مِيثاقُ الشُّهَداء.. لا يَسقُط
ذمــار نـيـوز || مقالات ||
25 أكتوبر سبتمبر 2026مـ – 14 جماد الأول 1448هـ
بقلم// آسيا الأهدل
تأتي الذكرى السنوية للشهداء العظماء، لا كموعدٍ في التقويم، بل كجرحٍ يعرف طريقه إلى القلب دون أن يستأذن، ودربٍ يسلكه الرجال الصادقون، من باعوا أنفسهم لله فاشترى منهم.
فثمة أناسٌ حين يرحلون، لا يتركون خلفهم فراغًا، بل يتركون سؤالًا كبيرًا معلّقًا في عنق الزمن: ماذا فعلتم بما بذلناه؟
رحلوا بأجسادهم، وبقيت أرواحهم واقفةً في الجهات كلها؛ في رايةٍ ترفرف، وفي أمٍّ تحدّق في الباب كل مساء، وفي أبٍ يخفي انكساره خلف الصمت، وفي طفلٍ تعلّم مبكرًا أن لبعض الأسماء ثمنًا لا تدفعه الكلمات.
رحلوا، لكنهم لم يتركوا لنا موتًا نرثيه فحسب؛ بل تركوا لنا دربًا نسلكه في سبيل الوصول إلى العزَّة والمجد والكرامة، والفوز الحقيقي والانتصار الأبدي بالشهادة في سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة المستضعفين ومقارعة الظالمين.
تركوا دمًا لم يكن حبرًا على صفحة التاريخ، بل توقيعًا أحمر على ميثاقٍ كتبوه بأجسادهم، ثم سلّموه إلينا ومضوا.
ولهذا، فإن ذكرى الشهداء ليست احتفالًا بالحزن، ولا استعادةً عابرةً لصورٍ قديمة؛ إنها عهدٌ نجدّده بأننا على دربكم سائرون، ووقفةٌ أمام مرآة الضمير، حيث لا تنفع الأقنعة، ولا تنجو الذاكرة من السؤال.
هل ما زلنا أوفياء؟
أيها الراحلون إلى الضوء من بوابة الدم،
وأيها الراحلون إلى جوار الله من بوابة التضحية والفداء والاستجابة لله سبحانه وتعالى؟
يا من اختصرتم المسافة بين الأرض والخلود،
يا من مضيتم حين كان البقاء أسهل، واخترتم أن تكونوا ثمنًا كي لا يكون الدين والوطن بلا ثمن…
سلامٌ على أرواحكم الطاهرة.
وسلامٌ على تضحياتكم وبذلكم وعطائكم وخطاكم التي توقفت عند آخر الطريق، بينما ظل صداها يمشي في طرقاتنا.
سلامٌ على أيديكم التي غادرت البنادق، وبقيت في ذاكرة الوطن تشير إلى جهةٍ واحدة: جهة الكرامة.
أنتم لا تحتاجون إلى أن نُبقي أسماءكم حيّة؛ لأنكم أحياء عند ربكم، وأحياء في قلب كل مجاهد صادق ومخلص مع الله ومع القيادة والوطن والدين.
فبعض الأسماء لا تحيا بنا، بل نحن الذين نحيا بما تركته فينا.
أنتم الذين جعلتم من الموت نافذةً للحياة، ومن الغياب حضورًا، ومن الدم ذاكرةً لا يستطيع النسيان أن يبتلعها.
وفي هذه الذكرى، لا نقول إننا نسينا، لأن النسيان خيانةٌ حين يكون الراحل قد دفع حياته ثمنًا للوفاء.
ولا نقول إن الزمن أطفأ وجعكم، لأن بعض الجراح لا تُشفى؛ إنها فقط تتعلم كيف تنزف بصمت.
نقول شيئًا واحدًا:
إن عهدكم لم يسقط.
لن تسقط أسماءكم من ذاكرة الأحرار، ولن يصبح ما صنعتموه هامشًا في كتابٍ عابر، ولن يتحول الدم الذي سُفك من أجل كرامة الأرض إلى رقمٍ بارد في سجلات الأيام.
سنظل نذكركم لا لأنكم رحلتم،
بل لأنكم رسمتم لنا طريق العزة والنصر بالتضحية والفداء، وطريق الولاء الصادق والطاعة والاستجابة العملية لله ورسوله ولأعلام الهدى.
لقد تركتم موقفًا حين كان الموقف مكلفًا، فوقفتم بموقف الحق.
وتركتُم لنا معنىً للشهادة بأنها فوز وفلاح وحياة أبدية ونعيم خالد عند الله، حين كانت المعاني تتهاوى،
وتركتم لنا نهجًا ودربًا ووطنًا يحق لنا أن نفتخر بأنكم دفعتم من أعماركم ثمنًا لأجله في سبيل الله.
يا شهداء الوطن جميعًا، كلٌّ باسمه وصفته، و
إن كانت القبور قد أخذت أجسادكم، فإنها عجزت أن تأخذ المعنى.
وإن كان التراب قد وارى وجوهكم، فإنه لم يستطع أن يواري سيرتكم.
وإن انطفأت أصواتكم، فقد صار لصمتكم صوتٌ أعلى من الضجيج.
ستبقون فينا كلما حاول اليأس أن يقنعنا بأن التضحية عبث، وكلما حاول النسيان أن يساومنا على الذاكرة، وكلما انحنى الوطن تحت أثقال أيامه.
سنقول:
هنا مرّ رجالٌ لم يكونوا عابرين.
هنا سقط شهداء، فارتفع معنى.
هنا غابوا عن أعيننا، كي يبقوا في أعين التاريخ.
وهنا كُتب الميثاق…
ميثاقٌ لا تسقطه السنين،
ولا تمحوه المسافات،
ولا يلغيه اختلاف الأيام.
فسلامٌ عليكم يوم مضيتم،
وسلامٌ عليكم يوم تُذكر أسماؤكم،
وسلامٌ عليكم يوم نقف أمام سيرتكم خاشعين،
وسلامٌ عليكم يوم يصبح الوطن الذي حلمتم به أكثر عدلًا وأمانًا وكرامة.
سلامٌ على من منحونا الفخر رغم الفقد،
وعلى من جعلوا من الرحيل بقاءً،
ومن الدم نورًا،
ومن الذكرى عهدًا،
ومن الشهادة ميثاقًا لا يسقط.
رحم الله الشهداء، وحفظ الوطن من أن ينسى أبناءه الذين كتبوا أسماءهم في ذاكرته بآخر قطرةٍ من أعمارهم.
