الخبر وما وراء الخبر

هدنة اليمن.. مناورة سياسية أم نهاية حرب؟

3

بقلم// محمد جرادات

جاءت الهدنة الإنسانية الراهنة في اليمن، لتعطي بصيص أمل في نهاية محتملة لحرب عبثية دامت أكثر من سبعة أعوام، أكلت أخضر اليمن ويابسه، في عدوان سعودي إماراتي، دعمته قوى إقليمية وعالمية متعددة، في ظل انقسام حادّ في المشهد الداخلي، اتّكأ عليه هذا العدوان في وحشيته. فهل تصمد هذه الهدنة الإنسانية، في مفاعيلها الميدانية السياسية، وخروقاتها المتوالية، مع تسارع التطورات الإقليمية والدولية، من فلسطين حتى أوكرانيا؟

شكّل الاتفاق في مسقط، بين السعودية وحكومة صنعاء، مفاجأة هي الأولى من نوعها، وإن بعد طول أمد، في ضوء البَوْن الشاسع في الرؤيتين السياسيتين بين الطرفين، بموازاة المطبات الداخلية العسيرة، والكثيرة، وهي تبدأ بإشكالية الرئيس المنتهية ولايته، ولا تنتهي بأزمة الطموح الجنوبي المتنامي إلى الانسلاخ، مستغلاً التداعيات الداخلية والأطماع الإقليمية والدولية.

نظمت السعودية “مشاورات” في الرياض بين مؤيدي تحالف العدوان على اليمن، ليتمخض عنها عملية إقصاء لهادي والأحمر، عندما تم إجبارهما على تخويل مجلس حكم بقيادة سياسي يمني مقرب أميركياً، هو رشاد العليمي، على نحو يشبه إعادة تنظيم “الشرعية” وفق مقاس أميركي صرف على نحو يُفضي إلى خلط الأوراق، ربما لخداع حكومة صنعاء، من أجل الخروج من حالة الحرب إلى ما هو إدامة أمد العدوان، عبر مواصلة قبض السعودي، ومن خلفه الأميركي، على خيوط اللعبة في اليمن، سياسياً وميدانياً، في وقت لا يجرؤ هذا المجلس حتى على مباشرة عمله في عدن، فهل تنطلي اللعبة على صنعاء؟

العدو التاريخي لليمن، إنها السعودية في ظل حكم آل سعود. يدرك ذلك كل يمني بالفطرة، وبقليل من المتابعة، لكنّ ثمة أطرافاً يمنية راهنت على الظهر السعودي المطرَّز بشقوق الماضي والحاضر، لتبني عليه مجدها المغيَّب. فالغاية تبرر الوسيلة، ما دام الصعود إلى السلطة واحتكارها سيدَي الموقف، ولو كانت سلطة على جماجم الأطفال وأشلاء الوطن المبعثرة بين صنعاء وعدن.

كانت السعودية عدواً تاريخياً لليمن تتربَّص به كخطر محدق، باعتبار أن ما يتمتع به اليمن من فضاء استراتيجي يراد تغييبه، عبر استحضار دويلات خليجية لتسود عليها السعودية، في شراكة موهومة غير متكافئة، وهو تكافؤ لا يقدر أي طرف في شبه الجزيرة العربية على تحقيقه غير هذا الطرف الفاعل الغائب، على الرغم من حضوره الصارخ في الجغرافيا والتاريخ. لذا، توجّب سعودياً إثخان هذا اليمن واستنزاف مقدراته، بل قضم أراضيه في كل مفترق طُرُق سياسي يسنح به التناقض اليمني الداخلي، وهو ما تحقق في أتون “الربيع العربي”، وقد انقلب حريقاً في كل بيت يمني.

كما كانت الهدنة الإنسانية في اليمن مفاجأة لكل متابع، وهي هدنة تمناها كل حريص وغيور على الإنسانية المعذَّبة، نظراً إلى ما ترتَّب على هذه الحرب العبثية من ضحايا بشرية وهدر للمقدرات. فكانت المفاجأة اليمنية الأكبر منذ عقد من الزمن ويزيد، في ظهور رافعة سياسية فكرية عسكرية يمنية جديدة، شكّل ظهورها القويّ انقلاباً كاملاً في المشهد، ربما يتجاوز الداخل اليمني إلى ما يطال شبه الجزيرة العربية برمتها، وأبعد.

