الخبر وما وراء الخبر

ملف الأمن في الجنوب عام 2020 .. ختامه رُعب

11

ذمار نيوز || تقرير / خاص ||
[1 يناير 2021مـ -15جماد الاول 1442هـ ]

حطُّ العام 2020 رحاله في مطار عدن يوم 30 ديسمبر بألم وفجيعة ودماء ودموع، حيث هزت ثلاثة انفجارات عنيفة المطار وراح ضحيتها عشرات القتلى والجرحى، بالتزامن مع وصول حكومة المُناصَفة برئاسة معين عبدالملك إلى مدينة عدن لتأدية مهامها، قادمة من الرياض عقب تأدية اليمين الدستورية هناك.

حادثة ليست الأولى من نوعها وربما لن تكون الأخيرة، فقد سبقتها حوادث منذ بداية العام 2020، ولحقتها تحذيرات من حوادث أسوأ.

صورة الانفلات والفوضى الأمنية والعبث والنهب والسرقة والاختطاف وانتشار المخدرات؛ صورة مُلازِمة للمحافظات الجنوبية والشرقية جلبها التحالف معه عند دخول عدن، وما زالت مستمرة إلى اليوم.

الجريمة بكل مستوياتها مُتفشية، في ظل عجز تام لحكومة هادي والمجلس الانتقالي، في حين يؤكِّد مراقبون ومحللون سياسيون من بينهم الناشط والمحلل السياسي المعروف ياسين التميمي؛ عدم انضباط عملية تنفيذ الشق العسكري من اتفاق الرياض بين الشرعية والانتقالي، وسط تعثُّر عملية فصل القوات في أبين وخروجها من عدن رغم تسيير تلك العمليات بإشراف مباشر من قوات التحالف، والسعودية تحديداً.

ازدواج السلطة في المحافظات الجنوبية وغيابها عن مساحات شاسعة من المناطق النائية في تلك المحافظات، يُنذر بعدم استتباب الأمن لاسيما مع غياب النظام والقانون.

كان التحالف قد أعلن -في يوليو 2020- عن آلية لتسريع تنفيذ اتفاق الرياض، تتضمن تخلّي الانتقالي عن الإدارة الذاتية للمحافظات الجنوبية التي كان أعلنها، وتنفيذ ترتيبات عسكرية وأمنية قبل تشكيل حكومة كفاءات مُناصَفة -وهي الحكومة التي تشكلت يوم 18 ديسمبر 2020- غير أن الوضع تغيّر بعد تشكيل الحكومة، حيث طرح الانتقالي فكرة السيطرة الكاملة على الملف الأمني بعد تعيين اللواء إبراهيم حيدان الذي قال إنه شارك في المواجهات المسلحة التي شهدتها مدينة عدن في العام 2019 بين القوات الجنوبية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي والقوات التابعة لحكومة الشرعية، ورغم ذلك فشل الانتقالي في ملف الأمن كما فشلت حكومة هادي، وهو ما أدى إلى تصاعُد أصوات جنوبية مُطالِبة بتوفير أمن ولو بصفة جزئية، يُشبه الأمن الذي تتمتع به مناطق سيطرة جماعة الحوثي.

المنظمات المدنية في الجنوب كانت قد حذَّرت من تنامي خطر الإرهاب والانفلات الأمني وسط تفريط جميع الأطراف المسيطرة على المحافظات الجنوبية بهذا الملف، على اختلاف ولاءاتها ومصادر التمويل التي تتلقاها سواء من الإمارات أو السعودية، والأجندات المرسومة لكلٍّ منها على حِدَة أو ضمن تشكيلة حكومة المناصفة وتشكيلات المُحاصصة الأخرى.

هذه المنظمات الحقوقية رصدت أواخر نوفمبر 2020 أبرز الانتهاكات وجرائم القتل خارج القانون في المحافظات الجنوبية إلى تاريخها، وأكدت أنها وصلت إلى 679 جريمة اغتيال، و16 جريمة إعدام خارج القانون، و36 جريمة إلقاء جثة، فضلاً عن 283 عملية اختطاف و30 حالة اغتصاب، إضافة إلى 10 حالات وفاة بسبب التعذيب في السجون.

قبل ذلك بشهر، أي في أكتوبر 2020، كانت المؤسسات الإعلامية قد رصدت هي الأخرى ما لم ترصده المنظمات الحقوقية آنذاك، حيث حصد الانفلات الأمني ضحايا بالعشرات في المحافظات الجنوبية على مرأى ومسمع من قوات التحالف التي تُعدُّ الحاكم الفعلي للجنوب، إضافة إلى حلفائه المحليين المُوزَّعين بين المحافظات الجنوبية والشرقية والساحل الغربي.

