بربرة في المجهر الصهيوني.. اليمن وحيداً في مواجهة تمدد المشروع الصهيوني
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
1 يناير 2026مـ – 12 رجب 1447هـ
تقرير || يحيى الشامي
في الوقت الذي تغرق فيه العواصم العربية في سبات “الواقعية السياسية” المزعومة وتتسابق أخرى نحو حلبات التطبيع الخياني، يتفرّد اليمن بالموقف والمشروع، متقدماً في الرؤية ووثّاباً في المواجهة، كحائط صد وحيد وحامل للمشروع العروبي الإسلامي المتكامل، الذي يقرأ ما وراء التحركات الصهيونية في القرن الأفريقي، وعلى ضفاف البحر الأحمر، حيث لم يعد الأمر مجرد تكهنات في لحظة إيغال الأطماع الصهيونية في “أرض الصومال” (صوماليلاند) والتي لا تتردد في إعلان تواجده المتقدّم عبر أبواق العدو الإعلامية، كجزء من استراتيجية “خنق المضائق” ومحاصرة النفس اليماني الصاعد الذي أربك حسابات الهيمنة في البحرين الأحمر والعربي.
اليمن بعيون إعلام العدو من “صوماليالاند”
يتابعُ إعلامُ العدوِ الصهيوني تغطيتَه الخاصةَ بالإعترافِ بـ ما يسمى إقليمِ “أرضِ الصومال”، ككيانٍ انفصاليٍ في سياقٍ يرى أن الخطوةَ تخلقُ صورةً مصغرةً لمحاولةِ الكيانِ بسطَ السيطرةِ على المنطقةِ بما فيها الخليج، وهو التحرك الذي يرى فيه العدوُ طوق نجاة يبحث عنه لمواجهة الحظر البحري الذي فرضه اليمن عليه نصرة لغز، وأمكن عبره أن يغلق عليه ميناء أمر الرشراش الذي لا يزال حتى اللحظة عاجزاً عن استعادة نشاطه.
يقول الإعلامي الصهيوني “شارون غال” -في سياق تحليله لهذا التمدد على إحدى القنوات الصهيونية- “إنّ السبب الرئيسي وراء قرار الاعتراف بصوماليلاند كدولة هو على الأرجح أهميتها الاستراتيجية في المنطقة، خاصة قربها من اليمن”، ويضيف “لقد ذهب مراسلنا يوناتان ريفي إلى صوماليلاند، ووصل إلى أقرب نقطة ممكنة لليمن من هناك، ليرى كيف تبدو الأمور هنالك”.
هذا القرب الذي يتحدث عنه المحلل الصهيوني “غال” ليس جغرافياً فحسب، بل هو قرب “عسكري” يستهدف الضفة اليمنية؛ عدن وباب المندب. وفي تقريره الميداني، ينقل المراسل الصهيوني “يوناتان ريفي” صورة المشهد من قلب ميناء بربرة قائلاً: “لقد جئنا لتفقد المكان الذي ربما تدور حوله كل هذه الجلبة؛ نحن نتحدث عن ميناء بربرة في صوماليلاند، نحن الآن في الميناء، وعلى بُعد 145 كيلومتراً فقط. في هذا الاتجاه تقع عدن باليمن”، ثم يسهبُ المراسل في شرح الأهمية الاستراتيجية للموقع واصفاً المكان بالمهم ويقول في تقريره المصور: “إننا نتحدث عن نقطة استراتيجية للغاية؛ فمن ناحية، هذا الميناء يضم موطئ قدم أمريكي واستثمارات من دبي، وفي المقابل يوجد اليمن، هذا يخلق نوعاً من العالم المصغر لمحاولة السيطرة على الخليج”.
سياسة “المضائق” وشهية التوسع الصهيوني
منطق القوة الذي يتعامل به العدو الصهيوني يستند إلى غياب مشروع إقليمي عربي موحد، باستثناء المشروع الذي يقوده اليمن اليوم. العدو يدرك أن السيطرة على الأرض هي مفتاح السيطرة على السياسة، وهو ما أكده “أمير أفيفي”، رئيس حركة الأمنيّين الصهيونية، في حديثه على إحدى الشاشات الصهيونية: “أولاً العالم يُدار حول سياسة المضائق؛ مضيق باب المندب هو مسار تجاري مركزي في نهاية المطاف، تحاول القوى العظمى تأمين وجودها في هذا الحيز، الروس يحاولون تأمين وجودهم في السودان (بورتسودان)، الأتراك في الصومال، ونحن الآن في صوماليلاند”، ويدعو في ختام حديثه المسؤولين الصهاينة الى إيلاء الأمر أعلى درجات الأهمية بقوله: “لا ينبغي الاستهانة بهذا الأمر، نحن بحاجة إلى هذا التواجد على الأرض”.
هذا التواجد الصهيوني يتخذ طابعاً دبلوماسياً سريعاً، حيث كشف المحلل الصهيوني للشؤون العربية “روعي كايس” عن ترتيبات متسارعة قائلاً: “يخطط رئيس صوماليلاند عبد الرحمن محمد عبدالله لإجراء زيارة علنية لـإسرائيل قريباً جداً، في الأسبوع الثاني من يناير، وذلك بحسب مصادر مطلعة هناك تحدثت معنا هذا المساء”. ويكشف كايس في السايق عن قيام المسؤول الانفصالي الصومالي بزيارة إلى كيان العدو في وقت سابق سرّاً.
