الخبر وما وراء الخبر

تفكك الدولة السعودية.. المؤسسة العسكرية 4

5

تقرير|| إسحاق المساوى

إمعاناً في تفكك المؤسسة العسكرية السعودية تحت طائلة مخاوف ولي العهد محمد بن سلمان من الإطاحة به من منصبه وتوليه الملك لاحقاً، حدثت تغييرات عديدة في هذه الوزارة السيادية أزاحت الحرس القديم، واستجلبت آخرين، لتكريس السلطة القائمة وأدواتها وأشخاصها الموالين جداً لرأس النظام الحاكم ومطامعه.

تحت عنوان عام أطلق عليه اسم (وثيقة تطوير وزارة الدفاع) أعاد ولي العهد السعودي ضبط ولاء المؤسسة العسكرية بما يضمن بقاءه وملك أبيه.

ويعود تاريخ هذه الوثيقة إلى العام 2014م أي قبل عام من وفاة الملك السابق عبدالله، وكان قد رفعها إليه سلمان بن عبدالعزيز، غير أن الملك عبدالله لم يستجب لما ورد فيها، عدا عن تشكيل لجنة لدراسة “الوثيقة” عُين على إثرها الأمير محمد بن سلمان أمينها العام بصفته مشرفاً على مكتب وزير الدفاع حينها.

وبعد تولي سلمان بن عبدالعزيز الملك صدرت موافقته في 27-2-2018 على “وثيقة تطوير وزارة الدفاع المشتملة على رؤية واستراتيجية برنامج تطوير الوزارة، والنموذج التشغيلي المستهدف للتطوير، والهيكل التنظيمي، والحوكمة، ومتطلبات الموارد البشرية التي أعدت على ضوء استراتيجية الدفاع الوطني”. بحسب وكالة واس السعودية.

حملت هذه الوثيقة خمسة أهداف رئيسية «تحقيق التفوق والتميز العملياتي المشترك» و«تطوير الأداء التنظيمي لوزارة الدفاع» و«تطوير الأداء الفردي ورفع المعنويات» و«تحسين كفاءة الإنفاق ودعم توطين التصنيع العسكري» و«تحديث منظومة الأسلحة».

غير أن هدفاً غير معلن جرى التحضير له مبكراً، أعاد ابن سلمان من خلاله ضبط ولاءات وزارة الدفاع، فأزاح القيادات العسكرية المناوئة له، والمحتمل مناوئتها.

مذبحة التغييرات

وأزاحت الأوامر الملكية السعودية الجديدة بكبار قادة الجيش رئيس هيئة الأركان العامة وإحالته إلى التقاعد، قائد قوات الدفاع الجوي، أيضا تم إعفاء الفريق ركن فهد بن تركي آل سعود من منصبه قائداً للقوات البرية. وعين أيضا ضمن التغييرات نائباً لرئيس هيئة الأركان العامة، وكذلك، وقائداً للقوات الجوية وقائداً لقوة الصواريخ الاستراتيجية.

أما عن الأسباب، قالت شبكة (سي إن بي سي) في تقرير بـ 27 فبراير/ 2018م أسباب التغييرات الواسعة في صفوف الجيش السعودي، استهدفت تشجيع المسؤولين الشباب الموالين لولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، ويرى كثير من المراقبين أن معظم الأوامر الملكية التي يوقعها العاهل السعودي عادة، ليست سوى تحقيق لرغبات ولي العهد الطامح لاعتلاء عرش المملكة.

في إطار ذات الهدف وفي 23-2-2019 تم تعيين خالد بن سلمان نائباً لوزير الدفاع أي بعد عام تماماً على مذبحة التغيرات التي سبقت هذا التعيين في وزارة الدفاع، وذلك لمواجهة “صعوبات في تفويض السلطات بهذا الملف (العسكري) وفقاً لبيكا فاسر من مؤسسة راند كوروبوريشن”. مشيراً إلى كون تعيين الأمير خالد نائباً لوزير الدفاع محاولةً لتنشيط هذا الملف.

تعزز ذلك بقول الأمير خالد “سأكون سيفاً لوزير الدفاع في وجه كل معتدي على وطننا الغالي”. في أول تعليق له على تعيينه.

