من جديد.. السعودية تستعين بالدعاية السوداء لتغطية الفشل الميداني
ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
27 أكتوبر 2026مـ – 16 جماد الاول 1448هـ
حين تضطر دولة كانت لعقود تتباهى بوهم احتكار سردية الاستقرار المطلق والوفرة المالية لتحويل منبرها السياسي والإعلامي إلى غرفة طوارئ دفاعية قائمة على فبركة الأكاذيب وافتعالها، فهذا لا يعبر عن تحول تكتيكي أو مناورة سياسية، بل يكشف عن مأزق عميق في عقيدة صانع القرار، وتخبط في الرؤية الاستراتيجية الشاملة. وما يمارسه النظام السعودي اليوم من استماتة في اللجوء مرة أخرى إلى الإساءة لشعب الإيمان باستهداف المقدسات ليس مجرد ارتباك سياسي، بل هو الرقصة الأخيرة على رفات سرديات متآكلة أرهقها الاستهلاك حتى تهاوت تحت وطأة الميدان.
يضيق الخناق وتتكسر نصال الغرور على صخرة الحقائق، لتزداد خطورة المأزق السعودي يوما بعد يوم على حاضر ومستقبل الدولة عندما يجد النظام في الرياض نفسه أمام منعطف تاريخي يفرض عليه التحول القسري من وضعية الترف والاعتماد المطلق على الحماية الخارجية وتضليل الحلفاء، إلى مواجهة التحديات الميدانية والوجودية بصورة مباشرة وبالغة الكلفة.
محاولة لتصدير الفشل
يتجلّى هذا الاضطراب في العودة المحمومة والملحة لدوائر القرار السعودي إلى استدعاء رواية “المقدسات الإسلامية”، وإشهار فزاعة “استهداف الحرمين الشريفين”. وهي دعاية بات الشارع العربي والإسلامي يدرك أنها ليست إلا محاولة لتصدير الفشل في مواجهة القوات اليمنية، ورغبة جامحة لتوريط الآخرين في تحمُّل عبئ المواجهة، والتخفيف من وطأة أزمة مالية واقتصادية وسياسية خانقة يعيشها، أفضت إليها سنوات من الرعونة العسكرية غير المحسوبة والتورط الميداني في اليمن. فحين كشفت المواجهة هشاشة المظلات الدفاعية باهظة الكلفة، المصنوعة في أقصى الأرض، عن حماية منشآتها الحيوية وعصب اقتصادها النفطي أمام إرادة شعب أقسم أن ينتزع سيادته بحد السيف وبأس الرجال، لم يتبقَ أمام الدوائر السعودية إلا التغطية على عجز هذه المنظومات عبر اللجوء إلى دراما التباكي، وتجيير المنابر الدينية ومؤسسات الإفتاء الرسمية وشراء المواقف لاستصدار بيانات إدانة مأجورة ضد الشعب اليمني، على أمل إعادة خلق حالة من التعاطف الوجداني الإقليمي والدولي الذي افتقدته بفعل ممارساتها العدوانية وحصارها المستمر على اليمن.
افتراء مكشوف لتبرير الجرائم
لا شك بأن توصيف المشهد الراهن يعكس بوضوح حجم الاستنزاف الذي تعرض له النظام السعودي، ودفعه إلى استهلاك كامل بنك الذرائع السياسية والأمنية والدبلوماسية التي ظل يستخدمها طوال سنوات العدوان على اليمن لتبرير عملياته العسكرية. ومع انسداد الأفق السياسي، وتهاوي الروايات السابقة، لم تجد الرياض من مساحة تتحرك فيها إلا الاستجداء العاطفي عبر المقدسات، وإعادة تدوير الخطاب الديني الراديكالي المتستر بالشرعية الأخلاقية، عبر التظاهر بأن الصراع قد انتقل من مربع المواجهة السياسية والعسكرية مع القوات اليمنية إلى مربع استهداف المقدسات الإسلامية الجامعة. وهو التضليل الذي جُوْبِهَ برفض قاطع وصريح من الهيئات الدينية والسياسية التي استنكرت أي تبنٍّ لمثل هذه الأطروحات “الفتنوية”. وقد أخذت رابطة علماء اليمن على شيخ الأزهر تفاعله مع الترويجات السعودية، فأعربت عن استغرابها الشديد من البيان الأخير الصادر عنه، مؤكدة أنه تبنى أكذوبة وبهتانا. وأوضحت الرابطة أن الأَولى بمؤسسة الأزهر كان نصح النظام السعودي وعتابه لوقف عدوانه وحصاره، بدلاً من التورط في تقديم شهادة زور وتبني سرديته الظالمة التي تسعى لتوظيف قدسية الحرمين وإضفاء غطاء ديني على الحرب، مستغربةً في الوقت ذاته غياب الإدانة للمجازر واستهداف المدنيين في اليمن.
