قراءة عسكرية: من كفاءة التكتيك العسكري اليمني إلى تآكل البنية الاقتصادية السعودية: كيف يفرض اليمن معادلة ردعٍ قوية؟

12

ذمــار نـيـوز || متابعات ||
26 أكتوبر 2026مـ – 15 جماد الاول 1448هـ

في قراءةٍ لمسرح العمليات العسكرية اليمنية في مواجهة العدو السعودي وتحشيداته، يضع خبراء عسكريون التحولات الميدانية الأخيرة تحت المجهر؛ كاشفين كيف نجحت مسيرات “رُجوم” والمسيرات الانقضاضية والحروب اللا متماثلة في إسقاط مفهوم السيطرة الجوية التقليدية، ومؤكدين في الوقت ذاته أن عجز منظومات الردع وتآكل البنية المالية للعدو فرضا واقعاً جديداً عكس احترافية المؤسسة العسكرية اليمنية في خوض هذه المواجهة بقوة.

في هذا السياق، أكد الخبير العسكري العميد أكرم كمال سيروي أن العمليات العسكرية النوعية والمتصاعدة التي تنفذها القوات المسلحة اليمنية ضد المراكز الحيوية والحشود العسكرية التابعة للعدو السعودي على الحدود وفي العمق السعودي قد أحدثت تحولاً جذرياً في مسار المواجهة. وأوضح أن هذه العمليات لا تقتصر على كونها رداً عسكرياً فحسب، بل تمثل استراتيجية متكاملة فرضت واقعاً ميدانياً جديداً ومختلفاً تماماً عما كان يتوقعه العدو السعودي.

وشدد العميد سيروي، في مداخلة على شاشة “المسيرة”، اليوم، على أهمية التوثيق المرئي والدقيق الذي يرافق العمليات العسكرية لقواتنا المسلحة، مبيناً أن هذا التوثيق يحقق أبعاداً استراتيجية بالغة الأهمية، أبرزها كشف الحجم الحقيقي والواسع للأضرار التي تلحق بالتجمعات والحشود العسكرية على الحدود اليمنية، ودحض الادعاءات الإعلامية الكاذبة التي يسوقها بعض الإعلام العربي حول عدم فعالية الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة اليمنية، أو زعم التصدي لها، حيث انهارت تلك المزاعم تماماً أمام المشاهد الحية للدمار الهائل.

وفي قراءته للمستوى التقني والدفاعي، أشار الخبير العسكري إلى أن العمليات اليمنية أكدت الفشل الذريع والمطبق لمنظومات الدفاع الجوي السعودية؛ مشيراً إلى أن هذه الدفاعات لم تعد سعودية فحسب إذ إن هناك دفاعات جوية دولية تضم خبرات وقدرات بريطانية، فرنسية، تركية، مصرية، وباكستانية، ودولاً عديدة جاءت لتضع قدراتها الدفاعية العسكرية في مواجهة الصواريخ والمسيرات اليمنية، قائلاً إنه رغم تلك القدرات الكبيرة والمتعددة نرى في النهاية المشاهد الموثقة التي تؤكد فشلاً ذريعاً ومطبقاً لكل هذه المنظومات والدفاعات التابعة لتلك الدول.

وأضاف أن هذه العمليات تؤكد قدرة القوات اليمنية على تنفيذ عمليات ناجحة بهذا الحجم وتصويرها وتوثيقها بدقة عالية، مؤكدًا أنها مسألة بالغة الأهمية لأنها تقلب السردية الكاذبة التي يدعيها بعض الإعلام العربي حول عدم فاعلية الصواريخ اليمنية أو ترويج أكاذيب التصدي لها. ولفت أن ذلك ينهار تماماً أمام المشاهد الحقيقية التي توثق حجم الدمار الهائل الذي يلحق بالقوات المحتشدة على الحدود.

كما أشار إلى أن الحشود العسكرية التابعة للعدو السعودي على الحدود لم تكن تتواجد بهدف الدفاع أو التمركز التقليدي، إنما كان لديها أهدافاً عدوانية مبيّتة ومخططاً لها لتنفيذ عملية هجومية كبرى باتجاه الأراضي اليمنية. إلا أن الضربات الاستباقية والناجحة للقوات المسلحة اليمنية أحبطت تلك الخطط تماماً، وأحدثت حالة من الارتباك والاضطراب الواسع على مستوى قيادة العدو.