الدور الإماراتي: عراب التفتيت وخدمة العدو
لا يمكن قراءة هذا التغلغل الصهيوني بمعزل عن الدور الوظيفي الذي تلعبه أبو ظبي، فالإعلامُ الصهيونيُ لا ينفكُّ عن كيلِ الثناءِ للدورِ الإماراتيِ الممهّدِ للعبةِ الاعترافِ الإسرائيلي، وفيما تتجاهلُ الإماراتُ ذلك يرى مراقبون أن عدمَ دفعِ أبو ظبي لما ينشره الإعلامُ الإسرائيليُ يدينُها بشكلٍ صريحٍ ويضعُها في دائرةِ التواطؤ في إطارٍ لا ينفصلُ عن سعيها لتعزيزِ دورِها الاقليميِ عبر خدمةِ مصالحِ كيانِ العدوِ وليس تقاسمَ المصالحِ معه، في حالة من “الاستدارة للمخاطر” بشكل غير متوقع، حيث تحول من يفترض أنهم الأشقاء إلى جسور عبور للعدو الصهيوني لضرب عمق الأمة وتفتيت جغرافيتها.
اليمن هو المشروع والقرار
أمام هذا الخذلان العربي الرهيب، يقف اليمن شامخاً بمشروعه القرآني والوطني. لقد جاء بيان السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي كوثيقة استراتيجية تحدد ملامح المواجهة، وتضع النقاط على الحروف في زمن التذبذب وانعدام المواقف.
السيد عبدالملك في بيانه الصادر على نحوٍ طارئ حول المستجدات الأخيرة في الصومال قال: “إن هذا التحرك العدواني الصهيوني الهادف إلى إيجاد موطئ قدم له في الصومال لاستهداف المنطقة، والهادف أيضًا إلى تفتيت دول المنطقة في خطة لا تقتصر على الصومال، بل عنوانها المعلن هو تغيير الشرق الأوسط، وذلك كله مما يجب على أمتنا جميعًا التصدّي له بكل الأشكال”.
وشدد السيد القائد على بطلان هذا الاعتراف الصهيوني، واصفاً إياه بأنه: “بحدّ ذاته هو باطل ليس له أي قيمة في ميزان الحق ولا القانون، وهو عدوان بأهداف عدوانية وبرنامج عدائي، وهو من جهة مغتصِبة لا تملك المشروعية لنفسها فكيف بما تعترف به للآخرين”.
وحذر السيد من المخطط الأكبر قائلاً: “ولكن العدوّ الصهيوني سيعمل من وراء ذلك إلى توسيع دائرة الاعتراف والتعاون معه من جهات وبلدان أخرى، ويسعى إلى أن يجعل من إقليم أرض الصومال موطئ قدم له لأنشطة عدائية ضد الصومال والبلدان الأفريقية واليمن والبلدان العربية، وبما يهدد أمن البحر الأحمر وخليج عدن، كما سيعمل على المزيد من التفكيك والتفتيت لبلدان أخرى بنفس الطريقة التي عملها في الصومال”.
وبالإضافة إلى كونه موقفاً متقدماً جاء بيان السيد عبدالملك خارجاً عن أطر التوصيف البروتوكولي المتبع في سياسيات وخطابات الأنظمة والزعماء، حين أعلن معادلة الردع اليمنية بوضوح لا لبس فيه، مؤكداً على موقف اليمن الثابت مع الشعب الصومالي الشقيق ضد العدوّ الصهيوني، معلناً أن القوات المسلحة اليمنية ستتخذ كل الإجراءات الداعمة الممكنة للوقوف مع الصومال، ومن ذلك اعتبار أي تواجد إسرائيلي في الصومال هدفًا عسكريًا للقوات المسلحة، باعتباره عدواناً على الصومال وعلى اليمن، وتهديداً لأمن المنطقة يجب اتخاذ الإجراءات الحازمة ضده. وجدد السيد عدم القبول بأن يتحول جزءٌ من الصومال إلى موطئ قدمٍ للعدوّ على حساب استقلال وسيادة الصومال وأمن الشعب الصومالي وأمن المنطقة والبحر الأحمر.
في ظل التمدد الصهيوني المدفوع بالصمت العربي، وبينما يتجول مراسل “i24” الصهيونية في بربرة، حاملاً معه أحلام “إسرائيل الكبرى” ومن خلفه جندي يؤمِّن طريقه، تبرز وحيدةً المواقف اليمنية التي تملك الإرادة والمشروع للتصدي للتوغل الصهيوني في مشهدٍ يجعل من اليمن “الاستثناء القومي والديني” الذي يستحق الدعم والالتفاف حوله.
كما أن التهديد اليوم لا يستهدف الصومال وحده، بل هو خنجر صهيوني يوضع في خاصرة اليمن والأمة، وفي ظل الخذلان الرسمي العربي، يظل الرهان على وعي الشعوب وعلى “بأس” القوات المسلحة اليمنية التي أثبتت أن أي موطئ قدم للعدو الصهيوني في جغرافيا المنطقة سيكون مقبرة لجنوده وأحلام مشروعه الخبيث.
المصدر: “موقع انصار الله”