ست حروب، سبق للنظام اليمني، بزعامة علي عبد الله صالح، أن شنها منذ عام 2004م، ضد حركة أنصار الله بقيادة حسين الحوثي، في صعدة، بدعم سعودي، انتهت بانتصار دائم لأنصار الله، وهو ما أهّلها، في ظل دعم إيراني غير مباشر، لتكون مفاجأة المشهد اليمني، وهو مشهد اعتاد السعودي اللعب في تناقضات ساحته الداخلية عبر قرن مضى، مستغلاً هشاشة أطرافه بين إمامة زيدية وطموح إخواني ونفوذ مؤتمري وضعف ناصري، وخصوصاً بعد ما تلقاه من دعم، إقليمياً وعالمياً، على نحو شكّل سداً منيعاً لطموحات الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر، في الحرب التي خسرها في اليمن عام 1962م، وهو ما ضاعف النفوذ السعودي على حساب اليمن ومقدراته. نصار

جاء انتصار صعدة على حروب النظام البائد المتوالية، ليكرّس واقعاً جديداً، أرسى دعائم مشهد يمنيّ آخذ بالتبلور في اتجاهات متباينة عن الروتين اليمني المألوف سعودياً، وهو روتين ظلّ السعودي، ومن خلفه داعموه في أميركا وبريطانيا والكيان العبري، يتجاهلون متغيراته الحادّة، وهي متغيرات دفعت القوى الداخلية، المرتهنة لحسابات خارجية أو حزبية غير وطنية أو مذهبية غير إسلامية، إلى مجابهتها بحديّة أشدّ، ولو على حساب الاستقرار الداخلي والاستقلال الوطني، وهو ما أدى إلى تغوّل السعودي واتساع جشعه ليمارس هوايته في تدمير اليمن، عبر عاصفة للحزم أعلنها من منابر واشنطن.

سقط نظام علي عبد الله صالح في بداية “الربيع العربي”، كما سقط حسني مبارك في مصر، ومن قبلهما زين العابدين في تونس، الذي استقرّ به المقام في السعودية طريداً. وهو ما تكرّر مع علي عبد الله صالح الذي انصاع للضغط السعودي واستقال لصالح نائبه هادي، الذي تقاسم السلطة بدوره مع حزب الإصلاح الإخواني، في تجاهل تامّ لتطورات المكوّن اليمني. وهو تطور جاء أيضاً بتيارات سلفية وقاعدية “تدعشنت” لاحقاً، عبر توفير أرضية خصبة من السعودي والإخواني، لتصب هذه التيارات جام حقدها المذهبي، المخترَق أميركياً، على المكوّن الجديد القادم من جبال صعدة، ليشارك في أحزاب اللقاء المشترك، أملاً منه في دور سياسي يراعي حجمه ومصالحه، ومن خلفها رؤيته لصالح اليمن المستقل عن الأطماع الإقليمية والدولية.

ترك إقصاء علي صالح، وتقاسم السلطة بين هادي وحزب الإصلاح، فراغاً كبيراً في المشهد الرسمي اليمني، وهو ما شجّع أنصار الله على الزحف نحو عمران، ثم صنعاء، بدعم قوي من الجيش اليمني الرسمي غير الموالي لتقاسم السلطة الجديد، وهو ما سمح لعناصر أنصار الله المنتصرين في حروب ست سابقة، ببسط سيطرتهم بصورة سريعة على صنعاء، بخسائر محدودة لفتت نظر المتابعين، وهو ما دفع هادي إلى الهروب لاحقاً نحو عدن، هو وشريكه علي محسن الأحمر، وبدء التحالف السعودي غزواً عسكرياً واسعاً لليمن، بطلب من هادي ونائبه.