وتطرق العميد سيروي إلى التكامل بين العمليات الحدودية اليمنية والضربات الاستراتيجية الموجهة إلى العمق السعودي، والتي شملت استهداف مراكز حيوية واستراتيجية مثل قاعدة الملك فهد العسكرية، وضرب المنشآت الاقتصادية الكبرى، وفي مقدمتها خطوط أنابيب شركة أرامكو (خط الشرق-غرب) لنقل النفط، وتحقيق إصابات بالغة ومؤثرة. وأشار إلى أن هذا الضغط دفع الرياض للبحث عن مخرج بعد تغير المواقف الدولية، ومنها رفض ترامب وغيره طلب الاستجابة للمملكة من أجل محاربة القوات اليمنية، حيث توجهت الرياض إلى طهران لطلب وقف إطلاق النار والتفاوض مع القوات اليمنية. مؤكدًا أن هذا التحول الاستراتيجي ما كان ليحصل أبداً لولا وجود هذه العمليات الناجحة على المستوى الميداني، والتي فرضت واقعاً ميدانياً جديداً ومختلفاً تماماً عما كان يتوقعه التحالف الذي يقوده العدو السعودي.

المُسَّيرات.. والتحول الجذري

وفي سياق حديثه حول التحول الكبير الذي احدثته المسيرات اليمنية في مواجهة قوات وتحشيدات العدو، أكد العميد سيروي أن طبيعة السيطرة الجوية في مسرح العمليات قد شهدت تغيراً جذرياً؛ إذ لم تعد حكراً على الطائرات الحربية التقليدية، حيث انتقلت العمليات لصالح المسيرات والتي منها “رُجوم” والمسيرات الانقضاضية. مبينًا أن هناك فارقاً كبيراً واختلافاً جذرياً في طبيعة تنفيذ المهام القتالية؛ فالطائرات الحربية تستطيع أن تقصف من بعيد وتستهدف أهدافاً ثابتة، لكنها لا تستطيع أن تبقى في الجو لفترات طويلة، ولا تستطيع توثيق عملياتها بدقة، ولا يمكنها ملاحقة فرد أو ملاحقة آلية متحركة.

في المقابل، أشار إلى أن هذه المسيرات رخيصة الثمن تتميز بفعالية عالية ودقة متناهية؛ فعندما نشاهد المشاهد الموثقة من عمليات القصف اليمنية ضد تحشيدات وقوات العدو نرى كيف يتم إسقاط قذيفة بدقة مذهلة على رأس الجندي وهو يهرب أو يحاول الفرار نحو الآلية، لتصيب الآلية بدقة لا تقبل الخطأ.

وأضاف الخبير العسكري أن هذه المسألة ليست بسيطة على الإطلاق؛ فهي أولاً تدل على كفاءة وقدرات عالية للغاية لدى الضباط والجنود اليمنيين الذين يقودون ويديرون هذه العمليات بهذه الدقة المتناهية. وعندما يشاهد البعض هذه المشاهد يعتقد أن الأمر بسيط، ولكنها في الواقع تحتاج إلى تدريبات شاقة وكفاءة تقنية وعسكرية عالية تؤكد احترافية المقاتل اليمني.

وحول اتساع نطاق العمليات العسكرية اليمنية وتعامل المسيرات مع التنوع الجغرافي للجبهات، لفت العميد سريوي إلى أن العمليات القتالية التي تمتد من باب المندب إلى تعز وصولاً إلى الداخل السعودي؛ تشكل جغرافيا ذات تضاريس صعبة في جزء كبير منها، باستثناء المناطق الصحراوية المكشوفة التي لا يوجد فيها مكان للاختباء والتي تظل مكشوفة بالكامل، حيث تصبح آليات وجنود العدو أهدافاً سهلة ومكشوفة أمام المسيرات، وتكون فعالية هذه المسيرات أعلى بكثير من الطائرات الحربية، خاصة مع الانتشار الواسع للقوات وعدم تجميعها أو تحشيدها بشكل محكم. بينما في المناطق الجبلية الوعرة التي يصعب فيها مرور الآليات، فقد شاهدنا مشاهد قتالية فريدة من نوعها برأي الخبير العسكري؛ فهناك قتال من خلف الصخور، ومن تلة إلى تلة، ومن وادي إلى وادي في مناطق وعرة جداً تعد من أصعب أنواع القتال في العالم. ويعتقد سيروي أن هذه المشاهد المصورة التي بُثت جعلت كثير من جيوش العالم وقادته العسكريين يرفضون رفضاً قاطعاً فكرة الذهاب إلى اليمن؛ فالقائد العسكري الذكي يقدر الموقف ويسأل نفسه: إلى أين سأبعث بقوتي؟ وبأي إمكانيات ستواجه هذه الجبال؟ وهناك رجال في اليمن يقاتلون، يعرفون أرضهم جيداً وخبروا القتال في هذه التضاريس المعقدة.