وفي الاتجاه ذاته شنت وزارة الخارجية هجوماً حاداً على المواقف المردِّدة للرواية السعودية، معتبرة أن إصرار الرياض على شراء الذمم واستجلاب شهادات الزور إنما يعكس سقوطاً أخلاقياً مدوياً لها ولكل من ينجر خلف رواياتها. وأكدت الخارجية أن الشعب اليمني يُعد من أكثر الشعوب دفاعاً عن مقدسات الأمة، وأن اتهامه باستهدافها ما هو إلا افتراء مكشوف يُراد منه تبرير استمرار الجرائم بحق المدنيين، وصرف الأنظار عن المعاناة الإنسانية. كما دعت الوزارة أي جهة تسعى بصدق لنزع فتيل الأزمات إلى التحلي بالقسط والإنصاف، وعدم التثبت من طرف واحد، معربة عن أسفها لاختراق التأثير السعودي لبعض المؤسسات والدول، ومؤكدة أن الأولى بالمؤسسات الدينية توجيه اهتمامها ونصرتها للشعب الفلسطيني في مواجهة الجرائم الإسرائيلية بدلاً من الانشغال بشرعنة الجرائم السعودية بحق أطفال اليمن ونسائه.
وتظهر العودة السعودية المتشنجة إلى الورقة الدينية بكونها الملاذ الأخير لتجييش الوجدان الجمعي للشعوب الإسلامية، والتحايل على الواقع الميداني عبر محاولة دفع الأطراف الإقليمية والدولية لمشاركة الرياض في تحمل أعباء وتكاليف المأزق العسكري والمالي الضخم الذي تكبّدته نتيجة حساباتها الخاطئة. غير أن المتأمل في تفاصيل المشهد، والمتابع للتقارير الفنية والسياسية الصادرة عن المؤسسات والدوائر الاستراتيجية الدولية، يدرك يقيناً أن هذا التصعيد الخطابي لا يعدو كونه غطاءً هزيلاً وهشاً لواقع مهزوم عسكرياً وسياسياً ومأزوم مالياً واقتصادياً.
تغطية خسائر الميدان
إن محاولة الرياض إلباس المواجهة العسكرية لبوساً دينياً إنما تعكس درجة متقدمة من الإفلاس؛ فالسردية السياسية والعسكرية اليمنية أكدت غير مرة بأن بنك الأهداف العملياتي للقوات المسلحة محدد بدقة تقنية فائقة، وتنحصر الأهداف حكراً في المنشآت العسكرية والسيادية والاقتصادية المباشرة التي تغذي آلة العدوان وتدعم الحصار المالي والإنساني. وبالتالي، فإن المحاولات السعودية لتغطية خسائرها التشغيلية عبر الادعاء بأن هذه الضربات تستهدف المشاعر المقدسة ليست سوى استغلال رخيص للمقدسات الإسلامية، وصرف للأنظار عن الكوارث الإنسانية الناتجة عن العدوان والحصار على اليمن.
ويرى مراقبون أن اللجوء السعودي المستميت إلى معزوفة الدفاع عن المقدسات تنكشف داوفعه من خلال النظر المباشر إلى حجم ما مُنيت به من الخسائر الاقتصادية والتشغيلية المباشرة التي أُصيبت بها البنية التحتية. وتبيّن التحليلات والبيانات الصادرة عن مؤسسات الرصد المالي والتتبعي الدولية (مثل “وول ستريت جورنال” وشركة “إندستريال إنفو ريسورسز”) أن القطاعات النفطية والحيوية السعودية تعرضت لاختناقات هيكلية مستدامة. ويعتبر التوقف التام لمصفاة جيزان الحيوية، التي تصل طاقتها التكريرية الإجمالية إلى أكثر من أربعمائة ألف برميل يومياً جراء العمليات الهجومية المركزة، المؤشر الأكثر وضوحاً على حدة الانخفاض المضطرب في قدرة التكرير الوطنية، والذي تزامن بدوره مع تعطيل المسارات اللوجستية كخط “شرق – غرب”، وانكماش حركة الناقلات النفطية عبر البحر الأحمر.
هذا الوضع أدى إلى إضعاف مرونة عملاق النفط “أرامكو” في الوفاء بالتزاماتها التكريرية والإمدادية، مع التأكيد المهني للمراكز الدولية بأن إعادة تعافي هذه المنشآت وتأهيلها الهندسي يتطلب أشهراً طويلة في ظل بيئة ملاحية وعملياتية باتت تصنف بأنها عالية المخاطر. وامتد النزيف الى تراجع القيمة السوقية لشركة “أرامكو” بمبالغ ضخمة تجاوزت المائة مليار دولار أمريكي نتيجة ارتفاع تقييم المخاطر الجيوسياسية والعسكرية لها، ما دفع إدارة الشركة والمؤسسات المالية التابعة للجوء إلى الاقتراض من التكتلات المصرفية العالمية لتغطية الالتزامات المالية والحد من عجز السيولة النقدية المتفاقم.
