“ترامب” يعيد أمريكا إلى شخصيتها البربرية

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
5 يناير 2026مـ – 16 رجب 1447هـ

تقرير || وديع العبسي

أصبح من الواضح أن أمريكا تتعمد -وبكل تحدٍ- الظهور في وضع المتمردة على كل العالم في سلوكها واستخفافها بالمنظومة القانونية التي توافقت عليها كل الدول؛ وفعلها الهمجي في فنزويلا لم يكن إلا أحد أشكال حالة الفراغ القيمي الذي تعيشه فتعكسه في صورة أفعال خارجة عن هذه المنظومة القانونية وبشكل يتسم بالتحدي المطلق.

عقب العدوان واختطاف الرئيس الفنزويلي، خرج ترامب بكل بجاحة ليتحدث عن سيطرته على النفط الفنزويلي، كاشفاً بذلك عن جزء من أهدافه الحقيقية من عملية الاستهداف التي بدأها قبل ذلك بالقرصنة على السفن الفنزويلية؛ فيما ذهب مسؤولو إدارته للتأكيد على محاكمة مادورو على الأرض الأمريكية وبالقوانين الأمريكية، بلا أدنى حساب للرأي العام العالمي.

لا شك بأن المجتمع الدولي اليوم أمام مسؤولية تاريخية؛ فالحيوان الأمريكي المنفلت يعيث فساداً في الاستقرار العالمي، ويلجأ للكسب غير المشروع عن طريق السرقة بالإكراه واقتحام الدول. ولا يهم المعتوه “ترامب” أن يتقبل الآخرون مبرراته لما أقدم عليه، ليس بالضرورة استناداً إلى قوته، وإنما إلى حالة “الجبن” التي التزمها العالم.

عالم مكشوف بلا قانون
يتوارى القانون الدولي اليوم خلف الهمجية الأمريكية، ويبدو العالم مكشوفاً من أي مرجعيات قانونية تنظم العلاقات الدولية وتحمي حقوق الشعوب، وترفع من قيمة تلك المبادئ الإنسانية التي جعلت لها الأمم المتحدة أياماً عالمية. فالسلوك الأمريكي الذي لا يخرج عن الطبيعة البربرية لشخصيته أنهى قدسية هذا القانون، وصار على الجميع الاحتماء بالقوة وامتلاك وسائل الردع لحماية أنفسهم؛ فالمنطق اليوم -وفق المنهجية الأمريكية- يقتضي حمل السلاح والجدية في استخدامه إذا اقتضى الأمر، بينما الاستمرار في الترحم على القوانين الدولية لن يوقف مسار البلطجة الأمريكية في هذه الاعتداءات وسرقة ثروات الشعوب.

وأمريكا ذاتها التي قدمت سابقة غير مألوفة لانتهاك القانون، ستشحذ أسلحتها وتجمع حولها الأتباع لتشن حملة على دولة أخرى بحجة انتهاكها القوانين الدولية؛ وهي ازدواجية تنم عن مستوى التكبر والغطرسة. واليوم، يحتفل المجرم “ترامب” ومجموعته بوأد روح التعايش، وهذا “النجاح” في اختبار مدى قدرة العالم على مواجهة هذه البلطجة، سيزيد العدو الصهيوني صلافة في استباحة المنطقة العربية، وهو الوجه الآخر للصهيونية الأمريكية.

في الأثناء، لا يبدو لأي قمة أممية أو في مجلس الأمن أي قيمة أو جدوى، طالما أن الاجتماع لن يخرج عن إطار استعراض ما حدث والاجتهاد في إطلاق التوصيفات، دون أن يترتب على ذلك أي تحرك يعيد الأمور إلى وضعها بإقرار العقوبة اللازمة لرأس الشر. ولأنه لم يحدث لمجلس “الفيتو” أن اتخذ يوماً إجراءً ضد أمريكا التي ملأت تاريخ البشرية بالجرائم، فمن الطبيعي أن يترسخ لدى الدولة المارقة بأنها أكبر من العالم ولها أن تفعل ما تشاء.

أمريكا التي تُحِلُّ لنفسها كل شيء
منذ التكوين الأول لم تكن أمريكا شخصية سوية، وقد تعمدت امتلاك السلاح بمستوياته التدميرية المختلفة لحماية نفسها، ليس من أعمال إرهابية، وإنما من أي اعتراض على ما تقوم به هي من إرهاب، ولكي تُبقي على سياسة “العصا والجزرة” برؤيتها وشروطها، حتى وإن كان الخياران لا يتوافقان مع حق الشعوب في التصرف بثرواتها.

في عملية اقتحام فنزويلا كانت “الجزرة” التي عرضتها أمريكا على كاراكاس هي البقاء في مأمن من الاستهداف مقابل الانصياع لتوجيهاتها، والتي منها السماح بالنفط الخام الثقيل الذي تتمتع به بالتدفق إلى الأراضي الأمريكية، وقطع العلاقات مع دول تعتبرها واشنطن معادية كروسيا والصين وكوريا الشمالية. هذا تدخل سافر وغير مسؤول يؤكد حاجة العالم -منذ الآن- للتفكير في كيفية ردع هذه الدولة المارقة ووضع محددات لا يمكن تجاوزها.

لقد رفض العالم السلوك البربري الذي تفاخر به المجرم “ترامب” ومعاونوه، وهو العالم الذي بمقدوره الضغط لإلزام واشنطن بحدودها في إدارة سياستها الخارجية؛ فالاكتفاء بالشجب والإدانة لا يحقق شيئاً مع دولة متمردة كأمريكا.

روسيا والصين والوقوع في الفخ الأمريكي
للأسف، وقعت روسيا في مصيدة أوكرانيا ولم تخرج، فيما وقعت الصين في مصيدة تايوان ولم تحسم قضيتها، ولا تزال كوريا الشمالية ترسل الرسائل إلى جارتها الجنوبية عبر اختبار صواريخها الباليستية، وبات من الصعب توقع أن تلعب أي من هذه الدول دوراً ضاغطاً ضد أمريكا وهي في حاجة لتأمين واقعها.

هكذا تفكر أمريكا؛ فهي لا تركن فقط إلى ما تُحدثه من توتر للخصوم، وإنما تعمد في كل حين إلى تحديث التفاصيل بما يُبقي تحرك هذه الدول محصوراً ومقيداً في إطار المخاوف التي صنعتها واشنطن.

لا يعني هذا أن الولايات المتحدة كائن خارق، ولكنها تتبع سياسة التقدم على الآخرين بخطوات، فهؤلاء -حتى في وقت السلم- لا يعملون على فرض حضور مؤثر يمنع كائنات كأمريكا من التحرك ضد القوانين. مع ذلك، فإنه بالمقدور اليوم استغلال حالة الرفض العالمي لما حدث في فنزويلا للمطالبة بمراجعة سلوك “الشيطان الأمريكي” ومحاسبته على تجاوزاته أمام محكمة دولية.

أمريكا لا تمتلك كل شيء، ولا تزال بحاجة لما لدى الآخرين؛ لذلك بالإمكان إرغامها على الامتثال لما تتفق عليه الدول بالاستناد إلى القوانين الدولية. ليس من الحكمة ترك هذا الحدث يمر دون جلسة تقييم حقيقية لما صار عليه القانون الدولي بعد جملة الانتهاكات التي ارتكبتها أمريكا والكيان الإسرائيلي حول العالم.

المصدر: “موقع أنصار الله”