سبعة أعوام مرّت، ظل فيها أصحاب العدوان الخارجي ومؤيدوه اليمنيون يدورون في حلقة مفرغة، أمام جسارة الصمود اليمني في صنعاء، وهو صمود ظل يتعزز بلونه اليمني الأصيل، على الرغم من كل التضليل الإعلامي وتصويره غزواً فارسياً شيعياً للأرض العربية. فلقد أثبت عناصر أنصار الله، ومعهم طيف من الحلفاء، وطنية مشروعهم السياسي، وإن ظل على الدوام في إطار فكري إسلامي، ليس له حليف خارجي غير محور المقاومة الممتد من طهران حتى بيروت.

تضاعف العدوان على اليمن وتشكّل وفق أشكال متعددة، ودخل عليه مرتزقة سودانيون، بصورة واسعة، وفِرَقٌ خاصة من مرتزقة العالم السفلي، بل انقلب علي صالح على حلفائه في صنعاء، لتتكشف حقيقة محدودية نفوذه، على الرغم مما حاوله طارق صالح لاحقاً، ومعه فرق العمالقة الذين شكّلهم الدعم الإماراتي، من ضعضعة لصمود صنعاء، وخصوصاً في الساحل اليمني الغربي، عبر المخا ثم الحديدة، مع مضاعفة الدعم اللوجستي الأميركي والبريطاني والإسرائيلي، ليوازي ذلك كله بما تجاوز الصمود اليمني، نحو توسيع دائرة الهجوم براً وبحراً، ثم جواً عبر الطائرات المسيّرة القادرة على اختراق كل المعوقات، والضرب في عمق السعودية والإمارات.

ظل العدوان يراهن على يأس الشعب اليمني، من دون طائل، وانكفأت سيطرته للبحث عن تموضعات استراتيجية، تتصل بالموانئ والمطارات والسواحل ومعابر الحدود مع امتدادات جغرافية صحراوية رخوة، وترك 60%من الشعب اليمني في مراكز ثقل سكاني تحت إدارة حكومة صنعاء، غير المعترف بها دولياً، والمحارَبة عربياً وأميركياً وغربياً، والمحاصَرة بصورة شاملة، عبر إغلاق مطار صنعاء، بسبب الهيمنة الجوية للتحالف، وفرض حصار بحري على ميناء الحديدة الذي يشرف على إدخال كل أنواع المواد الغذائية الضرورية، في ظل نقل البنك المركزي وإدارات الوزارات الحيوية إلى عدن، المثقلة بالخراب والتصفيات بين أفرقاء الحرب الإصلاحيين والجنوبيين وما بينهم من حرب مستعرة، مع فشل دائم للتحالف في ضبط هذه الصراعات الداخلية التي لطالما تحولت إلى ساحات حرب امتدت إلى خارج عدن نحو معظم المحافظات الخاضعة لسيطرة التحالف وأنصاره.

تجاوز اليمن مرحلة الصبر الاستراتيجي، إلى ما هو الإبداع في تطوير أدوات عسكرية، أحدثت فارقاً هائلاً في جسر ميزان القوى، أمام تحالف يمتلك قدرات جوية وجيوشاً برية وأساطيل بحرية، تتجاوز كل تطوير يمني عسكري بالمجمل. لكنّ هذا التطوير نقل ميدان المعركة نحو العمق السعودي والعمق الإماراتي الحساسين، على نحو يتجاوز قدرة التحالف على صمود طويل المدى، أمام شعب يمني تقوده طليعة مدربةّ على حرب الجبال والصحراء لفترة زمنية ليس لها نهاية، وهي تقاتل في أرضها، بين شعبها، وتملك مشروعاً فكرياً له امتداداته على مستوى أمة تتطلع إلى الانعتاق من هيمنة الغرب.

