الخبر وما وراء الخبر

تفكك الدولة السعودية: العدوان على اليمن الحلقة 5

4

تقرير|| إسحاق المساوى

لم يصل تحالف العدوان العسكري على اليمن بقيادة السعودية إلى نتيجة الفشل في تحقيق أهدافه وحسب، بل إنه عانى من تفكك تدريجي ومفاجآت لم تكن في الحسبان.

في 26 مارس/ آذار 2015م، أعلن من واشنطن عن تحالف عسكري بقيادة السعودية لشنِّ العدوان على اليمن. انضمّ له كل من الإمارات والبحرين وقطر والكويت ومصر والسودان والأردن والمغرب وماليزيا ودول أخرى، لكن هذا التحالف العدواني سرعان ما شهد تفككاً متسارعاً بانسحاب الدول المشاركة فيه.

إخراج قطر

في 5يونيو 2017 أعلنت قيادة تحالف العدوان عبر وكالة الأنباء السعودية الرسمية “إنهاء مشاركة دولة قطر في التحالف بسبب ممارساتها التي تعزز الإرهاب، ودعمها تنظيماته في اليمن ومنها القاعدة وداعش”.

تهمتا الإرهاب وداعش، ليستا الوحيدتان اللتان قدمتهما السعودية في معرض أسبابها للتحول الكبير في علاقاتها مع قطر، فالأخيرة تعرضت في نفس الحين لأسوأ قطيعة سعودية وبحرينية وإماراتية ومصرية، فيما عرف بـ “المقاطعة الخليجية” أو “حصار قطر”.

خلال هذا التفكك غير المسبوق، تبادل الطرفان تهم (دعم الإرهاب) وسعي كل منهما لإسقاط الآخر، فالسعودية “قررت قطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية مع قطر، كما قررت إغلاق المنافذ البرية والبحرية والجوية كافة، ومنع العبور في الأراضي والأجواء والمياه الإقليمية السعودية، والبدء بالإجراءات القانونية الفورية للتفاهم مع الدول الشقيقة والصديقة والشركات الدولية، لتطبيق ذات الإجراء بأسرع وقت ممكن لكافة وسائل النقل من وإلى دولة قطر”. بينما أرجأت هذه القطيعة “لأسباب تتعلق بالأمن الوطني السعودي”. وفق بيان نشرته وكالة الأنباء السعودية الرسمية.

بالمقابل لم تقف قطر مكتوفة الأيدي إذ حشدت قوتها السياسية والعسكرية والمالية والإعلامية للرد لتصفية الحسابات مع السعودية، وشريكتها الإمارات. وكانت اليمن أبرز ما اتخذته قطر من وسائل هجومية على دول المقاطعة وبمقدمتها السعودية. وخلال كلمة لوزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن، فند الرافعة التي شنت التحالف بموجبها عدوانه على اليمن قائلاً: “نرى التوجه في اليمن برمته قد تغير ونحن كنا جزءا من التحالف في البداية عام 2015م” وأضاف أن “نرى سجونا سرية وتعذيبا وأجندات متضاربة بين دول التحالف”.

وزير الخارجية القطري، وإن يكن قد كشف عن سبب رئيسي للقطيعة، جوهره الخلاف على تقاسم مصالح احتلال اليمن، لكن الأخطر أن البيت الخليجي لم يعد متماسكاً.

انسحاب ماليزيا

في 28 يونيو 2018 أعلنت دولة ماليزيا، انسحابها رسمياً من تحالف العدوان على اليمن. بحسب وزير الدفاع الماليزي محمد سابو.

وأرجع سابو قرار الانسحاب إلى كون التواجد الماليزي في تحالف العدوان، قد يتسبب في جر البلاد بشكل غير مباشر إلى الصراع في الشرق الأوسط. متسائلاً بعبارات أكثر صراحة: لماذا نشارك في مهاجمة اليمن أو أي أمة إسلامية؟

غير أن أسباباً أخرى لم ترد في بيان الانسحاب من بينها تصدع العلاقة السعودية مع الحكومة الماليزية الجديدة بقيادة مهاتير محمد. فالأخير استاء من تدخلات السعودية عبر دعم بقاء الحكومة السابقة بقيادة عبدالرزاق المتهم بالفساد والمحال إلى المحاكمة. وكان وزير الخارجية السعودية عادل الجبير، قد كشف عن ايداع المملكة “هِبة” قدرها 681 مليون دولار في حساب عبد الرزاق قبيل انتخابات 2013م. في محاولة لتبرئة عبد الرزاق من تهمة اختلاس 4.5 مليار دولار. وبالتالي أصبحت العلاقات السياسية السعودية مع الخارج – ليس ماليزيا وحسب- قد شهدت سلسلة تفككات، منذ أن قررت شن العدوان على اليمن.