في الوقت ذاته، طالت معادلات الردع اليمنية قطاع الملاحة والنقل الجوي، حيث سجلت مراكز التتبع الدولية، مثل “سيريوم”، مستويات اضطراب ملاحي غير مسبوقة، تمثلت في مسح وإلغاء نسب ضخمة تجاوزت الـ 86% من حركة الرحلات المجدولة في مطار خالد الدولي بالرياض خلال فترات الذروة. وتسبب هذا الارباك الملاحي الجوي في قيام شركات الطيران العالمية بتغيير مساراتها وتعليق رحلاتها المباشرة، وهو ما أجبر الحكومة السعودية على اتخاذ قرارات متخبطة بتأجيل المعارض الاقتصادية والاستثمارية، التي كانت تراهن عليها لترميم جاذبيتها الاستثمارية مثل معرض “سيتي سكيب العالمي”، لشهور طويلة نتيجة غياب الضمانات الأمنية والملاحية.
تحول نوعي قائم على الردع المتكافئ
وعلى الصعيد التحليلي الاستراتيجي، تبرز قراءات الأوساط ومراكز التفكير الدولية، مثل “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” و”مركز العواصم للدراسات”، لتسلط الضوء على التحول النوعي الذي أحدثته الاستراتيجية اليمنية القائمة على الردع المتكافئ. وتؤكد هذه المراكز أن قدرة صنعاء الميدانية على ضرب نقاط الاختناق اللوجستية وعصب الاقتصاد السعودي، باستخدام تقنيات منخفضة التكلفة مقارنة بكلف منظومات الدفاع المستوردة، قد جردت التفوق التسليحي للتحالف من فاعليته، وأبطلت قيمته الاستراتيجية في حسم الصراع على الأرض.
وبناءً على هذه التقييمات، تجد الإدارة السعودية نفسها أمام مضيق استراتيجي حرج يُعيد على طاولتها خيارين لا مناص منهما تتفق عليهما التحليلات والدراسات الميدانية: إما الذهاب بجدية وشجاعة نحو الإقرار بالمعادلات الجديدة والدخول في تسوية سياسية وحاسمة تضمن الوقف الشامل للعدوان ورفع الحصار المفروض واحترام سيادة اليمن واستقلاله كلياً، أو الاستمرار في التعاطي مع الصراع بالمنطق الدفاعي القديم القائم على تغطية الخسائر الاقتصادية والتكتم الإعلامي واستجداء التحالفات، وهو مسار يضمن استمرار نزيف الموارد والقدرات.
عجز الفبركات الخطابية والإعلامية
يؤكد المشهد السعودي أن المواجهة بين اليمن والتحالف السعودي قد تجاوزت الحدود التقليدية للمناورات الإعلامية والصدامات العسكرية المحدودة، لتؤسس لمعادلة استراتيجية جديدة تُفرض فيها الحقائق بقوة الميدان وعدالة الموقف. وبينما تحاول السلطات في الرياض -جاهدةً- التغطية على إخفاقها العسكري الميداني وأزمتها المالية المتصاعدة باللجوء إلى الخطاب الديني التضليلي واستدعاء ورقة المقدسات كمادة للاستعطاف والتجييش السياسي، تبدو المعطيات على الأرض أكثر وضوحاً وصراحة في كشف حدود القوة وواقع الانكشاف الاستراتيجي.
توقُّفُ المنشآت الحيوية، وتراجع مؤشرات الطيران والنقل، والنزيف المالي المتواصل للمؤسسات الاقتصادية الكبرى، يمثل الخلاصة المادية المؤكدة لطرفٍ أستنفد كافة أدواته الأمنية وذرائعه السياسية ليصطدم بانسداد المسار. وتظل الفبركات الخطابية والإعلامية عاجزة عن تغيير طبيعة هذه المعطيات الرقمية، كما تظل عاجزة عن ثني اليمن عن التمسك بمعادلات الردع المباشر لحماية أمنها وسيادتها، ما يضع الرياض أمام الحقيقة الوحيدة المتبقية: أن الخروج من هذا المأزق المتشعب لن يتحقق عبر افتعال الذرائع أو المراهنة على الغطاء الخارجي والتوظيف الديني، بل عبر شجاعة الإقرار بالواقع، والنزول عند مقتضيات السلام العادل والمنصف الذي يحفظ لليمن حريته واستقلاله الكامل.