ثم كان التقدم البري الواسع، والذي حققته قوات صنعاء في مأرب، وهي القاعدة الأساسية لقوة شرعية حكومة هادي ونائبة الأحمر على الأرض، وعمودها الفقري قوات حزب الإصلاح الإخواني، ومجاميع “القاعدة” و”داعش” والسلفية، وما يعرف بالمكحلين، وكان التحالف يراهن عليها طوال الوقت، نظراً إلى كثافتها السكانية وغناها النفطي، وموقعها الاستراتيجي في كل خطة سعودية في اتجاه العاصمة صنعاء، فإذا بقوات صنعاء تسيطر على معظم مديرياتها، ولم يعد بينها وبين قلبها سوى بضعة كيلومترات، الأمر الذي استدعى من الأمم المتحدة، ومن خلفها أميركا، تقديم عروض سخية لوقف الزحف، وهو زحف راهنت فيه صنعاء على عقد مصالحات قبلية، يتم فيها تحييد القبائل عن الحرب، على نحو يقلل عدد الضحايا.

تعثّر الزحف نحو قلب مأرب، في ظل ضغط جوي هائل، واستعصاء قوات الإصلاح، باعتبار أن حرب مأرب بالنسبة إلى الإصلاح هي حربه الأخيرة، التي لا مفر بعدها في جغرافيا اليمن، مع انسحاب العمالقة من جنوبي الحديدة الساحلية، لصالح سيطرة واسعة لصنعاء على الساحل، في اتجاه تعز والبيضاء، وتشكيل جدار حماية للجنوب، ضد تهديدات قوات صنعاء التي أخذت تتمدد خلف مأرب جنوباً، الأمر الذي يعني سهولة عبورها نحو الساحل الجنوبي، وهو ما حال العمالقة دونه، وإن بخسارة معظم الساحل الغربي، وقد استعصى على باب الحديدة.

لكن سقوط قلب مأرب ظل يشكّل احتمالاً راجحاً، نظراً إلى صلابة تموضعات قوات صنعاء، وخططها الصريحة بالانقضاض، مع نجاحها المتسارع في عقد تصالحات قبلية، حيّدت أو كسبت قبائل قوية في المنطقة، وهو ما استدعى من السعودي، ومن خلفه الأميركي، البحث عن حلول، ولو عبر البوابة الإيرانية، وخصوصاً أن الرئيس الأميركي الجديد غيّر في حساباته الخارجية تكتيكياً، بخلاف جشع ترامب الصريح للمال السعودي. فهو يحاول تمرير شعاراته الانتخابية بشأن وقف المأساة الإنسانية في اليمن، لكنه يدخل ذلك عبر البوابة السعودية، راعية المصالح الأميركية في المنطقة. لذا، رأينا السعودية تطلق عدة مبادرات سلمية، جوهرها واحد: وقف القتال المباشر، من دون رفع الحصار جواً وبحراً وبراً، وهو ما دأبت حكومة صنعاء على رفضه بشدة.

رفض الإيراني، كعادته، أن يستثمر الملفات الإقليمية في محادثاته مع السعودي، وأصرّ على أن الحرب في اليمن لها عنوان واحد هو اليمنيون، وهو ما أكده المسؤولون الإيرانيون صراحة، وأعلنه السفير اليمني في طهران، مؤكداً أن حكومة صنعاء أبلغت إلى العراقيين الذين نظموا المباحثات الإيرانية السعودية، أن باب اليمن في صنعاء حصراً، وليس ثمة عنوان آخر، وهو ما حسمه السيد علي خامنئي في قوله للسعوديين: اعثروا على طريقة كي تُخرجوا فيها أنفسكم من هذه الحرب، في إشارة ضمنية إلى رفض إيران التدخل في إنقاذ السعودية من ورطتها، وكانت هذه المباحثات تعثّرت أصلاً بعد موجة الإعدامات الجماعية الأخيرة التي نفذتها السعودية بحق العشرات من شبّان الحراك السلمي في المنطقة الشرقية السعودية، والمتهمين سعودياً بالعمل لمصلحة إيران.

