أدوات الاحتلال تفشل في ضبط الجنوب: نهاية المرحلة الوكيلة لتحالف العدوان
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
8 يناير 2026مـ – 19 رجب 1447هـ
تقريــر ||محمد ناصر حتروش
تشهد المحافظات الجنوبية المحتلة تطورات متسارعة بفعل احتدام الصراع بين قطبي العدوان السعودي والإماراتي، إذ تتزامن الغارات العدوانية السعودية على ما يسمى بالمجلس الانتقالي التابع للعدوان الإماراتي مع القرارات السياسية من حكومة المرتزقة القابعة في فنادق الرياض، الأمر الذي يكشف بوضوح عمق الانقسام الذي وصل إليه تحالف العدوان السعودي الإماراتي بعد عقد من الفشل.
في غضون أيام قليلة، تمكنت قوات العدو السعودي من استعادة السيطرة على عدة محافظات جنوبية محتلة، بعد سنوات من هيمنة مرتزقة الانتقالي الذين مارسوا خلالها انتهاكات واسعة بحق أبناء الجنوب، ليظل مصير قائد الانتقالي المرتزق عيدروس الزبيدي غير واضح حتى الآن.
ورغم مساعي العدو السعودي لإعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني بالقوة وفرض وقائع جديدة على الأرض، إلا أن هذه التطورات لا تأتي بمعزل عن قرارات إقصاء وتخوين طالت شخصيات بارزة في معسكر المرتزقة، وعلى رأسهم عيدروس الزبيدي، في خطوة تعكس حجم التصدع داخل أدوات الاحتلال وانكشاف حقيقة العلاقة التي تحكمها بالرياض.
ويعيد المشهد الراهن إلى الواجهة حقيقة المشاريع التي فُرضت على الجنوب المحتل منذ بدء العدوان، ويؤكد أن هذه الكيانات صُممت لتأدية أدوار وظيفية مؤقتة، سرعان ما تنتهي صلاحيتها مع تغير الحسابات الإقليمية.
فشل تحالف العدوان يتجلى في صراع الجنوب
ومع احتدام الصراع السعودي الإماراتي غير المعلن، تتضح ملامح مرحلة جديدة عنوانها تفكيك الأدوات وإعادة إنتاج بدائل تخدم الأهداف ذاتها، وعلى رأسها إدامة الاحتلال ومنع الاستقرار.
في السياق، يؤكد سياسيون وأكاديميون أن ما يجري في المحافظات المحتلة هو ناجم عن تراكم فشل تحالف العدوان في إدارة المناطق المحتلة وعجزه عن تقديم أي نموذج حكم أو استقرار، مقابل تصاعد الأزمات والانقسامات، وتحول الجنوب إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين رعاة المرتزقة أنفسهم.
ويقرأ السفير عبد الله صبري المشهد المتسارع في الجنوب المحتل بوصفه انعكاسًا مباشرًا لانهيار تحالف العدوان، وانتقاله من مرحلة إدارة الأدوات إلى مرحلة حرقها.
ويؤكد في حديث خاص لبرنامج نوافذ على شاشة المسيرة أن ما تشهده المحافظات الجنوبية من غارات وتصعيد عسكري متزامن مع قرارات سياسية إقصائية يكشف أن الرياض باتت تتعامل مع أدواتها بمنطق السيطرة المطلقة، دون اعتبار لأي شعارات سابقة عن الشراكة أو التوافق.
ويشير إلى أن ما يسمى بالمجلس الانتقالي أحرق أوراقه بالكامل عندما حاول الخروج عن العباءة السعودية، لافتًا إلى أن السيطرة الفعلية اليوم لم تعد بيد المجلس الانتقالي وإنما انتقلت إلى أدوات عسكرية جديدة تعمل مباشرة بأوامر سعودية.
