الخبر وما وراء الخبر

الشعوب العربية تثبت أنها عصية على موجة التطبيع التي جرفت بعض أنظمة الخيانة

2

مع إسدال الستار على مونديال قطر 2022م.. أثبتت الشعوب العربية أنها عصية على موجة التطبيع مع كيان العدو الصهيوني “المنبوذ” والتي جرفت بعض الأنظمة الخائنة، بل ورفعت الجماهير العربية بطاقة حمراء في وجه اتفاقيات أبراهام التطبيعية وطردت الصهاينة من الملاعب.

وشكل انطلاق مونديال قطر فرصة ذهبية للشعوب العربية بتحفيز حال الوعي التي كانت حاضرة لتسخير كل طاقاتها في مناهضة التطبيع مع كيان العدو الصهيوني وقطع الطريق على محاولته الظهور بصورة الكيان الطبيعي في المنطقة.

القضية الفلسطينية كانت حاضرة بامتياز على مدرجات وملاعب المونديال القطري وكأس العالم، باعتباره حدثاً دولياً ومحط أنظار الملايين في العالم، والمشاهد المختلفة التي بثّت على منصات التواصل الاجتماعي انتشرت بقوة وأكدت أن كل عربي مهما كانت جنسيته رفض الحديث وقاطع وسائل الإعلام الصهيونية وسجّل موقف عز وشرف وسلّط الضوء على القضية الفلسطينية على طريقته الخاصة.

وتعتبر ردة فعل الجماهير العربية الإسلامية هذه طبيعية وتلقائية ولم تتغير في وعي الشعوب العربية رغم هرولة الأنظمة الخائنة والعميلة نحو هذا التطبيع مع كيان العدو.

وشهد مونديال قطر 2022 العديد من الفعاليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية والرياضية، لعل أهمها بالطبع رفض الجماهير العربية والإسلامية القاطع، وأغلبهم من الشباب، للتطبيع مع كيان العدو الصهيوني، أو التعاطي مع إعلامييه وجماهيره بشكل عام، ما اضطرهم إلى إخفاء هويتهم ولغتهم، وتقييد حركتهم ونشاطهم بشكل كبير.

ولعل من أهم الدلالات برفض التطبيع مع كيان العدو الصهيوني، يجب الإشارة إلى أن مونديال قطر 2022، أثبت قدرة الدول العربية والإسلامية على التنظيم الدقيق مع وجود الإمكانات المالية، غير أنها وحدها قاصرة عن النجاح والتفوق دون اتباع أسس وقواعد الحكم الرشيد والعمل المؤسساتي المنظم والدقيق.

ويعبر رفض التطبيع مبدئياً ومنهجياً مع كيان العدو عن الوجدان والعقل الجمعي العربي الإسلامي، وعن الارتباط بفلسطين باعتبارها القضية المركزية للأمة العربية والإسلامية، وأن هذا ليس شعاراً إنشائياً وعاطفياً، بل هو متجذر في وعي جميع الشعوب والجماهير العربية والإسلامية.

كما يُظهر رفض التطبيع انفصام المنظومة العربية الرسمية عن الرأي العام والعقل الجمعي، واعتبار أن السلام خياراً استراتيجياً مع كيان العدو الصهيوني لا يعبر عن الناس وعقلها ووعيها الجامع.

في هذا السياق يجب التنبه إلى أن فلسطين حاضرة ومتجذرة بقوة لدى الشعوب العربية التي طبعت أنظمتها أو تتبنى قيادتها لهجة ناعمة مع تطبيع خفي غير معلن، بينما تمنع شعوبها من معارضة التعبير عن آرائها أو العداء لهذا الكيان المنبوذ.

ولم يكن مستغرباً أن تحضر أعلام فلسطين بكثافة وكثرة في مونديال قطر، رغم أن المنتخب الفلسطيني لا يشارك فيها، بينما القضية نفسها كانت حاضرة بقوة ولا يمكن انتقاد ذلك أبداً، خاصة مع سماح اللجنة الأولمبية الدولية و”فيفا” بالتعبير عن دعم أوكرانيا وقضيتها “العادلة أيضاً” داخل الملاعب والساحات والميادين الرياضية.

