كيف يحول اليمنيون مناسبة المولد النبوي الشريف إلى رسالة عالمية؟
ذمــار نـيـوز || تقارير ||
30 أغسطس 2025مـ 7 ربيع الأول 1447هـ
تقرير || عباس القاعدي
لم تعد مناسبة المولد النبوي الشريف، التي تُحيي ذكرى مولد خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآلة وسلم، في اليمن مجرد احتفال ديني، بل تحولت من ذكرى سنوية إلى معركة وعي وهوية، ومن احتفال روحي إلى موقف حضاري إسلامي مقاوم، يحمل رسائل سياسية وثقافية وأخلاقية متعددة، تعبّر عن صمود الشعب اليمني، وتُخاطب العالم بلغة الإيمان والصمود والمقاومة.
في مشهد سنوي بات يلفت أنظار العالم، يخرج الشعب اليمني في مشهد مهيب، ليُجسد أعظم صور الوفاء لرسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويؤكد أن الارتباط بالنبي هو انتماء لمشروعه الإلهي ونهجه التحرري، وأن حب النبي يعني السير على درب المواجهة ورفض التبعية.
المولد النبوي في اليمن اليوم ليس فعالية احتفالية فحسب، بل منصة استراتيجية جامعة تُخاض عبرها معركة الحق ضد الباطل، يُكشف من خلالها زيف المشاريع التكفيرية، ويتم فضح الوجه الحقيقي لأعداء الأمة من الصهاينة والأمريكيين وأدواتهم، الذين سعوا لتشويه صورة الإسلام ومحاربة نوره بقنابلهم وإعلامهم وجيوشهم.
منصة استراتيجية عالمية للمقاومة والهوية:
وحول أبعاد هذه المناسبة العظيمة، وكيف استطاع اليمنيون بقيادة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي – حفظه الله – أن يحوّلوا المولد النبوي إلى سلاح معنوي، ورسالة عالمية، ومظهرًا من مظاهر الانتصار على كل محاولات الكسر والإخضاع، يؤكد الكاتب والناشط السياسي والحقوقي سند الصيادي أن الشعب اليمني، رغم الجراح، لا يزال وفياً لنهج النبي، حاملاً راية الإسلام المحمدي الأصيل، مدافعًا عن قضايا الأمة، وعلى رأسها فلسطين، ومستمراً في معركة التحرر حتى النصر.
ويرى أن مناسبة المولد النبوي في اليمن لم تعد مجرد حدث ديني داخلي، بل تحولت في خضم السياق التاريخي والسياسي الراهن إلى منصة استراتيجية متعددة الأبعاد، ووسيلة فعالة لصياغة رسالة عالمية تخاطب الضمير الإنساني وتكشف حقائق الصراع، وكذلك تحولت إلى سلاح معنوي وسياسي فاعل، يجسد حالة “الجهاد الثقافي” و”المقاومة الحضارية”.
وفي البعد العقائدي – بحسب الصيادي – يقدم الشعب اليمني نموذج الإسلام الخالص البعيد عن تظليل وتوصيف الإرهاب الذي تخادم عليه الغرب وادعيو التدين، مؤكدًا أن احتفال اليمن بالمولد يمثل ردًا على الحرب الإعلامية الشرسة التي يتعرض لها اليمن والعالم الإسلامي، والتي تسعى لتشويه صورته وربطه بالإرهاب والتطرف.
ويؤكد أن الاحتفال برسالة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) – التي قامت على الرحمة والعدل والإيمان – يصبح رسالةً مضادةً قويةً للصور النمطية التي تروجها بعض الوسائل الإعلامية، ويؤكد للعالم أن الإسلام الحقيقي هو دين سلام وتهذيب للأخلاق وبناء للحضارة، وليس دين تفجير وتدمير، كما يدعي الأعداء والمنافقون.
وقال الصيادي في تصريح خاص لـ”المسيرة نت”: “المولد النبوي مناسبة لتأكيد شرعية القضية اليمنية ومشروعية الدفاع عن النفس”، مشيرًا إلى أن الحرب التي يخوضها الشعب اليمني وقواته المسلحة هي دفاع عن الأرض والعرض وعن الهوية الإسلامية الأصيلة في مواجهة مشروع خارجي يسعى لطمسها وفرض التبعية.
ويضيف: “يُستخدم الاحتفال بالمولد كتعبير عن رفض النموذج الديني الوهابي المخالف الذي تحاول أمريكا والصهيونية وأدواتهم تصديره، والذي يحرّم مثل هذه الاحتفالات، حيث يصبح المولد بحد ذاته شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية ضد التطرف والفكر التكفيري.”
رسائل متعددة:
وفي مشهد يبعث رسالة قوية للعالم مفادها أن القنابل والجوع لا تقوى على كسر إرادة الشعوب المؤمنة بقضيتها، يرى الصيادي أن مناسبة المولد النبوي في اليمن أصبحت مشهدًا بهيًا للشعب اليمني الذي يحتفل تحت الحصار بأبهى صورة، ويرسل اليمنيون رسالة مفادها أن القنابل والحصار لم تستطع كسر إرادتهم أو انتزاع فرحتهم أو تقويض إيمانهم. والاحتفال في ظل الدمار هو أعلى درجات التحدي والكبرياء، وهو “نصر معنوي” يهزم مئات المليارات من الدولارات التي أنفقت على الحرب.