ويلفت إلى أن هذا التحول يعكس فشل الرهان على الكيانات المرتزقة وعجزها عن توفير غطاء سياسي أو أمني مستقر للاحتلال، مؤكدًا أن ما يسمى بـ”الشرعية” وصلت إلى مرحلة العجز الكامل، ولم تعد تمثل سوى كيان شكلي فاقد للحضور والتأثير، الأمر الذي يدفع العدو السعودي للبحث عن بدائل، عبر الدفع بما يسمى قوات درع الوطن في محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي بما يخدم أجندتها، حتى وإن كان ذلك على حساب وحدة النسيج الاجتماعي الجنوبي.
ويحذر السفير من أن إخراج القضايا الوطنية من سياقها اليمني الطبيعي ووضعها ضمن مسارات مفروضة من الخارج، وتحت الوصاية السعودية، سيسهم في تفكيك اليمن وإطالة دائرة الأزمات، موضحًا أن تجربة المرتزقة مع رعاتهم الإقليميين تظهر بوضوح أن من يعتمد على الخارج ينتهي به المطاف إما إلى الإقصاء أو الاتهام أو التعرض للإذلال.
القضية الجنوبية بين الوطنية والارتباط الخارجي
وفي الوقت الذي تظل فيه القضية الجنوبية من أبرز القضايا التي ينبغي معالجتها منذ حكم الرئيس الأسبق عفاش، إلا أن ارتهان الأنظمة للخارج أجهض القضية العادلة وحوّلها إلى أداة لصراعات إقليمية، ليتفصل عن حاضنتها الشعبية، وتُفرغ مضمونها الشامل لصالح مشاريع ضيقة تخدم مصالح الخارج أكثر مما تلبي احتياجات أبناء الجنوب.
وحول هذه الجزئية، يقول الكاتب والصحفي محفوظ سالم ناصر: “الإشكالية لا تكمن في عدالة القضية الجنوبية، وإنما في من ادّعوا تمثيلها، واستخدموها لتحقيق مصالح شخصية، وارتهنوا لقوى العدوان.”
وفي حديثه لبرنامج ملفات على شاشة المسيرة، يذكر محفوظ أن الحراك الجنوبي في مراحله الأولى كان حركة وطنية مستقلة، حظيت بإجماع واسع، قبل أن يتم اختطافها عبر كيان طارئ أعلن نفسه ممثلًا وحيدًا، وأقصى بقية المكونات.
ويشير إلى أن مرتزقة الانتقالي كرروا أخطاء تاريخية معروفة، حين راهنوا على الدعم الخارجي وأداروا ظهرهم للبعد الوطني، معتبرًا ما حدث للانتقالي دليلًا على فشل الارتزاق ونهاية الوخيمة، والتي ينظر إليها الأعداء كأدوات مؤقتة يتم التخلص منهم بعد انتهاء المصلحة.
في المحصلة، تكشف التطورات المتسارعة في الجنوب المحتل حقيقة المشهد الذي حاول العدوان طمس ملامحه لسنوات، فالمشاريع المفروضة بالقوة تتهاوى تباعًا، والكيانات المصنوعة في غرف الاستخبارات تسقط عند أول اختبار جدي، بينما يتحول المرتزقة من شركاء مزعومين إلى متهمين بالخيانة بين ليلة وضحاها.
وتدار معركة نفوذ بين رعاة الاحتلال على حساب دماء اليمنيين واستقرارهم، ومع كل جولة تصعيد تتجلى حقيقة العدوان الذي لم يجلب للجنوب سوى الفوضى والانقسام، ولم يترك لأدواته سوى مصير الإقصاء والتخلي.
وتبقى الحقيقة الثابتة أن القضايا العادلة لا تموت، وإن شوهها حاملوها، وأن الارتهان للخارج يفتح أبواب الخيانة والتفكك، وبينما يغرق الجنوب المحتل في صراعات الوكلاء، تترسخ معادلة أن السيادة لا تُستعاد إلا بإرادة وطنية مستقلة، وأن الاحتلال مهما غيّر أدواته، يبقى احتلالًا مرفوضًا، إلى أن يُطوى ملفه بالكامل.