ومن هنا جدد مونديال قطر التأكيد على حقيقة ومفهوم بل مفاهيم أن كرة القدم كانت دوماً أكثر من مجرد لعبة، وأن المونديال نفسه أكثر من مجرد بطولة.

في المقابل.. جاءت ردة فعل الصهاينة أنفسهم لافتة ومخيبة، من حيث الإقرار بحقيقة أن التطبيع سقفه من زجاج كما قيل حرفياً في الصحافة الصهيونية، حيث نقض المونديال كل ما يقال من أوهام في “تل أبيب” عن الموجة الجديدة، وترحيب شعوب تلك الدول بها، وأنها ستكون مختلفة عن التطبيع البارد في السابق مع مصر والأردن.

ومع أن كيان العدو الصهيوني فرض نفسه على المونديال بشكل أو بآخر بالاتفاق مع الفيفا، إلا أن الجماهير العربية عبّرت بأساليب مختلفة عن رفضها لما سمي اتفاقيات “أبراهام”، أو نهج التطبيع معه، وقالت بكل وضوح لا قبول لـ”إسرائيل” في كأس العالم، وهذا ما عكسه رفض الشعوب العربية الكبير والواضح من جميع جنسياتهم لنهج التطبيع الذي سلكته بعض الأنظمة العربية التي طبعت رسمياً علاقاتها معه.

وبحسب استطلاع رأي نشره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسية في العام 2020م، فإن غالبية الشعوب العربية ترفض التطبيع مع كيان العدو الصهيوني، وشمل الاستطلاع 28 ألف مشارك من 13 دولة عربية لا تشمل الإمارات.

وأظهرت نتائج الاستطلاع أن 88 في المائة من المواطنين العرب في البلدان المستطلعة ترفض الاعتراف بكيان العدو الصهيوني، من ضمنهم 85 في المائة من المصريين، و91 في المائة من الفلسطينيين، و93 في المائة من الأردنيين، و65 في المائة من السعوديين.

وأوضح استطلاع الرأي أن نسبة الرفض في المغرب العربي للتطبيع مع كيان العدو الصهيوني وصلت 93 في المائة، وفي المشرق العربي 92 في المائة، وفي منطقة وادي النيل 82 في المائة، وفي الخليج العربي 82 في المائة.

ولم يكن الرفض الشعبي لاتفاقيات التطبيع الأول في حدث رياضي عالمي مثل المونديال، فقد سجل معرض أكسبو الذي أقيم بمدينة دبي في أواخر العام الماضي وفي مطلع العام الجاري، انخفاضاً واضحاً وملموساً في عدد زائري المعرض من 25 مليوناً إلى خمسة ملايين فقط، وهذا التراجع سببه الرئيس المقاطعة المقصودة ورفض الشعوب المشاركة في حدث يشارك فيه الكيان الصهيوني المحتل رسمياً ومرتّب من دولة خليجية مُطبعة.

وشكل ما جرى في مونديال قطر هذا العام صفعة جديدة على وجه الكيان الصهيوني التي ما فتئ يستغل أي حدث ليجد قبولاً شعبياً له في الأوساط العربية والإسلامية، وفشلاً صهيونياً ذريعاً لدبلوماسية الكيان المحتل التي لطالما تفاخر في أنه نجح في التغلغل بين الشعوب وكي الوعي العربي تجاه قبول حال التعايش التي تطمح إليها في المنطقة العربية.

وانسجم سلوك الجماهير العربية في مونديال قطر تماماً مع ما أظهرته نتائج استطلاع الرأي الأخيرة التي أجراها “معهد واشنطن” الأميركي للأبحاث، في مارس الماضي الذي أظهرت نسبة معارضة كبيرة بين الجماهير العربية للتطبيع والقبول بكيان العدو الصهيوني، بواقع معارضة عالية، إذ سجلت في البحرين نسبة معارضة بلغت 71 في المائة، و76 في المائة في الإمارات و75 في المائة في السعودية، وهو ما يعني أن الأرقام تتسع ورفض التطبيع يزداد بين الشعوب.

