الخبر وما وراء الخبر

ليث الوغى

4

بقلم// أشجان الجرموزي

عند إصابته الأولى في ساقه كان صبوراً على الرغم من صعوبة مشيه عليها تحمل مشاق ألمه بصمت لايوازي صغر سنه ، بالمقابل يرى منه مدى عظمة عقيدته وقوة الإرادة لديه
فهو ليثٌ في هيبته ،شامخٌ في هامته ،جبلٌ في ثباته ،برقٌ في قوته ودفاعه ،تحمل الجراح والآلام ومضى قدماً إلى الأمام ، لم يهب الموت، وهاب الموت منه ،عرفته رمال الميدان ،وعزفت له أنشودة الأبطال ،وساندته ملائكة الرحمن ،ترسل إليه رياح الإطمئنان ،وتحرسه عيون الشجعان ، ليذيق خصمه أنواع الذل والهوان .

ومن عاصمة الإباء في حي الزراعة ولد الشهيد/محمد عصام الجرموزي. المكنى أبوحرب في 7/11/2000
نشأ وترعرع في كنف أسرة هاشمية نهجت نهج آل البيت ووالت من امرهم الله بتوليه، نهل من التعاليم الدينية ، وتغذى بالعترة المحمدية.
اتسم بحسن الخلق وطيب التعامل مع الآخرين ، باراً بوالديه ،محباً لإخوته،أحب الجهاد وعشق الشهادة فهو ليس بالصغير الذي لايدرك ، فكان ذو الثمانية عشرة ربيعاً ،وكان ممن قال الله عنهم( رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه) أوشك على إتمام آخر مراحله الثانوية لكنه فضل شهادة السماء على شهادة الأرض .

التحق بالمسيرة القرآنية في عام2014، بعد أن أخذ عدة دورات ثقافية وعسكرية تخصصية طويلة فكان ممن عمل بقوله تعالى ” انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ ”
قولاً وعملا ،التحق بعدها مباشرةً بالجبهات ابتداءً بجبهة صرواح ومن ثم جبهة نهم مرورًا بجبهة ميدي ثم إلى جبهة حرض ومن ثم الساحل الغربي ليكن نهاية المطاف في جبهة عسير ..

مع بداية عام 2017 كان يرابط ويجاهد في جبهة صرواح تبة المطار حينها أصيب في ساقه إصابة بالغة ، إلا أن عزمه ويقينه وثقته بربه لم تنكسر أو تهتز بل ازدادت وتعاظمت وإصرار الجهاد في نفسه صار أكبر من ذي قبل ، فعلى الرغم من آلامه التي عايشها مع إصابته وعدم قدرته على المشي إلا أن هالة من الهدوء والصبر كانت تغلف نفسه وتزيد صبره ويستشعر في نفسه قوله تعالى. ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ “.
حيث حدثت إصابته ومعه رفاقه في التبة من حدة تلك المواجهات اختلط عرق أجسادهم برمال الميدان وقد استبسلوا وقاوموا ليصلوا إلى أعلى التبة وحينذاك جرح أبو حرب سلام الله عليه وكان كل من صعد معه إلى التبة متفرقين فلم يطلب نجدة أحد لانشغالهم كلاً في عمله، لصد الطيران من الأعلى وأسلحة العدوان من أسفل ،وقت ذاك والجميع في فوهة المواجهة، ما كان منه إلا أن رمى بنفسه من أعلى التبة وتدحرج حتى وصل إلى منتصفها واستقر هنالك ،وقتذاك جرح رفيق آخر لهم يدعى أبو عبدالله فغادر أعلى التبة متوجهاً لأسفلها فوجد ابوحرب فقال له أبو حرب خذني معك إلى الأسفل فأخبره بأنه جريح ولايقوى على حمله فأجابه سلام الله عليه بأن يسحبه لا يهم ،فسحبه معه إلى الأسفل حيث تحدث أبو عبدالله عن شجاعة أبي حرب وقال والله والله لم أسمع أي تأوه منه أو تذمر أو أنه صرخ من فيض ألمه ، بل كان مثالاً للصبر ،صلداً لايستضر من حجر ولا صاروخ ولابشرا ولاينقص من إيمانه في شي..
وبعد تلك الإصابة البالغة ظلت روحه معلقة بالجبهة اشتاق لمترسه وسلاحه واضعاً سبابته على زناده يذيق العدو من بأسه وتنكيله إلى أن لم يطق المكوث اكثر فأصر على الذهاب لميدانه بعكازه لكن مشرفه رفض بشدة ، ولكي لا يدخل القنوط والملل روحه عمل أعمالاً إدارية جهادية في العاصمة صنعاء ، حتى مر الوقت الذي أحس بثقله على نفسه وتماثل للشفاء قليلاً، عاد يزئر كليث سينقض على فريسته حالمًا يجدها ويصل إليها وهنا كانت وجهته هي جبهة ميدي ظل يرابط فيها قرابة الثلاثة أشهر ، ومن ثم انطلق للمرابطة في جبهة صعدة لأسبوعين ،انتقل عقبها إلى الساحل الغربي وقاوم عدوه ونكل به أشد تنكيل شهد لشجاعته وإقدامه جميع رفاقه حيث قالوا أن أبا حرب كان أسد الميدان ، فقد ضيق الخناق على عدوه وسحقهم كالحشرات بشجاعةٍ وقوة استمدها من الله سبحانه وتعالى ، كان يصد أكبر الزحوفات في الساحل والميدان يشهد له بذلك وواصل حميته وعنفوانه ضد عدوه إلى أن جرح للمرة الثانية حيث انه أول من اعتلى العمائر المقابلة للعدو وصوب فوهة بندقيته نحوهم ولم تهتز له شعره من عتادهم أو ضرب طائراتهم ليتم إسعافه بعد إصابته هنالك من قبل رفاقه إلى المشفى،إلا إنه لم يستطع الصبر بعيداً عن موقعه فربط على جرحه وعاد لموقعه في ميدان العزة والكرامة يواصل مشوار الجهاد ودحر الأعداء في دهشة بالغة اعتلت وجوه رفاقه عن مدى الإصرار والعزيمة التي يحملها هذا المجاهد الجسور .

