الخبر وما وراء الخبر

قراءة نقدية لحسن المرتضى في قصيدة الدكتور المقالح: نقوش وتكوينات في جدار الليل الفلسطيني

34

نجد أن العنوان في النص يحمل كامل المعنى بدرجة عالية جداً وكأن النقوش التي في جدار الليل الفلسطيني عبارة عن خريطة ممتدة في القدم وكل نقش في هذا الجدار الليلي كأنه مكتوب بخط فسفوري لامع نراه بوضوح ويشع منه الألم وهو يستجدي النار فإذا جاء النهار وهو لن يجيئ فإنه لا حاجة لنا برؤية هذه النقوش في النهار المرسومة على الخريطة وأما عن التكوينات فكأنها الشعوب التي تسكن هذه الخريطة.

فمن مطلع النص نحس بعمق أن الجو المحيط بمن يقرأ النقوش على جدار الليل موحشة في قوله (موحش وجه (عكا) وموحشة في العيون الصباحات) وكأن الصباحات تأتي ولكن لا قيمة لها وعلى سبيل السهو ولهذه النقوش التذكير لأن فلسطين كانت أرض المائدة أو العشاء الأخير للمسيح في قوله (يا شام مائدة كان صدرها الفرات لماذا غدا مقصلة؟!)

ويوغل في تفصيل هذه النقوش وكأنها منقوشة على جدار في النقاء والنقب والنفوذ وعكا ويافا والخليل.

ولكن الشاعر يحاول ألا يقرأ هذه النقوش ويحاول إيجاد لغة غير التي كتبت بها هذه النقوش فهي لغة ضعف واستكانة فيقولها:

(ابحثوا في الرمال القديمة، عن لغة لا تمارس دور النعامة في الحرب والسلم، عن لغة كالنبوة لا تبرد الكلمات على ساقها، لا تخون)

فما الذي جعل الشاعر يبحث عن لغة غير هذه اللغة، لأنها جعلت المواطن الفلسطيني (كالغريب بين الندى والرصاص)

أم لأن (العصافير تحلم بالدفء، وتحلم بالخبز والماء والطفل في الشام يحلم بالماء يحلم بالخبز للماء لون الدماء وللخبز لون الجماجم لون دم الأصدقاء)

ولأنه قرأ في هذه النقوش أخبار هذه التكوينات وما يروى عنهم وما قالت إذاعاتهم

(سقطت في الدجى البندقية..

سقطت في الدماء الهدية

غرقت في النزيف القضية)

ولأن أهم أعدائه الذين يحتاج الحراسة منهم هم (احرسوني من الأصدقاء) ولأنه كلما يبصر إلى النقوش يشرد لأنه يرى (هناك محاصرة يبيعون من القمح، يصنع لي طفلي النقش، يصنع لي طفلي القبر، يصنع لي بيديه النهاية)

فما وصف هذه التكوينات التي تعيش فوق الخريطة (النقوش)

(ولم يعد وطناً بعد أن أدمن الذًل والخوف

أقبية صار للجثث المستباحة

خارطة للخواء، ومزرعة للصوص

فلا تدفنوه، أرفعوا علم الشهداء،

عن الجسد المتعفن عن وطن لا يجيد اختيار الحياة أو الموت)

ويستدل أيضاَ (كفن أم وطن، أمة أم غبار)

وماذا عن جدار الليل هل سيهدم ويأتي النهار؟!

ليقول (سوف تبقى الجنازة، للموت بهجة، ويموت النهار)

لماذا الآن (يافا تقاتل يافا وماء الخليل يقاتل ماء الخليل)

فهذا (سيخلعنا شجر المستحيل)

نقوش وتكوينات في جدار الليل الفلسطيني.

موحش وجه (عكا) و(عكا) مهيأة للحصاد

وموحشة في العيون الصباحات وجه التضاريس والكلمات

وجمر السماوات …

موحشة في دمائي الخيام، التواريخ، لون المدائن

موحشة في حقول اللغات حروف الكلام

(الكآبة عالقة بالجدار) أم أن الحزن يأتي إليه

ويثقب جدرانه عبر صوت الربابة..