وما لا يفهمه الصهاينة أنّ العربي وغير العربي، وكثيراً من الشعوب، ينتعشون ويشعرون بفخر بتأييد القضية الفلسطينية، فالمشجّع الأرجنتيني أو البرازيلي ومن دول عدة، رفع العلم الفلسطيني ليس فقط مناصرة لفلسطين، بل ولقضايا الشعب الفلسطيني ضد الاستعمار.

وأعرب أحد المراسلين للقناة 12 الصهيونية، خلال وجوده لتغطية كأس العالم في قطر، عن ضيقه بسبب مواقف الجماهير العربية الموجودة في المونديال، الرافضة لإجراء مقابلات تلفزيونية معه، بقوله: “رغم أننا وقّعنا على أربع اتفاقيات تطبيع، إلا أنّ غالبية الشعوب العربية لا تحب وجودنا هنا”.

وأضاف: “الكل يعرفنا، ربّما بسبب مقاطع التيك توك المنتشرة، يتقدمون إلينا وينتقدون وجودنا هنا، لا أدري لماذا”.

وتابع: “عندما أعرّف نفسي على أني إسرائيلي بعضهم يجيب شكراً، لماذا شكراً؟! والبعض الآخر تعاملوا معي بطريقة غير جيّدة”.

وقال: “هناك كثير من المحاولات من أشخاص كثر هنا من كل أرجاء العالم العربي، يخرجون ضدنا بسبب أننا نعرض عليهم التطبيع”.

وعرضت القناة الصهيونية نفسها مقطع فيديو لمشجع عربي عقب مباراة المنتخب السعودي والأرجنتين، بعد أن دخل في جدال حاد مع المراسل نفسه، حول حقيقة وجود “إسرائيل”.

وعندما عرّف المراسل نفسه على أنّه من “إسرائيل”، ردّ عليه المشجع بكل حزم: “ما في إسرائيل، في إشي اسمه فلسطين، فلسطين حرّة عربية”.

في الوقت الذي حاول فيه المراسل فرض رأيه بالقول: “في إسرائيل ليوم القيامة”، أصرّ المشجع ومعه آخرون على أنّ “ما في إسرائيل، فلسطين حرّة عربية، وسوف تبقى لأبد الآبدين، ما في سياسة، لأنّه ما في إسرائيل”.

وذكرت وسائل إعلام صهيونية أنّ مشجعين لبنانيين في مونديال “قطر 2022″، رفضوا التحدث إلى مراسلها بعد معرفتهم أنّه صهيوني.

كما انتشرت منذ انطلاق مسابقة كأس العالم في قطر على مواقع التواصل الاجتماعي مجموعة من الفيديوهات تظهر رفض الجماهير العربية إجراء المقابلات مع القنوات الصهيونية.

ومما يدلّ على الفشل الصهيوني في اختراق المجتمعات العربية -حتى الآن- هو أنّ الجيل العربي الجديد، الذي لم يعش النكبة والنكسة واحتلال لبنان، وتشتيت منظمة التحرير الفلسطينية، هو أكثر الفئات رفضًا للهرولة وإقامة العلاقات مع الكيان الصهيوني.

وخلاصة القول هي أنّ التطبيع الشعبي مع كيان العدو الصهيوني في الخليج وفي الدول العربية مرفوضٌ، ولا يمكن لهذا الكيان أن ينجح في الوصول إلى الشعوب العربية، إلا بالأساليب الملتوية التي يجيدها ويتقنها، كأنْ يتنكر بأسماء عربية ويتسمّى موردخاي محمدًا مثلا، وأن تبيع منتجاتها للناس بتغيير اسم بلد المنشأ، وأن تعتمد على عملائها في كلِّ شؤونها، وهو يعني الفشل الذريع في الوصول إلى الناس.

وعبر أدباء ومثقفون، أطباء ومهندسون، محامون وطلبة، عمال وعاطلون عن العمل، من كافة شرائح وأطياف المجتمعات العربية، عن سخطهم بمئات آلاف التغريدات والمنشورات المنددة بالتطبيع والداعمة لفلسطين وحقها.