عاد لزيارة أسرته قبيل استشهاده بعشرة أيام ولم يمكث سوى يوماً واحداً ، غادر وهو يرتدي ملابسًا جديدة ومحتزماً بجعبته الجديدة ويكأنه عريسٌ يزف إلى عروسه ،وليس مقاتلاً مغادراً إلى جبهته ، إلى الفيافي والصحاري بين حر الشمس وبرد الشتاء
ودع أهله الوداع الأخير ،وأخذ منهم فيض الدعوات ..

لينطلق مجدداً إلى مترس جديد وميدان ليس بأقل ولا أوهن من سابقه بل كانت جبهته هي عسير التي استبسل فيها ايما استبسال ، ثائراً حراً لايتجرأ أي أحد على الاقتراب منه ، إلا أن الغدر من صفة العدو اللعين الذي لم يتمكن من حسم المعركة على أرض الميدان ، لا أسلوب يمتلكه سوى الغدر ورمي غاراته على المجاهدين الأبطال حيث كان لأبطال عسير نصيباً من ذلك الحقد الدفين حيث أن الغارات استهدفت أماكنهم فتطايرت شضايا تلك الغارات لتصل إلى الشهيد محمد سلام الله عليه ليسدل الستار عن حكاية بطلها لم تنته بطولاته بعد بل إن التاريخ سيعلمها للأجيال القادمة حيث ارتقت روحه الطاهرة ونالت شرف الشهادة يوم الأحد الموافق 29/12/2018

لم يكن خبر استشهاده مفاجئاً لأسرته التي علمت مسبقاً أن الشهيد سلام الله عليه قد نذر روحه لله وسعى لنيل الشهادة ، فتقبلوا الخبر بصدر رحب رغم ألم الفراق. وربط الله على قلب والديه ، ودعوا الله أن يتقبل منهم هذا القربان وأعلنوا براءتهم من عدوهم بترديد شعار الصرخة لنيله وسام الشهادة .
وجيئ به في يوم تشييعه و وجهه مضيئاً كأنه الشمس حال بزوغها،كالبدر عند اكتماله ، وكالنجم حين تلئلئه،وشيع من منزله كعريسٍ يزف في يوم عرسه ، يوارى جثمانه الثرى في روضة الشهداء بالعاصمة صنعاء …
فسلام الله على كل الشهداء أوليك الرجالٌ الذين لو وزنوا بالجبال لخرت الجبال من عظيم عطائهم، ومن ثباتهم وقوة عزائمهم ،من زكاء نفوسهم ونور بصيرتهم ،رجالٌ يكتب عنهم بماء الذهب ،وتخلد مواقفهم عبر الأجيال ..

فذاك هو أسد الله ،ليث الحمى ،من حمى عرينه بكل قوةٍ وصلابة بكل عزيمةٍ وإرادة ،من هابه الجميع فلم يستطع أحد الاقتراب منه أو من عرينه لأن عرين الأسود لا تدخله الكلاب ،فسلام الله على أبو حرب ورفاقه الأبطال ، سلام على طريقٍ وطئوها ،وسلام على ماء اغتسلوا به ،وعلى أنامل خططتم بها النصر ، وهامات رفعتم بها النفوس إلى العلا ،سلام على رمال التحفت أجسادكم ،وثرى احتضن أجسامكم ،وسماء تزينت لحظة عناقها لكم استبشاراً بقدومكم ،سلامٌ عليكم بعدد ماذكرت مناقبكم في السماوات والأرضين.