عبر صمت الأصابع.. عبر صوت المدافع.. عبر صمت الكلام

(الرتابة)

العصافير تحلم بالدفء

تحلم بالخبز والماء

والطفل في الشام يحلم بالماء يحلم بالخبز

للماء لون الدماء.. وللخبز لون الجماجم.. لون دماء الأصدقاء

ووجه الشام تبدل لا ماء لا خبر في جسد الشام

طفل المخيم يسأل مذعورة ومشوهة في المخيم عيناه

باردة كدم البندقية كفاه

يا شام مائدة كان صدر الفرات لماذا غدا مقصلة؟؟

(كفن أم وطن.. أمة أم غبار.. عودة أم شجن.. ثورة أم شعار؟؟

سوف تبقى الجنازة – للموت بهجته – ويموت النهار)

” يا بديع المحيا …” أنت يا وجه (عكا) المسافر بين القنا والنفوذ

لماذا يخاصمني كبقايا المصابيح

يبعثرني كبقايا المصابيح

في مدخل الفجر هل خانني الحب؟ هل خانني الشعر؟

ما للقصائد لا تستجيب لصوتي.. ومالي أصطاد قافية لا تناسبني.

لا تناسب لون الدماء ولون البكاء

(أنت يا وجه عكا المحاصر بين النقا والنقب

أنت عار العرب.. أنت مجد العرب أنت إن لم تعد لهباً قمراً …يا لبؤس العرب!)

الغريب المسافر بين الندى والرصاص

وبين الخديعة والموت والاعتذار

يغادر نزهته ويعود إلى ناره

في البراري يسير بطيئاً

يفتش عن ذاته في الحطام…

يفتش عن لونه في الحطام

يفتش بين الحطام عن البندقية

يبحث عن وطن لم يعد قائماً

يرقب الآن ساعته ربما اغتاله الوقت.

واحترقت بندقية في دم الانتظار

(وقالت إذاعاتهم: سقطت في الدجى البندقية

سقطت في الدماء الهوية غرقت في النزيف القضية

وقال: أخرسوني من البحر، لا.. أخرسوني من الأصدقاء)

إنه وجه (عكا) وهذي القرائن أجمعها من رفات المنازل

من صخرة حزم العشب حبتها

ويصير صديقاً يعاند كل السكاكين … يشحذها

إنه وجه (عكا) استطال به الحزن

يرحل بين الزمان وبين المكان

ويصرخ: من أين جئت؟؟ لماذا أموت؟؟

لماذا أنا شارد وقتيل هنا في براري الشآم

و(عكا) هناك محاصرة بسيوف من القمع

وجهي يضيع هنا، أيضيع.

ويصنع لي طفلي النعش..

يصنع لي بداية النهاية

إني أضيع.. أبيع.. الشتاءات مرت على جسدي

أوغلت في دمي وأنا واقف في انتظار الربيع)

لم يعد وطناً.. بعد أن أدمن الذل والخوف

أقبية صار للجثث المستباحة

خارطة للخواء.. ومزرعة للصوص

فلا تدفنوه.. ارفعوا علم الشهداء عن الجسد المتعفن

عن وطن لا يجيد اختيار الحياة أو الموت يأكل أبناءه في السلام

وأبناؤه يستبيحون صورته في الحروب!

ابحثوا في الرمال القديمة عن لغة لا تمارس دور النعامة

في الحرب والسلم

عن لغة كالنبوءة لا تبرد الكلمات على ساقها لا تخون

(كان كتلة نار.. صار كتلة عار.. لم يعد قطعة من شعاع الضحى

لم يعد بريقاً من نسيج المطر نضبت لغة البرق في مقلتيه

ومات على شفتيه حديث الشرر)

يا شتاء الخديعة.. والقتل والعار

إن النساء اللواتي تطوعن للحب

يحملن آنية من دم الفجر

يخرجن من خنجر عالمي النقوش

ويدخلن في خنجر عربي النقوش

ويكتبن فوق تلال المرافئ أضرحة وقبوراً

وجهه حزين الندى

يتراجع عن صمته قائلاً إن هذا سؤال حياتي

لماذا تموت النجوم إذا رفضتها المرايا؟؟

لماذا خنجر الأهل.. تنحر الكلمات / الأساطير!؟

(يافا تقاتل يافا وماء الخليل يقاتل ماء الخليل..

لماذا يموت النخيل وتبقى الرمال

لماذا تموت الظلال وتبقى الصخور –القبور؟

لماذا يبعثرنا ورق الاحتمال

ويخلعنا شجر المستحيل)