واشتعل موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، المنصة الأكثر رواجا في الخليج، بعشرات آلاف التغريدات من كافة دول الخليج، الرافضة بقوة للتطبيع، حيث سيطرت ترندات “كويتيون ضد التطبيع”، و”عمانيون ضد التطبيع”، و”خليجيون ضد التطبيع”، “وإماراتيون ضد التطبيع”، و”قطريون ضد التطبيع”، وسجلت كثافة عالية في حجم المشاركات والتداول.

ونشر عمانيون، قانون مقاطعة “إسرائيل” الصادر عام 1972 والمعروف بقانون رقم 9 لسنة 1972 ويحظر على كل شخص طبيعي أو اعتباري عقد اتفاقيات مع أشخاص مقيمين في “إسرائيل” أو يحملون جنسيتها أو يعملون لحسابها ومصلحتها أينما أقاموا، وحظر تبادل التجارة والسلع ومنتوجات اسرائيل او حتى تلك التي تشترك في انتاجها.

وبحسب القانون يعاقب كل من يخالف هذه المواد بالأشغال الشاقة لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على عشر سنوات، ويغرم بـخمسة آلاف ريال سعودي.

أما في البحرين، فلم تقف تغريدات أبنائها عن رفض التطبيع والإعلاء من شأن فلسطين وأهلها وحقهم بأرضهم وبحياة كريمة، ونشر البحرينيون قانون رقم 5 لسنة 1963 والذي من خلاله يقام مكتب يطلق عليه: “مكتب مقاطعة اسرائيل في البحرين وتوابعها، والذي يحظر على البحرينيين التعامل مع اسرائيليين ويعاقب كل من يخالف المواد القانونية في القانون رقم خمسة”.

وتتواصل الاحتجاجاتٍ ضد تطبيع سلطات المنامة مع كيان العدو الصهيوني، وجمعية الوفاق تدعو إلى الاستمرار في الاحتجاجات، وتفعيل الحراك الشعبي بشكل متواصل.

الناشطة السعودية جمانة الصانع تقول كشاهدة عيان: “هذه المرة أكتب للأصدقاء من قلب الحدث حيث أتابع كغيري من عشاق هذه اللعبة وقائع المباريات في قطر، والرياضة للشعوب، ومهما جارت علينا أنظمة القهر في بلادنا لكن البلاد وناسنا عزيزين علينا، وندعم منتخبنا الذي لو كشف عن دواخل لاعبيه، فكلنا يعلم ما هو موقفهم من الظالمين كالغالبية العظمى من شعب الجزيرة المغلوب على أمره”.

وتضيف الصانع: “أريد هنا كشاهدة عيان أن أتوقف مع ردة فعل الجماهير العربية وبالذات(السعوديين) تجاه الصهاينة، ورفضهم للتطبيع رغم الموقف المعروف لبني سعود، وتماهيهم الكامل مع السياسات “الإسرائيلية” ودعم بن سلمان لأي اتفاقية مع الصهاينة، لقد بكيت وانا أشاهد الشباب الحجازي رغم مخاطر ما سيتعرض له من يرفض إجراء اللقاءات والتعامل مع وسائل الإعلام الصهيونية في الدوحة”.

وتابعت بالقول: “فرغم التوقيع على أربع اتفاقيات تطبيع مع دول عربية، إلا أن الشعوب العربية تكره اسرائيل باختصار كما قال مراسل قناة صهيونية كانت تغطي المونديال، مضيفا أن الصدمة كانت من ردة فعل السعوديين الذين اعتقدنا أنهم مثل محمد بن سلمان لكنهم رفضوا حتى الابتسام لنا بل تعرضنا للشتائم منهم”.

الجدير ذكره أن موقف الشباب العربي تجلى عموما في الدوحة ضد الصهاينة متجاوزين الأنظمة الاستبدادية الفاسدة، وتبعيتها للغرب وكيان العدو وكانت ردة فعلهم ضد الشرذمة الصهيونية المتواجدة على أرض عربية بحجة التغطية الصحفية فطرية لا تقبل المساومة.. وهذه المواقف العربية التقت مع هتافات الجمهور الإيراني دعماً لفلسطين وضد “إسرائيل”، وهتف الشبان الإيرانيون دعما للقضية الفلسطينية.