الخبر وما وراء الخبر

في رحاب الأقصى الشريف

3

بقلم// خلود الشرفي

فعاليات مهيبة شهدتها يمن العزة والصمود،احتفاء بيوم القدس العالمي،الذي دعى إليه العلم الرباني السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي سلام الله عليه، ذلك اليوم العظيم والذي كان يوماً مشهوداً بحقٍ ؛ فقد توافدت الحشود اليمانية إلى ساحات الاحتفال جماعات وأفراد، يحدوها الشوق ، ويسبقها الحنين، إلى ذلك اليوم القريب الذي يتحرر فيه القدس الشريف من هيمنة الطغاة والمستكبربن ، ويتطهر الأقصى من رجس الصهاينة المعتدين؛ وعلى ذلك المسار كان ولا بد من تهيئة الشعوب، وتنمية الوعي لديها بأهمية إعداد العدة، وتلبية نداء الأقصى الجريح ، وعلى عادة شعبنا اليمني العظيم المقاوم،الصامد،فقد خرج إلى ساحات الجهاد ،ملبيًا داعي الحق ، مجيبًا نداء أخوتنا في فلسطين العزة والشموخ، حاملاً روحه على كفه، وهو يكنُ للشعب الفلسطيني المجاهد الصابر كل معاني الفخر والإعتزاز ، وكل ما تحتويه القلوب، وتضمه الجوانح من استشعار للمسئولية، وحب للشهادة والاستشهاد في رحاب الأقصى الشريف .

وفي إطار تأمين الفعاليات ؛وصلنا نحن الأمنيات واللجان النظامية إلى ساحة الاحتفال قبل أذان الظهر بساعة أو أكثر، وكان الجو حاراً ملتهباً ، والشمس في أوج سطوعها وإنبهارها ، وكأنها تشاطرنا الاحتفال بهذا اليوم العظيم_يوم القدس العالمي_
ولأول وهلة فور وصولنا بدأنا بالبحث عن مكان بارد بعيداً عن الشمس وحرارتها الملتهبة؛ ولكن هيهات !! فسلطان الشمس أقوى من أن يدع بقعه لاتصل إليها أشعته الذهبية ، وحرراته النورانية..
أقتربنا من أحد أبواب حديقة الثورة ، والتي كانت الساحة المخصصة لاحتفالات النساء ، شرعنا في ذكر الله عز وجل ، والدعاء بالتوفيق في أداء أعمالنا ، إذ كانت تقع على عاتقنا نحن عاملات الأمن والنظام مسؤولية جسيمة، في تأمين الاحتفال ،وتنظيم الفعالية، والحفاظ على الأمن والسكينة داخل الساحة
أخذت مشرفة كل مجموعة بإعطاء التعليمات اللازمة لمجموعتها ،وفي غضون دقائق معدودة كان الكل يستقر في مكانه الصحيح ، والبقعة المحددة له من قبل المشرفات .

وخلال ذلك بدأ الغيث ينزل رويدا رويدا، وعلى شكل قطرات صغيرة كأنها حبات من اللؤلؤ المنثور ، وماهي إلاَّ لحظات حتى أمتلأت الساحة بالماء ، وهبت رياح قوية ، لتهب معها نسائم الرحمة ، وبَرَد المغفرة والرضوان من ربٍ رحيم ؛ فها هو الثلج ينزل من السماء على شكل حبيبات “بَرِد” صغيرة ، لتحط على أيدينا المتجمدة من شدة البرد فلتسعها برفق ، ويداعب نسيمها الفواح ، وأريجها العطر لباسنا الأسود، وعبائتنا الحالكة الظلمة فيحيلها إلى ثوب أبيض ناصع البياض .

سبحان الله مغيَّر الأحوال !! قبل بضع دقائق كنا نشكو من حرارة الشمس، بل ونبحث عن مكان بارد بعيداً عن ظِلها وظلالها ؛ والآن قد تبَّدل الوضع وصارت السماء مليئة بالغمام ، والسحب المحملة بالماء الزلال ، وكأنها لفرط ثقلها حاملة في شهرها التاسع، لاتطيق تحت حملها حراكاً ، حتى تصب مابداخلها غيثاَ مدراراً .

هناك تذكرنا قوله تعالى في سورة الأنفال : ” وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ” .

قرأنا الآية مرات ومرات ، سبحان الله ! إن هذه الآية الكريمة تصف واقعًا نحن فيه ، ونعيشه بكل تفاصيله الصغيرة ، ودقائقه القيَّمة، وكأن الله سبحانه وتعالى أنزلها لنا وفينا خصيصاً
هناك .. شعرنا بمعية الله عز وجلَّ معنا ، وتوفيقه لنا ، ورضاه عن أعمالنا، وتقبله سعينا ، فما كان الله ليُضيع عمل عاملة منا ، ونحن أولئك المجاهدات البسيطات ، الكادحات، المتواضعات، التي قدمن أغلى مايملكنَّ في سبيل الله تعالى ، فمعظم العاملات هن أمهات الشهداء، أو أخواتهم أو بناتهم ؛ وقلَّ أن تجد عاملة ليس لها شهيد مجيد، أو أسير صامد ،أو مجاهد مرابط في جبهات الشرف والكرامة والصمود.

بدأت الحشود اليمانية من النساء الماجدات بالتوافد ،وأخذت الساحة تموج بأنواع الأعلام، ومختلف الأطياف، وزاد المشهد هيبةً وجلالاً صوتهن الجماعي الكبير الموحد المنبثق من صميم القلب، وعميق الفؤاد ” لبيك يا قدس ” لتتلقف سماوات الخلود هذا النبأ العظيم ، ويتجاوب معها الكون هيبةً للموقف ، وتوقيرًا للمناسبة ، وتزهو الأرض بمن عليها، وهي ترى الأنوار تنبثق من هنا لُتزيل عن الأقصى سنوات من الظلم والعدوان ، الذي عاشه في غياهب سلطة الاحتلال وغطرسة المحتلين .

مشهد مهيب يعجز عنه الوصف ، وتكلُّ عنه الألسنة، ولكنه يتفجر عزة وشموخاً، وجهاداً وصموداً ، في ظل عدوان كوني يصب جام غضبه على المؤمنين الآمنين في ديارهم ، شعب عزيز كادح؛ كما وصفه السيد حسن نصر الله ، يجتمع من كل حدب وصوب، لا يمنعه غزارة الأمطار، وسوء الأحوال عن الحضور المشرَّف من أجل إخوته المرابطين في الأقصى الشريف فلا غرابة إذاً ؛ إذا وجدنا هذا الشعب الصامد الأبي يمرغ أنوف آل سعود، وأسيادهم الأمربكان ، في التراب ، ويسقط هيبتهم الكاذبة في الوحل ،في حين أنه يخوض حرباً كونية منذ ثمانية أعوام ، ولم تعرف الهزيمة إليه سبيلا بعون الله
والعاقبة للمتقين .