الخبر وما وراء الخبر

الوعي السعودي.. بين مدينة تقنية لقمعه وإعلام لتزييفه

9

بقلم|| إسحاق المساوى

ربما أن اقتران اسم الجهة الرقابية على حرية الرأي والتعبير بالسعودية باسم الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، اعتراف بأن سياسة القمع وتكميم الأفواه ولدت باليوم الذي زرع سرطان آل سعود بشبه الجزيرة العربية.

في نظام الرقابة على الإنترنت في السعودية، يلجأ النظام إلى حظر المواقع المخالفة لسياساته، ويفرض القيود عليها، ولهذا الغرض تأسست مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية بهدف البحث عن أي موقع تنتقد سياسات الدولة الداخلية أو الخارجية.

وفي عام 2007، أصدر النظام قانون الجريمة الإلكترونية لإسكات المعارضين، وتنص المادة السادسة منه على سَجن “كل شخص ينتج ما شأنه المساس بالنظام العام، أو القيم الدينية، أو الآداب العامة، وحرمة الحياة الخاصة، أو إعداده، أو إرساله، أو تخزينه عن طريق الشبكة المعلوماتية، أو أحد أجهزة الحاسب الآلي”.

وإمعاناً في التضييق على الحريات في شبكة الإنترنت، أصدرت النيابة العامة السعودية قراراً في العام 2018، أقرت فيه بأن إنتاج أو إعداد أو إرسال أو إعادة إرسال أو تخزين كل ما من شأنه إثارة الرأي العام والمساس بالنظام العام، عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي أو الشبكة المعلوماتية أو أجهزة الحاسب الآلي، يُعدُّ جريمةً معلوماتية، وفق نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية، ولفتت النيابة إلى أن نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية يعاقب مرتكبها بالسجن مدة تصل إلى 5 سنوات، وبغرامة تصل إلى ثلاثة ملايين ريال.

ويُعتبر “تطوير الحكومة الإلكترونية” جزءاً من رؤية 2030 السعودية، فقد تم العمل على السيطرة والتحكم في آلية النشر والاستخدام على هذا الأساس، وتتبُّع كل ما من شأنه المساس بالنظام وأعوانه. وكانت آخر التهم التي لصقت بالنظام السعودي، “ممارسة نشاط غير معتاد” لاختراق بيانات حسابات المستخدمين على تويتر، بحسب ما أعلن عنه موقع تويتر في ديسمبر/ كانون الأول 2018.

وذلك فضلاً عن حجب القنوات الفضائية التي لا توافق هوى النظام وسياساته، من كافة البلدان والألوان السياسية المختلفة.

تزييف الوعي

يبرع النظام السعودي ليس في حظر كل ما يثير سخط السعوديين ضده فحسب، بل في تزييف الحقائق والمعلومات والأفكار أيضاً.

من شواهد التزييف، نختار صحيفة عكاض كعينة لباقي وسائل التزيف الرسمية والخاصة، إذ كانت الصحيفة في ديسمبر/ كانون الأول 2018، زيَّفت مقالاً نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، محاولةً تحسين صورة ابن سلمان، بعكس ما جاء في المقال.

ونشرت عكاظ أن الصحفي الأمريكي نيكولاس كريستوف، قال في مقاله إنه تفاجأ برد الفعل إثر سؤاله عن بن سلمان، ووجد أن هناك تأييداً شعبياً حقيقياً له، كما قالت عكاظ إن كريستوف فوجئ بحصوله على تأشيرة الدخول لكنه شعر بالأمان في الرياض. وتعمَّدت تغييب باقي أجزاء المقال التي شنَّ فيها الكاتب هجوماً لاذعاً ضد بن سلمان، ليبدو في سياق الخبر كأنه يكيل المديح لابن سلمان.

لكن كريستوف، في الحقيقة، كتب في مقاله: “سألتُ الناس في السعودية عن رأيهم بولي العهد القاتل المجنون”، وقال إنه استغرب حصوله على الفيزا للسعودية وهو الذي يوجّه انتقادات لاذعة لـ”الأمير المجنون”، ولفت إلى أنه عائد من بعثة أممية إلى اليمن، لكن أصدقاءه كانوا قلقين على سلامته في الرياض أكثر من قلقهم عليه في اليمن، حد تعبيره.

وأضاف الكاتب أنه سأل المواطنين السعوديين عن رأيهم في ابن سلمان، لكن سؤاله جعل الجوَّ متوتراً، فقد صمت معظم من سألهم لمدةٍ قبل أن ينطقوا، وقال: “من الغريب أن تجد نفسك تُجري مقابلات في دولة بوليسية مع أشخاص حول ميل قادتهم إلى تجويع الأطفال، أو تعذيب النساء أو إرباك النقاد. والنتيجة هي الابتسامات العصبية، وقفات طويلة في المحادثة”، بحسب المقال.

في سياق التزييف ذاته، لجأت صحيفة “عكاظ” إلى نشر خبر عاري عن الصحة مفاده أن الأهرامات في مصر تم تزيينها بعلم السعودية، في أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني 2018.

أما بشأن قضية مقتل خاشقجي لم تهتم وسائل إعلام النظام السعودي بشأن القضية خلال الأيام الأولى للقضية، لا على الصحف ولا القنوات ولا المواقع الإلكترونية، رغم كل الصخب العالمي الذي أحدثته القضية. ولم يجاوز اهتمام الإعلام حدود “وكالة واس للأنباء” التي نشرت منذ اليوم الأول أن الإنتربول السعودي استطاع إرجاع مواطن سعودي مطلوب في قضايا احتيال بشيكات دون رصيد.

وعندما بدأ الإعلام بالتطرق للقضية، تناولها بشكل مسطَّح لم يخرج عن دائرة ما قاله بن سلمان في حوار مع وكالة بلومبيرغ الأمريكية، إذ قال في الحوار إن خاشقجي غادر القنصلية السعودية بإسطنبول، وسمح للسلطات التركية بتفتيش القنصلية، فعملت وسائل إعلامه في ضوء هذا التصريح بوصفه يقيناً قاطعاً.

وقالت صحيفة عكاظ: “يروجون لمقتل الإعلامي السعودي جمال خاشقجي ويغردون بكل ثقة في وقت واحد بتغريدات شبه متطابقة، ومثل تلك الحقيقة الدامغة لا يتحدث بها إلا جناة والغون في الجريمة”، واتَّهمت صحيفة “الرياض” الصحيفة الأمريكية “واشنطن بوست” بالسقوط الأخلاقي والمهني لأنها منخرطة في حملات تسعى إلى تشويه السعودية.

وبعد أن تعاطت وسائل الإعلام هذه مع قضية خاشقجي على أنها “مسرحية”، وُضعت في إحراج شديد بعد اعتراف السعودية في 20 أكتوبر 2018، بقتل خاشقجي وتوقيف 18 متهماً على ذمة القضية، والتزمت وسائل الإعلام بما قالته النيابة العامة حول أن قتله كان نتيجةَ “شجار واشتباك بالأيدي”.

ورغم ممارسات التزييف التي اتبعتها وسائل إعلام النظام، إلا إنها لم تكن مُرضية وكافية لدى بن سلمان. فقد أظهرت قضية خاشقجي مدى هشاشة الترسانة الإعلامية السعودية، ويتضح ذلك في التغييرات التي أطاحت برؤوس الهرم الإعلامي في المملكة كوزير الإعلام عواد العواد في 27 ديسمبر 2018، و”تركي الدخيل”، من منصبه كمدير عام لقناتي “العربية” و”الحدث”.