الخبر وما وراء الخبر

من وحي الاصطفاء الإلهي.

1

بقلم// رويدا البعداني

على أثيرِ الاصطفاء تفوحُ دماء الشهداء رياحينا عبقة، تتصاعدُ أرواحهم إلى السماءِ إِثر يومٍ مهيب كُلِّل بعناقيد التَّضحية والفداء، فعلى أرضِ الوطنِ الراعفِ في كل آن، هُناك دومًا أرواحٌ تُصارعُ كل من أراد المساس بها بسوء، تنتشي من البسالة عزيمة لتَّدُكَ بها حُصُون كل مستبد، فليس من السهلٌ أن نرى أوطاننا تُستباح، وأراضينا تُدمر، ودماءنا تفترش الأرض رحيقا أحمر؛ حتماً ستثورُ فينا الحمية، ويشتعل البأس اليماني مُدافعا، سنقف ثائرين نزمجر في ساحات المعارك، ومع كل جنازة جديدة، ستولدُ فينا نشوة النَّصر المؤزر لنرفع راية الحرية عالياً.

يقولُ تعالى :- {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}. ما بين ليلةٍ وضحاها تسموُ أرواحٌ إلى بارئها بغمضةِ عين، وكأنها لم تعش الحياةَ قط. أرواحٌ زكيةٌ يتضوع منها المسك، ويتجلى منها النُّورُ أبدًا.

أرواحٌ التاعت شوقا إليه جلَّ شأنه، ونما عشق الشِّهادة في بساتينها، آثرتِ البذلَ والعطاءَ في سبيله، لتعلو كلمة لا إله إلا الله محمدًا رسولُ الله، ذكَّت نفسها لتصبُو الحياة الكريمة على تُراب الوطن، ولتتهاوى دعائم الضيم و الإجحاف في الوطن السَّليب؛ ليعود حرًا عزيزًا أبيَّا.

يقولُ تعالى :- {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا}. مكافاةٌ عظيمةٌ، وبشرى إلهية ثمينة، حالة من الطمأنينةِ التامة، والسمو الروحي، والاستقرار النفسي، كُل ذلك لمن توجه في ركب هذا الواجب الديني المقدس، واستشعر عظمة الجهاد، وزهدُ بمعنى الشِّهادة الحقَّة.

{أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ} لاموت هُنا وإنَّما حياةٌ أبدية، يتوارى الجسد ويسجَّى وتظلَ الروح تعبق في ملكوته، تسبحَ وتهيم في فضائه الرحب وقد هُيأت لها الجنان، فطوبى لمن هو شهيد.

{عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}. حياة طيبة محفوفةٌ بعناية الله ومعيَّته، تتَّنعمَ برزقٍ كريم وتحظى بضيافته جلَّ شأنه، حياة هانئة لايشوبها حزن أو تعتريها فاقة.

فياأيَّها الباني كرامات الأوطان وعز الرِّجال. والمفدي بروحه الأجيال، أيها المُكرَّمُ من الله تعالى حيث يُشفِّعُكَ الربُّ جلَّ وعلا في سبعينِ من أقربائك؛ أرأيتَ كم لك من الفضلِ والحظوةِ والكرامةِ والتكريم.

أيَّها الجواد وهاقد جُدت بنفسك ولعمري ما أعظم قول الشَّاعر(والجود بالنفس أقصى غاية الجود) نمْ طيّب الثَّرى، وذكرك يعانق الثُّريا وهاماتنا بك عالية. والملتقى الفردوس برحمة الله.