عقود بلا ضمانات: مصير المرتزقة في معسكر العدوان

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
9 يناير 2026مـ – 20 رجب 1447هـ

في حروب الظل، لا تُقاس قيمة الرجال بما يقدمونه، بل بمدّة صلاحيتهم في حسابات من يستأجرهم. المرتزقة، مهما اختلفت جنسياتهم وتنوّعت راياتهم وتباينت المهمات التي أُلقيت على عواتقهم، يجمعهم مصير واحد: نهاية باردة، تُكتب بحبر الخيانة ذاتها التي وُقّعت بها عقودهم غير المعلنة. فما إن تنتهي الحاجة إليهم، حتى يُرمَوا خارج الحسابات، كأدوات مستهلكة لم يعد لها مكان في لعبة المصالح.

هكذا انكشف المشهد في اليمن، بلا أقنعة ولا مساحيق سياسية. فحين وجدت الإمارات نفسها عالقة في زاوية ضيقة أمام الصلف السعودي، لم تتردد في التخلص من مرتزقتها، تاركة إياهم في العراء يواجهون قدرهم وحدهم. لم يكن التخلي مفاجئًا بقدر ما كان كاشفًا؛ إذ أظهر الحقيقة العارية للعلاقة بين الممول والمرتزق: لا وفاء، ولا حماية، ولا حتى اعتراف بما قُدّم من خدمات.

لم تحتج السعودية سوى أيام معدودة من القصف والضغط السياسي لتفكيك مليشيات “المجلس الانتقالي” وإخراجها من المشهد كليًا، تهاوت تلك التشكيلات التي طالما رُوّج لها كقوة أمر واقع، وتبعثرت عناصرها بين هارب وملاحق، فيما أُعلن زعيمها عيدروس الزبيدي مطلوبًا للمحاكمة، مطاردًا بلا مأوى. لم تفتح له الإمارات أبوابها، ولم تستطع مليشياته أن توفر له حتى وهم الحماية، ليجد نفسه رمزًا لخذلان المرتزق حين تنتهي وظيفته.

بلغ المشهد ذروته حين اعتُقل وفد “الانتقالي” في الرياض، ليُجبر على إعلان بيان حل المجلس وإغلاق مقراته داخل اليمن وخارجه. بيان لم يكن مجرد إعلان سياسي، بل شهادة وفاة لكيان صُنع على عجل، وسُحب منه الغطاء بنفس السرعة، بعدما انتهت الحاجة إليه.

ولم يكن حال مليشيات السعودية من حزب “الإصلاح” أفضل. فهؤلاء الذين تولّوا حماية عمليات نهب النفط في حضرموت لسنوات، وقدّموا تضحيات جسيمة خدمة للمحتل، وجدوا أنفسهم فجأة خارج المشهد. استُبدلوا بمليشيات جديدة تحت مسمى “درع الوطن”، وكأن ما سبق لم يكن سوى فصل عابر في دفتر الاستنزاف. لا تقدير للتضحيات، ولا اعتراف بالخسائر، فقط قرار بارد بإعادة التدوير.

في اليمن، لم تُكشف فقط حقيقة العدوان، بل انفضحت أيضًا أخلاقيات المرتزقة ومن يستخدمهم. إنها حكاية تتكرر في كل الحروب التي تُدار بالوكالة: المرتزق يقاتل بلا قضية، ويُقصى بلا رحمة، فيما تبقى الأرض وحدها شاهدة على أن من يبيع نفسه، يُباع في النهاية بثمنٍ بخس.

سقوط المرتزقة وانكشاف معسكر العدوان
لم يكن هروب عيدروس الزبيدي من الصعود إلى الطائرة المتجهة إلى الرياض حدثًا عابرًا، ولا تفصيلًا هامشيًا في مشهد الصراع، بل لحظة كاشفة لانهيار داخلي عميق يضرب معسكر العدوان على اليمن من جذوره، إنها لحظة سقوط القناع، حين يتحول “الزعيم” المصنّع إلى مطارد، وحين يُكتشف أن كل ما بُني طوال سنوات لم يكن سوى كومة أدوات قابلة للرمي عند أول اختلاف بين المشغّلين.

عشر سنوات والمرتزقة يُقدَّمون كـ”قوى أمر واقع”، تُضخ لهم الأموال، وتُفتح لهم مخازن السلاح، ويُنفخ في صورتهم إعلاميًا، ليؤدوا وظيفة واحدة “ضرب اليمن من الداخل، وتمزيق نسيجه، وشرعنة الاحتلال”، واليوم، حين تغيّرت الحسابات، انقلب السحر على الساحر، وأصبح من خدموا المشروع وقودًا له.