ففي الأسبوع الأخير من الشهر المذكور، وقعت عدة حوادث مريعة منها اغتيال مسلحين مجهولين على متن سيارة “كورولا” مواطناً في حي عبدالقوي بمديرية الشيخ عثمان، وقتل أحد سائقي الدراجات النارية في جولة ملعب 22 مايو بأيدي قوات الأمن التابعة للمجلس الانتقالي في عدن، فضلاً عن حادثة تعرُّض طفلة في حارة المرور بمدينة عتق محافظة شبوة لطلق ناري في الرأس إثر اشتباكات بين مسلحين في الحي، مضافاً إلى ذلك مقتل 5 جنود تابعين للمجلس الانتقالي وإصابة 8 آخرين بجروح خطيرة إثر انفجار عبوة ناسفة زُرِعت على طقم عسكري في الخط الرابط بين مدينة الحوطة ومنطقة كرش.

الموظفون هم الآخرون لم يسلموا من حوادث الاعتداءات، ففي 27 أكتوبر 2020 اعتدت قوات أمنية على سميح قاسم لطفي المنصوري، أحد الموظفين في شركة مصافي عدن، وبعد ذلك بيوم تعرض التربوي عبدالغفور العمادي للاعتداء والضرب من قِبل مأمور مكتب التربية في مديرية المسيمير بمحافظة لحج.

أما الاغتيالات، فكانت من نصيب ضباط في الشرعية والانتقالي، من أبرزهم ضابط في اللواء الرابع مقاومة الموالية للشرعية ونجل القيادي في حزب الإصلاح، الشاب محمد عبدالواحد ناجي الحميدي، أثناء استقلاله طقماً عسكرياً وسط الضالع، فضلاً عن محاولات اغتيال تعرض لها عدة ضباط من أبرزهم العميد فاروق الكعلولي قائد اللواء التاسع صاعقة.

هذه الحوادث بأرقام ضحاياها المُتفاقمة رغم أنها كانت في النصف الأول من العام 2020 أقل درجة من نصفه الثاني، إثر سيطرة الانتقاليعلى عدن ومحافظات جنوبية واشتداد المواجهات بينه وبين الشرعية؛ إلا أنها ظلت تتصاعد حتى بعد تعيين أحمد محمد الحامدي واستبعاد شلال شايع، وبلغت أوج حِدتها في أبريل 2020 على خلفية سيطرة المجلس الانتقالي وإعلانه الإدارة الذاتية، وهاهي تُسجل مستوى قياسياً منذ اليوم الأول لتسلُّم مطهر الشعيبي إدارة أمن عدن، هذا مع عدم استبعاد المحافظات والمناطق الجنوبية الأخرى من المُعادلة الأمنية، ومن أهم محطات هذه المعادلة جزيرة سقطرى التي دخلت في مَعمَعة التجاذب الأمني في يونيو 2020، ومحافظتا حضرموت والمهرة اللتان تتنازع فيهما قوتا الانتقالي والشرعية على الحضور الميداني والجماهيري، وهو ما عبَّرت عنه المواجهات الإعلامية التي رافقت احتفالات الاستقلال والأعياد الوطنية، حيث حاولت كل قوة إظهار جماهيريتها وأحقيَّتها في تمثيل الجنوب ومجاميعه الأهلية.

لا تبدو مؤشرات نجاح الحكومة الجديدة في الملف الأمني ناجحة، ولا حتى واضحة وسط عجز هذه الحكومة عن اتخاذ أي قرار بمعزل عن تدخلات الإمارات والسعودية، إضافة إلى ملف المواجهات المسلحة التي ما زالت أحداثها اليومية تتأرجح بين تقدُّم وانسحاب للانتقالي والشرعية بمحافظات عدن وأبين وشبوة ولحج والضالع والمهرة، وتُلقي بظلال مخاوفها على مناطق الجنوب برُمَّتِها.

وإذا كانت أحداث العام 2020 الأمنية في الجنوب قد ابتدأت بحوادث مُتفرقة حمّل فيها كلٌّ من الانتقالي والشرعية المسؤولية عنها خصمه ونظيره، ونشبت مواجهات حول قصر معاشيق للسيطرة عليه، ثم توالت الحوادث الأمنية المُسجَّلة ضد مجهول إلى أبريل 2020؛ فما زالت هذه المواجهات تدور في فلكها نفسه، أي حول القصر ومحيطه حيث أعقبت انفجارات مطار عدن سلسلة انفجارات هزت محيط قصر معاشيق الرئاسي، وإلى لحظات كتابة هذا التقرير ولحظات توديع العام 2020 يتسيَّد الرُّعب الموقف، وهو ما يعني أن الملف الأمني الذي كانت بدايته مطلع العام مأساوية يأبى إلا أن يختم العام بحوادث مأساوية، وعلى هذا يصح تساؤل الجنوبيين واليمنيين عموماً عمَّا إذا كانت الحكومة العاجزة عن حماية نفسها قادرة على حماية المواطنين اليمنيين في الشمال والجنوب!!