من الرسائل أيضًا – وفق الصيادي – استحضار قيم التضامن وإبراز صورة مشرقة عن المجتمع اليمني المتماسك والمتراحم في أحلك الظروف، كما هو تحفيز المعنويات وربط القتال بالسيرة النبوية، إذ يتم استحضار دروس من غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستراتيجيته العسكرية كمثال على الانتصار على قوة متفوقة عدديًا وماديًا بالصبر والحكمة والإيمان، مؤكدًا أن هذا يخلق روحية قتالية عالية ويضفي شرعية دينية وعاطفية على عمليات الجيش اليمني.
بالإضافة إلى ذلك، كشف “العدو” الحقيقي وتقديم صورة واضحة عن العدو كمشروع استعماري جديد يستهدف الأمة كلها، ويجب أن تتوحد الأمة بكل مقدراتها البشرية والمادية في مواجهته. هو خطاب موجه للأمة الإسلامية بأكملها، بل إنها دعوة للصحوة، للتذكر، للوقوف مع القضية العادلة، مستندة إلى الرابطة الدينية والتاريخية التي تجمعهم مع اليمن.
وفي الجانب المعنوي، يوضح أن مناسبة المولد النبوي تبث روح الحماسة والثقة في النفوس، فالخطب والأناشيد التي تذاع في الاحتفالات تحولت إلى “أغاني تحشيد” عصرية تمد المقاتلين بالثقة وتؤكد لهم أنهم على حق وأن النصر آتٍ بإذن الله، مستلهمين انتصارات الإسلام الأولى. ويؤكد أن مناسبة المولد النبوي في اليمن لن تعد ذكرى تقليدية، بل تحولت إلى “استراتيجية اتصال عالمية” متكاملة، وسلاح قوي في مواجهة حرب شعواء، يستخدمه اليمنيون كالتزام ديني، وعلى طريقه يحصدون النتائج ببراعة لنقل رسائل سياسية عميقة، وتفكيك سرديات الخصوم، وإبراز معاناتهم وصمودهم، وتحفيز مقاتليهم، واستعادة هويتهم الحضارية. إنهم من تحت الأنقاض يخاطبون العالم بلغة الإيمان والقيم والإرادة، محولين مناسبة دينية إلى أداة فاعلة في هندسة الرأي العام العالمي وكسب معركة وجودية مع عدو الله والإنسانية.
تفكيك سرديات العدو وتوحيد الضمير الإنساني:
ولما باتت تمثله هذه المناسبة، يوضح الدكتور عبدالملك محمد عيسى، أستاذ علم الاجتماع السياسي المشارك، أن اليمنيين نجحوا في تحويل المولد إلى “استراتيجية اتصال عالمية” تقوم على أربعة أبعاد مترابطة: البعد الروحي والتعبئة الإيمانية. فالاحتفال في اليمن لا يقتصر على الطقوس الشكلية أو الإنشاد فقط، بل هو محطة سنوية لإحياء قيم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من رحمة وعدل ومقاومة للظلم. يتم التركيز على الفعاليات الثقافية والشعبية في كل حي ومؤسسة، مما يعمق ارتباط الناس بالنموذج النبوي ويجعل حب النبي ليس مجرد عاطفة، بل التزامًا عمليًا برسالته.
الحشود المليونية التي تدهش العالم: المشهد الجماهيري الهائل في صنعاء وسائر المدن اليمنية ينقل للعالم صورة مختلفة عن الإسلام والمسلمين، أمة حيّة متمسكة بنبيها رغم العدوان والحصار. وسائل الإعلام العالمية غالبًا ما تتوقف عند هذه الحشود باعتبارها تعبيرًا عن قوة شعبية وإرادة صلبة تتجاوز حدود اليمن.
كذلك الربط بالقضايا الكبرى والرسالة الإنسانية: فخلال هذه المناسبة يؤكد السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، حفظه الله، أن حب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعني الالتزام بقيمه وعلى رأسها نصرة المستضعفين تجسيدًا عمليًا صادقًا. لذلك يتحول الخطاب إلى دعوة عالمية للعدالة والحرية مع إبراز الدعم المستمر لفلسطين ومواجهة مشاريع الاستعمار الحديث. هذه الرسائل تخاطب الضمير الإنساني في كل مكان، وليس المسلمين وحدهم.
بالإضافة إلى ذلك، تحوّل المولد من الإيمان إلى الفعل واعتُبر منصة مقاومة، حيث يؤكد عيسى في تصريح خاص لـ”المسيرة نت” أن المناسبة تتزامن مع مواقف عملية في مواجهة الهيمنة الأمريكية – الإسرائيلية، سواء من خلال المواقف السياسية أو العمليات العسكرية التي ترتبط بخطاب المولد في خطاب السيد القائد -يحفظه الله- مبينًا أن هذا التلازم بين الروح والعمل يعطي للمناسبة ثقلها العالمي لأنها تظهر أن الإسلام ليس طقوسًا جامدة بل مشروع تحرير حقيقي، جزء منه القيم المشتركة مع العالم. فمن خلال المولد النبوي الشريف يتم التأكيد على أن مولد النبي هو مولد رسالة الرحمة والعدالة. يقدم اليمنيون خطابًا عالميًا يمكن أن يلقى صدى حتى عند غير المسلمين لأنه يعبر عن قيم إنسانية مشتركة يحتاجها العالم اليوم، من ضمنها نصرة المظلوم.