“عيدروس الزبيدي”، الذي تصدّر واجهة العدوان لسنوات بدعم إماراتي مفتوح، لم يسقط لأنه خان، بل لأنه لم يعد مفيدًا، هكذا تُدار الحروب بالوكالة “لا قيمة للولاء، ولا وزن للتضحيات، ولا اعتبار للدماء”، القيمة الوحيدة هي مقدار الخدمة، وحين تنتهي، يُفتح باب الاتهام، وتُشهر لائحة “الخيانة العظمى”.

القصف السعودي لمسقط رأسه، وملاحقته، وتسليم عدن لإدارة سعودية مباشرة، واعتقال وفد “الانتقالي” في الرياض، وإجبارهم على إعلان حل كيانهم تحت التهديد، كل ذلك هو في واقع الأمر بعيداً عن الخلاف السياسي ليصل إلى مستوى تصفية حسابات داخل معسكر واحد، يؤكد أن المرتزقة لا يملكون قرارهم، ولا مصيرهم، ولا حتى حق الاعتراض.

ما جرى ويجري رسالة لكل من راهن على الخارج، وظن أن أبواب العواصم ستبقى مفتوحة له إلى الأبد، الخارج لا يحمي أحدًا، ولا يمنح ضمانات، ولا يعرف سوى لغة المصالح، ومن يبيع وطنه، يُباع أولًا.

في الجنوب المحتل، حيث تنتشر اليوم مليشيات بأسماء جديدة ورايات مختلفة، تتكرر الخلاصة القائلة بضرورة تبديل الأدوات، وليس تغيير المشروع، بالتالي، فالاحتلال يعيد ترتيب صفوفه بعد أن استنزفته صراعاته الداخلية، وبعد أن فرض اليمن معادلات جديدة في البحر الأحمر، وأثبت أن الإرادة الحرة والسيادة لا تُشترى ولا تُمنح، بل تُنتزع.

إن ما يحدث ليس نهاية “الانتقالي” فحسب، بل انهيار وهم كامل، بُني على الخيانة، وتغذى من الخارج، وعاش على حساب دماء اليمنيين، وهو درس لكل من لا يزال يراهن على الأمريكي أو السعودي أو الإماراتي، هؤلاء لا يصنعون دولًا، ولا يحمون حلفاء، بل يستهلكون أدوات.

لقد قالها اليمنيون منذ اليوم الأول: هذه ليست حرب شرعية ولا سيادة، بل حرب مصالح، واليوم، بعد أن بدأت الأدوات تتساقط واحدة تلو الأخرى، يتأكد أن الرهان الصحيح كان ولا يزال هو الرهان على الله، وعلى الشعب، وعلى مشروع وطني مستقل لا يُدار من غرف استخبارات، ولا يُكتب في عواصم الخارج، ومن لم يفهم الدرس بعد، فليتأمل مصير المرتزقة، فالتاريخ لا يرحم الخونة، والمحتل لا يحفظ وُدًّا لأحد.

إعادة ترتيب مشهد الاحتلال
في قراءة أعمق، يمكن فهم ما يجري بوصفه عملية إعادة ترتيب شاملة لأدوات العدوان، بعد أن تحولت صراعاتها البينية إلى عبء استنزافي يعرقل أدوارها الوظيفية، فالغارات السعودية في المحافظات المحتلة تعيد رسم خريطة السيطرة بالقوة، وتفتح المجال أمام أدوات جديدة تحت مظلة واحدة.

ولا يمكن فصل هذا التصعيد عن السياق الإقليمي الأوسع، وتداعيات معركة “طوفان الأقصى” والتحولات التي أحدثتها معركة البحر الأحمر، حيث فرض الإسناد اليمني لغزة معادلات ردع جديدة، دفعت قوى العدوان لمحاولة تعديل استراتيجياتها وتعويض فشل رهاناتها السابقة.

وتشير قراءات المراقبين إلى أن الولايات المتحدة ما تزال تدير صراع النفوذ السعودي-الإماراتي بما يخدم أجندتها، مرجحة كفة الرياض كلاعب تقليدي، مقابل تحجيم الدور الإماراتي دون إقصائه الكامل، ضمن إطار يضمن بقاء جميع الأدوات داخل ما يمكن تسميته “بيت الطاعة”.

ولكن لا يحبون الناصحين
هنا تتجسد تحذيرات السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، التي أطلقها مبكرًا دون أن تجد آذانًا صاغية، فبينما كان المنافقون مجمعين على استهداف الثورة اليمنية، كان اليمنيون يدركون أن لحظة تصادم الأدوات فيما بينها قادمة لا محالة، في معسكر لا يجمعه سوى الارتزاق والخيانة.

واليوم، ينكشف المشهد على حقيقته الكاملة فمن شنوا الحرب على اليمن باسم “الشرعية” لم يكونوا سوى أدوات في مشروع خارجي، وحين انتهت صلاحيتهم، جرى التخلص منهم بلا تردد، ليبقى اليمنيون وحدهم أصحاب الموقف الصحيح منذ البداية.