انسحاب إماراتي مزعوم

في 2022-2-9 احتفلت الإمارات بعودة قوات لها كانت تشارك في العدوان على اليمن “وأعلنت تحولها إلى استراتيجية جديدة في اليمنية” لكن هذا الإعلان لم يكن هو الأول، ولم يحمل من الحقيقة غير أن شبكة المرتزقة التي أسستها الإمارات منذ بداية العدوان، لم يعد مهما بوجودهم وجود الإمارات بقواتها.

وقد كشفت صحيفة وول ستريت جورنال عن أن الانسحاب الإماراتي المزعوم يأتي نتيجة “تصاعد الخلافات بشأن الاستراتيجية التي يجب اتباعها في اليمن والتي تسبب الاختلاف السعودي-الإماراتي حولها في تعميق الأزمة بين البلدين”. وهو ما يعزز قضية تفكك هذا التحالف العدواني، وانعكاسه على انحسار مطامع النفوذ السعودي في المنطقة والعالم، لصالح الإمارات.

إذ سعت الإمارات لشراء حصة النفوذ السعودية في عدد من دول المنطقة، كمصر، وليبيا، والسودان، ودول أخرى في القرن الأفريقي، ولتكن اليمن التي تغيرت فيها المعادلة، شاهداً على ذلك.

دخلت السعودية في أزمة اقتصادية كبرى نتيجة فاتورة العدوان المكلفة، بينما حصاد ذلك جنته الإمارات. وباتت المعادلة الآن أن السعودية تنفق على تجارة الإمارات، وبينما هي تخسر وتلاحق تبعات جرائمها ضد الإنسانية أمام المنظمات الدولية، تكسب الإمارات على الأرض ولم يلاحقها شيء.

وقالت تلفزيون DW الألماني أن من المرجح أيضاً عن انسحاب الإمارات “أن تكون قد اكتفت من هذه الحرب بما حصلت عليه في اليمن من مكاسب بعد سيطرتها على أهم المناطق الاستراتيجية والحيوية في البلاد من جزر وموانئ تتيح لها السيطرة على ممرات الملاحة البحرية إلى جانب تأمين قاعدتها العسكرية الكبيرة في ميناء عصب الإرتيري الواقع على البحر الأحمر”.

انسحاب المغرب

تدرج إعلان المغرب عن انسحابه العسكري من التحالف العدوان، بدءً بسحب قواته البرية في العام 2016م، ثم سحب السرب المؤلّف من ست طائرات مقاتلة من طراز أف-16 في العام 2018. إلا أن إعلان وزير الخارجية المغربي انسحاب بلاده من على منبر قناة الجزيرة القطرية، في إطار تصفية الحسابات القطرية السعودية، أدى ذلك إلى تأزم علاقات الأخيرة مع المغرب، وبالتالي إلى تفكك تحالف العدوان.

وقال الوزير المغربي إن بلاده غيَّرت مشاركتها في التحالف الذي تقوده السعودية، انطلاقاً من تقييمها للتطورات على أرض اليمن خاصةً فيما يتعلق بالجانب الإنساني”.

من جانبه أوضح مركز كارنيجي لدراسات الشرق الأوسط، “لطالما كان المغرب شريكاً ملتزماً للسعودية” مضيفاً ” لكن القيادة المغربية لا تمانع في اتّخاذ موقف حازم عندما تتضارب مصالحها مع المصالح السعودية”.

وعلى إثر ذلك ضحت السعودية بعلاقاتها التاريخية مع المغرب، إذ بثت قناة العربية المملوكة للسعودية، تقريراً يدعم توجه (الجمهورية الصحراوية، وحقها باعتراف الدول بها) بعد أن كانت الرياض من أبرز المؤيدين للطرح المغربي وتساند وحدة أراضيه.

في ظل هذا التفكك، يُعتقد أن فَشَل هذا التحالف هو فشل لا مثيل له في التاريخ، حد تعبير وكالة أسوشيتد برس الأمريكية في تقرير نشرته في أغسطس/ آب 2018. ولخصت الوكالة ذلك بقولها “ليس في تاريخ الحروب من أظهر مثل هذا الفشل العسكري” مؤكدةً أن العمليات العسكرية عديمة الفعالية.

العواقب

ويظهر من سلسلة أحداث تحالف العدوان صراع المصالح بين الدول المشاركة، فالإمارات الشريك الأبرز للسعودية تخوض اليوم معركة مع السعودية على اقتسام جغرافيا الاحتلال، في حين أن قطر لذات الأسباب عاشت أسوأ قطيعة دبلوماسية مع السعودية والإمارات والبحرين، وينعكس ذلك على تفكك البيت الخليجي الذي ظلت دول الاستعمار ناظماً لعلاقاته وحارساً عليها.

غير أن المخاض العسير لتحالف العدوان اليوم، ولد حالة تفكك ليس على المستوى السعودي أو الخليجي وحسب، بل امتدت رقعتها إلى الساحة الدولية، وبالتالي فإن السعودية اليوم تشهد أسوأ أزماتها الخارجية عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، وهو ما ينذر بالمزيد في حال استمرت السعودية في عدوانها على اليمن.