كانت الإمارات انكفأت منذ زمن عن تصدّر العدوان، ولو على مرحلتين. أُولاهما قبل عامين، عبر سحب معظم قواتها من اليمن بعد فشل حملة الساحل الغربي، لتنشغل بتثبيت أوتادها في الجنوب، وخصوصاً في موانئه. وآخرهما بعد انسحاب قوات طارق صالح والعماليق المدعومة إماراتياً من الساحل في اتجاه تعز والبيضاء، كما أسلفنا، وردت عليه صنعاء بهجمات متبادلة في البر والجو، عبر قصف أهداف حساسة في العمق الإماراتي على مدى أسابيع بصورة متقطعة، في وقت كانت دبيّ تنظم معرض “إكسبو” الاقتصادي الضخم، على نحو أربك حسابات الإماراتيين، وجعل العمالقة تنكفئ نحو عرينها في الغرب مجدداً.

تصاعدت الهجمات في العمق السعودي بصورة غير مسبوقة، وخصوصاً عبر استهداف كبير لشركة أرامكو النفطية العملاقة، على نحو متتالٍ، في وقت ارتفع سعر النفط جنونياً عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا، وهو ما حرم السعودية من بيع نفطها المعتاد، فضلاً عن أن تحاول المساوقة مع الأميركي لزيادة الإنتاج، وهو ما يحتاج إليه الأميركي بصورة حادّة من أجل تخفيض سعر النفط، على نحو يحقّق أهداف عقوباته الاقتصادية على روسيا، وقد أنقذها ارتفاع أسعار النفط في ظل عجز الأميركي عن توفير بدائل جديّة لأوروبا عن النفط الروسي.

وعليه، وجدت السعودية نفسها بلا مغيث، فالمشهد اليمني بعد سبعة أعوام من بذل أقصى طاقات السعودية الحربية، ومعها معظم العالم، في ظل تصاعد قوة أنصار الله داخلياً في كل المستويات، وخصوصاً التوسع على الأرض، مقارنة بالأعوام السابقة عقب انطلاق عمليات التحالف في كل الخريطة اليمنية، مع تطور قدرات صنعاء الصاروخية وطائراتها المسيّرة، وقد ثبت للقاصي والداني أن هذا التطور ذاتي محض، عبر صناعة يمنية محلية. وإن كان لإيران دور فيه، فهو لا يتجاوز التوجيه والإرشاد من منظور خبرتها السابقة، في ظل حصار محكم على اليمن تشارك فيه البوارج الأميركية بصورة صريحة، مع توقف مطار صنعاء عن الحركة، بموازاة فشل أنصار التحالف حتى عن مجرد إدارة عدن، وسبق أن عدّوها عاصمة بديلة، بالإضافة إلى الفوضى العارمة فيها وفي المحافظات العشر التي يسيطرون عليها كلياً أو جزئياً، في مقابل استقرار أمني وتطور إداري في صنعاء والمحافظات الآهلة بالسكان، والتي تخضع لسلطة حكومة صنعاء، على الرغم من القصف الجوي والحملات الإعلامية التي لم تتوقف طوال أعوام سبعة.

ضربت قوات صنعاء أرامكو بقوة، وأعلنت هدنة شاملة لمدة ثلاثة أيام، وإلّا فإنها ستدمر أرامكو عن بكرة أبيها، وعبّرت عن استعدادها لتحويل هذه الهدنة إلى التزام دائم في حال التزمت السعودية إنهاء الحصار ووقف الغارات بصورة دائمة. وقبل أن تنتهي الأيام الثلاثة المعلن عنها، أعلنت السعودية وقف جميع عملياتها الحربية طوال شهر رمضان، ليعقب ذلك إعلان المبعوث الأممي غروندبرغ اتفاق طرفَي الحرب على هدنة إنسانية لمدة شهرين قابلة للتمديد، تتوقف فيها جميع العمليات الحربية، مع فتح مطار صنعاء مرتين أسبوعياً، وإدخال سبع عشرة سفينة نفطية عبر ميناء الحديدة.

