الخبر وما وراء الخبر

تفكك الدولة السعودية.. المؤسسة الدينية الحلقة 2

1

تقرير|| إسحاق المساوى

“الأمير: أبشر ببلاد خير من بلادك وأبشر بالعز والمنعة. الشيخ: وأنا أبشرك بالعز والتمكين، وهذه كلمة لا إله إلا الله، من تمسك بها وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد، وهي كلمة التوحيد وهي ما دعا إليها رسل الله كلهم، فالأرض يرثها عباده المؤمنون.

بهذه الصيغة التي تعود إلى عام 1744م، تنامى عهد جديد في قلب الجزيرة العربية اسمه الدولة السعودية الأولى، ولأكثر من قرنين ونصف القرن، تربعت أسرة آل سعود على القيادة السياسية، مقابل تربع القيادة الدينية لمحمد بن عبد الوهاب وأتباعه من بعده، وبالتالي استند بقاء الأسرة على الغطاء الأيديولوجي الوهابي، نظير ما قدمته الأسرة من قاعدة مادية ومعنوية للدعوة الوهابية.

لكن اليوم يمر هذا التحالف بتصدعات عديدة هزت أركانه، عقب قرار القيادة السياسية السعودية الجديدة تحييد الوهابية، الأمر الذي يطرح التساؤل: هل بدأت الدولة السعودية في حقبتها الثالثة بالتفكك؟

السعودية تتساءل: ما هي الوهابية؟

تبنى الأمير محمد بن سلمان رؤية 2030 تحت مبرر إعادة بناء السعودية، ومنها مشروع (الإسلام الوسطي) ضمن مصالح تخدم الغرب اليوم، بعد أن كانت تخدم الغرب قديماً تنمية ودعم هذا الفكر المتطرف.

هذه المصالح دفعت ولي العهد السعودي إلى انكار وجود الوهابية من الأساس، في لقائه مع مجلة “ذا أتلانتيك” الأمريكية.

في اللقاء سأله الصحفي جيفري غولدبيرغ (وهو صهيوني خدم في الجيش الإسرائيلي): الفئة الأكثر تحفظاً في السعودية كانت تأخذ أموال النفط وتستخدمها من أجل تصدير الأيديولوجية الوهابية التي تُعدُّ أكثر تطرفاً في الإسلام، والتي يمكن النظر إليها على أنها متوافقة مع فكر الإخوان المسلمين”. ليقاطعه ابن سلمان قائلاً: “قبل كل شيء، هل يمكنك أن تقول لي ما هي الوهابية؟ أنا لا أعرف أي شيء عنها!”.

أبدى الصحفي جيفري غرابة من الإجابة. ليضيف ابن سلمان ما هو أغرب: “لا أحد يستطيع تعريف ما تسمُّونه الوهابية، ليس هناك ما يسمى بالوهابية، نحن لا نؤمن بأن لدينا وهابية، لكن لدينا مسلمين سُنَّة ومسلمين شيعة أيضاً”.

لكن بن سلمان الذي قامت أركان دولته ودولة أسلافه على التحالف الوهابي، ربما لا يدرك أن توجهه يعزز من تفكك دولته، ويقضي على أحد أهم ركائز بقاء أسرته تحكم السعودية.

المملكة بلا نظام مناعي

وبحسب الباحث في الشأن السعودي د. فؤاد إبراهيم، فإن التوجه السعودي الجديد يعمل على “تفتيت البنى التقليدية التي قامت عليها المملكة السعودية، ويضعنا أمام انكشاف غير مسبوق، ومملكة بلا نظام مناعي يحمي نواتها الصلبة، أو يدرأ عنها خطر الفوضى والتفكك”.

ومع تنامي مشاريع الانفتاح، تنامى معها إقصاء للمؤسسات الوهابية، منها هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهيئة كبار العلماء، والمساجد ومراكز التأهيل الثقافي، ومؤسسات بحثية، وكافة المؤسسات التي شكلت قوام الانتاج الفكري للوهابية، إلى جانب تقليص الدعم المالي السخي المقرر حكومياً.

ويقرأ الباحث في الشأن السعودي د. إبراهيم متغيرات معادلة السلطة في السعودية، بانحسار التحالف التاريخي بين الديني والسياسي منذ عام 1744 بقوله: إن هذا التحالف بدأ يلفظ أنفاسه الأخيرة منذ قرر محمد بن سلمان اعتناق الليبرالية الاجتماعية المصادمة لمعتقدات التيار الديني الوهابي، وتالياً كسر احتكار المؤسسة الدينية للدور التوجيهي العام، وصولاً إلى إفقاد المؤسسة الدينية سلطاتها التقليدية”.

هذا التفكيك المتعمد “أصبح يشكل خطرًا محدقًا، حيث أصبحت الجهات السلفية تدعو للإطاحة بالعائلة الحاكمة”. وفقاً لموقع “أويل برايس” الأمريكي. ويقول الموقع إن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، يواجه صعوبات في الدفاع عن خياراته على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، معتقداً أن نهاية بن سلمان أصبحت وشيكة.

في ذات السياق تظهر مطالبات بالثورة ضد النظام في السعودية، على لسان شركاء النظام بالأمس.

وفي تصريحات صحفية يعتبر الأمين العام لحزب الأمة الإسلامي واتحاد قوى المعارضة في السعودية الدكتور عبدالله السالم، أن التصدعات التي تمر بها بلاده اليوم “هي نذير هبوب عاصفة الثورة التي مازالت تغلي مراحلها وتنتظر ساعة الصفر والقشة التي ستقصم ظهر البعير”. حد تعبيره. ويقول السالم ” بأن كل عمل عدواني تجاه الشعب لاشك سوف يثيره ويجعله يعمل للتغيير وإعادة الأمور إلى طبيعتها”.

ويذكر الأمين العام للحزب -وهو من فصائل التيار الديني السياسي- أن “التفرد بالحكم ومحاولات حسم الصراع على السلطة دون مشاركة ورقابة شعبية هو انتهاك واضح وصريح لحقوق الشعب، كما أن موجة الاعتقالات (53 ألف معتقل) في صفوف الرموز الشعبية تثير حفيظة الشعب وتجعله يثور ليشارك في السلطة ويختار الحكومة التي تمثله وله حق محاسبتها ومراقبتها وعزلها إذا لزم الأمر”.

هذا النمط السياسي السلفي الجديد، يؤكد أن الوهابية بدأت تستخدم أوراقها ضد النظام، إذ لا يبدو اليوم التحالف التاريخي الذي تأسست على إثره الدولة السعودية متماسكاً، ومن المرجح ألا تبقى السعودية كنظام وجغرافيا وشعب متماسكة كما كانت من قبل.