م، بناءً على استفتاء شعبي، مع بقاء ملفي الدفاع والخارجية تحت سيطرة كوبنهاغن.

اليوم تتصدر الجزيرة المشهد السياسي بعد إبداء الرئيس الأمريكي ترامب اهتمامًا استراتيجيًا بالاستحواذ عليها، مبررًا ذلك بأسباب تتعلق بالأمن القومي الأمريكي، ومصرحًا برغبته في شرائها تارةً وإعجابه بها تارةً أخرى؛ بل والتهديد باستخدام القوة أو اللين لتحقيق هذا الهدف.

وفي خطوةٍ عكست إصرار الإدارة الأمريكية، نشر البيت الأبيض اليوم الثلاثاء، صورة لترامب أمام نافذة مكتبه وخلفه خريطة لغرينلاند مع تعليق “نراقب الموقف”، وهو ما حلله الخبراء على أنه إشارة لخيارات عسكرية ودبلوماسية مفتوحة، تزامن ذلك مع تصعيد ميداني تمثل في تعزيز الدنمارك لقدراتها الدفاعية في الجزيرة ردًّا على التهديدات.

في السياق، ردّت رئيسة الوزراء الدنماركية، “ميتي فريدركسون”، برفضٍ قاطع واصفةً الفكرة بـ “السخيفة”، ومحذّرةً من أنّ “أيّ محاولة للاستيلاء العسكري ستعني نهاية حلف شمال الأطلسي الناتو”.

وأكّدت “فريدركسون” في تصريحات لها اليوم، “صعوبة الوقوف في وجه ضغوط غير مقبولة من حليف وثيق”، مشيرةً إلى أنّ “الجزء الأصعب لا يزال أمامهم”؛ بينما شدّد رئيس وزراء غرينلاند على أنّ “الجزيرة ليست للبيع ولن تكون مملوكة لواشنطن”، وسط تحذيرات ألمانية صرّح بها وزير دفاعها، من أنّ “طموحات ترامب قد تخلق وضعًا غير مسبوق في حلف الناتو”.

هذا النزاع أعاد فتح ملفات تاريخية وحقوقية مؤلمة في تاريخ الجزيرة، التي كانت موطنًا للشعوب الأصلية قبل وصول المستكشف النرويجي “إريك الأحمر” وبدء الوصاية الأوروبية، حيث كشفت تقارير حقوقية وصحفية، منها ما نشرته “لوموند” الفرنسية، عن انتهاكات جسيمة مارستها السلطات الدنماركية بحق نساء الإنويت في سبعينيات القرن الماضي، شملت حملات تعقيم قسرية استهدفت نحو 4500 فتاة، وفصل الأطفال عن أسرهم لتبنيهم من عائلات أخرى، وقد قدمت رئيسة الوزراء “ميتي فريدركسون” اعتذارًا رسميًا للضحايا واصفةً تلك الحقبة بـ “الخيانة ذات العواقب الوخيمة”.

في سياقٍ متصل، كشفت صحيفة “ديلي ميل” البريطانية، نقلاً عن مصادر مطلعة ودبلوماسيين غربيين، أنّ ترامب أصدر أوامر إلى قيادة العمليات الخاصة المشتركة، لإعداد خطة لغزو جزيرة غرينلاند، في خطوةٍ وُصفت داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، بأنها غير قانونية وتفتقر إلى الغطاء السياسي.

وبحسب الصحيفة؛ فإن كبار القادة العسكريين، بما فيهم هيئة الأركان المشتركة، يعارضون الخطة بحجة أنها لن تحظى بتأييد الكونغرس، وقد تُدخل الولايات المتحدة، في مواجهة غير مبررة مع حلفائها، وعلى رأسهم الدنمارك التي تتمتع بالسيادة على الإقليم.

يُذكر أنّ واشنطن كانت قد عرضت على الدنمارك عام 1946م، شراء الجزيرة مقابل 100 مليون دولار، لكن “كوبنهاغن” رفضت البيع، إلا أنها منحتها الموافقة، على إنشاء قاعدة “ثول” الجوية الأمريكية، وقد تم ذلك في سرية أثناء الحرب الباردة، ولم يُكشف عنه إلا في عام 1991م.