لماذا خالد؟

من بين قائمة الأسباب التي استفاضت في سردها وكالة الأنباء السعودية واس تعليقاً على تعيينه نائباً لوزير الدفاع أنه كان “ملاصقاً لسمو ولي العهد منذ فترة طويلة، واستطاع خلال هذه الفترة أن يستوعب رؤية سمو ولي العهد”.

“قبل تعيينه سفيراً للمملكة في أمريكا في 21 يوليو/ تموز 2017، وخلال فترة عمله كمستشار في مكتب وزير الدفاع تم تكليفه من قبل ولي العهد بملفات ومسؤوليات عدة” وفقاً لـ واس.

كانت تلك صفات كافية ليتقلد الأمير خالد منصبه الجديد، ويكون محل ثقة في تنفيذ الأهداف التي يطمح لها ولي العهد وأبيه الملك. تأكيداً لما أوردته وكالة فرانس برس حول أن تعيين خالد هو محاولة لتنشيط جهود “الإصلاحات العسكرية”. وحاجة أخيه ولي العهد لذراع أيمن في وزارة الدفاع.

تداعيات

قالت الغارديان البريطانية إن ابن سلمان يبدو “على عجلة من أمره بتلك الإجراءات التاريخية في فترةٍ تشهد عدم استقرار خطيراً في الشرق الأوسط، استعداداً منه لاتخاذ أي خطوة ضد كل الشخصيات من أجل تنفيذ صلاحياته وتوطيد سلطته”.

وكان موقع “ديبكا” الاستخباراتي الإسرائيلي، توقَّع أن حياة ابن سلمان ومشاريعه الآن في خطر أكثر من أي وقت مضى، فحملة “مكافحة الفساد” أو “مذبحة الأمراء” حد تعبير الموقع، عكست في طيّاتها أيضاً وجود معارضة واسعة لسياسات ابن سلمان، الذي يراهن على بقائه ومضي برنامجه الإصلاحي الطموح قدماً.

ووفقاً لخبراء إسرائيليين نقل عنهم الموقع، فإن معارضة ابن سلمان وسياساته ستتصاعد من حيث يعتقد أنه يكبح جماحها، لأن السياسات الإصلاحية والاقتصادية مازالت على الورق، “وفي هذا الوضع الهش والمتقلب، لم تكن حياة الأمير محمد وخططه في خطر أكبر مما تواجهه الآن” يقول الموقع.

لم يقتصر هذا الوضع المفكك في السعودية على المؤسسة المعنية بمصالح البلد داخلياً وخارجياً، فقد استقدم ابن سلمان أجانب لحمايته في خطوة تؤكد عدم ثقته وارتباكه من الحراس السعوديين، حيث استعان ابن سلمان بـ1000 باكستاني لغرض الحماية الشخصية.

لكن وزارة الدفاع الباكستانية قالت في فبراير/ شباط 2018 إن هؤلاء قَدِموا إلى السعودية من أجل التدريب والاستشارات العسكرية. بينما موقع ميدل إيست آي علَّق على الأمر بأن “السعوديين لا يمكنهم الوثوق برجالهم، لذا فهم يستدعون الباكستانيين”، وأكد للموقع السياسي الأمريكي “بروس ريدل” أن الباكستانيين سيُستخدمون كقوة حراسة خاصة بمحمد بن سلمان.

وقال بروس ريدل، وهو محلل سابق لدى وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA، ومدير مشروع الاستخبارات بمعهد بروكينغز الأمريكي، إن تلك الوحدة العسكرية ستكون موالية لابن سلمان في حال تحرَّك أعداؤه للإطاحة به أو محاولة قتله، بحكم أن ابن سلمان صنع لنفسه أعداء كُثُر منهم أفراد في الأسرة الحاكمة، حسب ريدل.

على هذا النحو يثبت ابن سلمان واقعاً جديداً مفككاً في المملكة، وتمتد تداعياته إلى كل مفاصل الدولة وأركان بقائها، كما سيأتي تفصيل ذلك في حلقات قادمة.