ونبه العميد سريوي إلى أنه عندما ترسل جنودك وضباطك إلى مناطق لا يعرفونها، فإن الاستطلاع بالطائرات لا يكفي أبداً، لأن الأرض مسألة مختلفة كلياً. وهناك قاعدة ثابتة في القول العسكري: “من عرف الأرض قتلها، ومن لم يعرف الأرض قتلته”. ونتيجة لذلك، هناك خشية بالغة وكبيرة لدى كل الجيوش من التورط في أي معارك برية مباشرة مع القوات المسلحة اليمنية. قائلاً إننا أمام معادلة فرضها اليمن أولاً بكفاءة ضباطه وجنوده، وثانياً بإرادتهم القتالية الصلبة، وثالثاً بقدرتهم الفائقة على التحكم والسيطرة سواء على المسيرات أو مختلف الأسلحة، وحسن استخدام هذه الأسلحة بفعالية وكفاءة عالية أربكت الأعداء وجعلتهم يتراجعون.

تآكل الردع السعودي والقدرة المالية السعودية

من جانبه أكد الخبير العسكري العميد عزيز راشد أن التنوع المتعدد في القدرات العسكرية للقوات المسلحة اليمنية يعبر بوضوح عن مدى تصاعد وتيرة “الردع اليمني” التي يتنوع في مسارح العمليات كافة؛ سواء في العمليات بالمنطقة الوسطى والجنوبية والغربية، أو في استهداف العمق الاستراتيجي للقيادة والسيطرة في الرياض، والعمليات الوسطى في أبها، وكذلك العمليات المتقدمة في نجران وجيزان.

وأوضح العميد راشد في تحليل له على شاشة “المسيرة”، أن طائرات “رُجوم” والمسيرات الانقضاضية لم تعد مجرد بديل، بل باتت تفعل تماماً ما تفعله الطائرات الحربية الحديثة الكبيرة (مثل طائراتF-15 والتايفون وغيرها). وأشار إلى أن هذا الأمر يعبر بصدق عن الإبداع والابتكار اليمني الهائل في هندسة الحروب غير المتماثلة. وفي المقابل، فإن مفهوم الردع العسكري للعدو لم يعد فاعلاً، ولم يعد قادراً على الدفاع والرد، حسب تعبير راشد.

ووفقاً للمصطلحات العسكرية، يقوم مفهوم الردع على عنصرين أساسيين: العنصر الأول هو “القدرة على الدفاع”، والعنصر الثاني هو “القدرة على الرد”. وبناءً على ذلك، فإن السعودية اليوم لم تعد محمية بالكامل، حيث تبدو عاجزة عن تحقيق الردع باستخدام دفاعاتها الجوية المتعددة الجنسيات.

قائلاً إنه من هذا المنطلق، انحصر رد العدو السعودي في استهداف المدنيين والمدن، وهو ما يحمله أعباء كبرى وأوزاراً أخلاقية وقانونية أمام المجتمع الدولي، وأمام الضغوط المتواصلة التي يفرضها اليمن من خلال استهداف الثقل الاستراتيجي والاقتصادي والعسكري للنظام السعودي.

وبيّن العميد راشد أن اليمن نجح نجاحاً فائقاً، خصوصاً أنه استطاع أن يقفز إلى استهداف المطارات السعودية بنقلة نوعية، وأن يعمد إلى فرض حظر جوي يمنع الطيران الدولي من الهبوط في المطارات الاستراتيجية التي تدر أموالاً هائلة وطائلة للسعودية والتي قد تصل في السنة الواحدة إلى 70 مليار دولار.

وفيما يتعلق بأهمية استهداف البنية النفطية للعدو، أوضح الخبير العسكري أن ضرب خط (شرق-غرب)، وضرب المحطات الاستراتيجية التي تعمل على تنقية وتصفية النفط من الأتربة العالقة –خصوصاً بأن هذا الخط يصل إلى 1200 كيلو، وهو عرضة لأنواع من الأتربة والتلوث– يعني أن ضرب المحطات يخرجها عن الجاهزية. وكذلك ضرب التوربينات التي تضخ النفط، والتي تصل قوتها إلى 40 ألف بار، مشيرًا إلى أن ضرب هذا الخط أحدث تآكلاً اقتصادياً سيقود المملكة إلى الانهيار حتى لو كان لديها قدرة عسكرية. واستشهد بالاتحاد السوفيتي الذي انهار بعد أن تآكلت قوته المالية رغم امتلاكه لقدرة عسكرية كبيرة، لافتًا إلى أن النظام السعودي الآن يتآكل في ظل عدم قدرته على تصدير موارده النفطية، وفاعلية الحظر الجوي اليمني حالياً على مطاراته.