جاءت هذه الهدنة بما شملته من وقف شامل للقتال، مع فتح مطار صنعاء وميناء الحديدة، وإن بصورة جزئية، ضمن عنوان إنساني بسقف زمني محدود لكنه قابل للتمديد، كمقدمة طبيعية لوضع حدّ لهذه الحرب العبثية. هذا بحسب المعلن، وهو ما يترجح، لكن هناك ثمة محاولات سعودية للعب العبثي في ساعة الصفر، وهو أمر متوقع، لم يغب عن بال صنعاء وحكومتها وقيادتها في حركة أنصار الله، وخصوصاً عبر تعيين شخصية يمنية مقرّبة أميركياً لإدارة مجلس الحكم عقب الإقصاء الجبري لهادي، والذي عدّوه رمز الشرعية طوال أعوام الحرب، وهو ما رفضته حكومة صنعاء صراحة، وهي التي ترى أن هادي منتهي الولاية منذ زمن بعيد، وتعدّ أن أي حكومة جديدة لليمن الموحد يجب أن تأتي بالتوافق العام، وليس عبر مشاورات مدفوعة الأجر داخل طرف بعينه، لتُفضي إلى اختيار شخص مرفوض من صنعاء ومن تيارات متعددة في جنوبي اليمن وشماليه.

وما ينغّص على احتمال نجاح هذه الهدنة، تصاعد مستوى الخروقات السعودية، وخصوصاً من جانب أمراء الحرب في مأرب، وهو ما تتساوق معه السعودية، ولا ترفضه، في وقت تجاوزت الخروقات ألف خرق في كل الأصعدة البرية والجوية. لكن هذه الخروقات ما لم تأتِ على شكل هجمات شاملة واسعة، فهي تبقى مما يمكن لجمه عبر طرفيها، إلّا إذا استطاع هادي، عبر المستفيدين من رئاسته السابقة، خلط الأوراق ميدانياً، عبر حزب الإصلاح وبعض التشكيلات المتضررة من هذه الهدنة، وهو أمر مستبعَد، وخصوصاً في ظل خضوعه ونائبه حتى اللحظة قيد إقامة جبرية في الرياض.

ويأتي التحرك الأممي في استثمار الوقت، لوضع آليات عملية لتأخذ الهدنة بعداً سياسياً كاملاً، على نحو يساعد على نجاحها في خلق فضاء سياسي واسع يجلس فيه أبناء اليمن للمحافظة على وحدته واستقرار أمنه واستقلال قراره السياسي، بعيداً عن الأجندة الخارجية؟!

ليس ثمة أحد يحمل لليمن أجندة خاصة غير السعودي المتوجس تاريخياً من استقرار اليمن وأخذ دوره العربي كرافعة قوية، ومن خلف السعودي يقف الأميركي الطامع بابتلاع العالم، وخصوصاً في ضمان أمن ذراعه الأخطبوطيّة؛ الكيان العبري المتربص باليمن، وقد ارتفعت الأصوات داخله محذرة من يمن قوي يطل على البحر الأحمر ليهدد مشاريع هذا الكيان التوسعية في جزره وتسخيره كممر بحري، يكون فيه الإسرائيلي الغريب سيد البحر بلا منازع، في ظل التراجع المصري الاستراتيجي، والدور الإماراتي المشبوه، وخصوصاً بعد تصاعد التطبيع مع هذا الكيان، مع تصريحات سعودية علنية بقرب الانفتاح عليه كصديق.

مستقبل هذه الهدنة تقرره الأسابيع المقبلة، بعد الفشل الاستراتيجي السعودي، ومن خلفه كل داعميه، بما هو استعداد للتنحي أو اللعب في الفناء، أم أن المكابرة والغطرسة اللتين اعتادهما السعودي في نظرته إلى اليمني ستبقيان في صدارة الموقف؟ أم أن هناك بر أمان يمكن للسعودي أن ينحاز إليه بعد هذا الفشل الاستراتيجي، وقد رأى التخلي الأميركي عن الحليف الأوكراني؟ وهو يرى الكيان العبري في هشاشة من أمره، في مواجهة تصاعد المقاومة في عمقه الاستراتيجي، ولم يفلح لقاء النقب للدول الستّ في خدمته. فهل يُبصر السعودي تطورات الميدان، من أرامكو ومأرب حتى ماريوبل، مروراً بحلب وأربيل، في تشابكاتها الإقليمية والدولية، وإن تشعّبت طُرُقها؟