سقوط فرضية القوة: لم يبق أمام الرياض إلا أن تختار بين ثمنين
ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
19 أكتوبر 2026مـ – 8 جماد الاول 1448هـ
في المنطق التقليدي للحرب، لا يجتمع مشهدان: مطارٌ دولي في قلب عاصمة تملك واحدة من أكبر ميزانيات الدفاع في العالم، تُلغى رحلاته بالآلاف، ويُطلب من موظفي أطول أبراجه العمل من منازلهم “حتى إشعار آخر”؛ وصاروخٌ أو مسيّرة تُصنع محلياً بتكلفة لا تساوي إلا جزءاً صغيراً من كلفة الصاروخ الاعتراضي الذي يلاحقها، لكن هذين المشهدين صارا، وفق ما ترصده صحف ووكالات غربية وعبرية، واقعاً يومياً تعيشه المملكة السعودية، وبينهما انهارت الفرضية التي كانت مستقرة في العقل الاستراتيجي والمتمثلة في أن التفوق المالي والتقني يحسم الحرب حتماً.
تبدأ الحكاية من مفارقة يرصدها كل من “وول ستريت جورنال” و”بلومبرغ” و”إن بي سي” و”مودرن دبلوماسي”: السعودية تمتلك واحدة من أكبر ميزانيات الدفاع في العالم، وتتسلح بطائرات مقاتلة متطورة ومنظومات “باتريوت” و”ثاد”، ومع ذلك لم تنجح في إنهاء التهديد اليمني، والسبب، كما تشرحه هذه التقارير، لا يتمحور حول نقص، وإنما في طبيعة المعادلة نفسها.
فاليمن، كما تصفه “وول ستريت جورنال”، خصم يتمتع بصلابة استثنائية، من قوات برية كبيرة، وقدرات تصنيع محلية للصواريخ والمسيّرات، ومنصات إطلاق متحركة، ومنشآت محصّنة في أعماق الأرض، واستفادة من طبيعة المناطق الجبلية الوعرة لتوزيع المقاتلين والمنشآت. وتضيف “القناة 12” العبرية أن سنوات الغارات لم تضعف اليمنيين، بل واصلوا تعزيز قبضتهم وتطوير قدراتهم، مستندة إلى تقرير خبراء الأمم المتحدة الذي قدّر عدد المقاتلين اليمنيين بنحو 350 ألفاً عام 2024.
لكن العامل الأهم ليس عدد المقاتلين ولا نوع السلاح، وإنما كما تقول – “ميدل إيست آي” في القدرة على تنفيذ ضربات متكررة ومنسقة ضد أهداف محمية، فالتصعيد، كما تقول، يكشف صعوبة حماية الأهداف الحيوية من هجمات متواصلة، وهنا تظهر المفارقة التي تلتقطها “بلومبرغ”، فالسعودية تمتد على أكثر من 2.1 مليون كيلومتر مربع، وأهدافها موزعة بين منشآت نفطية وقواعد جوية ومدن كبرى، ما يجعل حمايتها من الهجمات الجوية أمراً بالغ الصعوبة، ويضاف إلى ذلك، أن مزيجاً من المسيّرات الصغيرة والصواريخ المجنحة منخفضة الارتفاع والصواريخ الباليستية يربك أنظمة الرادار والإنذار المبكر التي لم تُصمّم أصلاً لاكتشاف هذا النوع من التهديدات.
وهكذا ينتقل النقاش من مدى امتلاك السعودية للأسلحة المتطورة إلى السؤال عن ما هو السلاح المتطور القادر على حماية كل هدف في كل وقت؟، والإجابة التي تكررها التقارير هي: لا. فمنظومة مثل “باتريوت” أو “ثاد” لا تضمن حماية جميع الأهداف باستمرار، وضربة واحدة ناجحة قد تُحدث أضراراً واضطرابات كبيرة، كما تقول “ميدل إيست آي” وهنا يتضح أن المعركة لم تعد معركة سلاح ضد سلاح، بل معركة منطق ضد منطق.
الصاروخ الاعتراضي أغلى من الهدف
إذا كان التفوق لا يضمن الحماية، فإن السؤال التالي هو: ما كلفة محاولة الحماية؟ وهنا تكشف التقارير عن معادلة اقتصادية مقلوبة، فالصواريخ الاعتراضية المتطورة باهظة الثمن، بينما الأسلحة الهجومية اليمنية تُنتج محلياً بتكلفة أقل بكثير، وتخلص “القناة 12” العبرية إلى أن انخفاض تكلفة الإنتاج العسكري اليمني يفاقم التحديات أمام الدفاعات السعودية، إذ يمكن تصنيع أسلحة محلياً بتكلفة أقل من تكلفة الصاروخ الاعتراضي المستخدم لمواجهتها.
هذه المعادلة لا تعني فقط خسارة مالية، بل استنزافاً للمخزون، فتقارير مثل “ميدل إيست آي” و”مودرن دبلوماسي” و”إن بي سي” تشير إلى أن السعودية استهلكت أعداداً كبيرة من الصواريخ الاعتراضية في المواجهات الإقليمية، وأن نقص المخزون يفرض قرارات صعبة بشأن تحديد التهديدات التي ينبغي اعتراضها، وفي ظل هجمات متزامنة بصواريخ متنوعة ومسيّرات، يزداد الضغط على المنظومات الدفاعية، ويصبح كل اعتراض قراراً استراتيجياً وليس مجرد رد فعل.
وهنا تظهر فكرة جوهرية في التحليل الذي نشره موقع “جي كابتن”: تجاوز الإنفاق الدفاعي السعودي مائة مليار دولار، وامتلاك “باتريوت” ومقاتلات F-15 وF-16، لم ينجحا في تحييد التهديد اليمني، لأن الخصم يعرف كيف يوظّف إمكاناته البسيطة في استنزافها، والنتيجة أن الغارات الجوية الكثيفة والتفوق التقليدي لا يمنحان تفوقاً ميدانياً حاسماً.
وهكذا تنتقل الحكاية من ساحة المعركة إلى ميزان الكلفة فالحرب لم تعد تُقاس بعدد الأهداف المدمَّرة، بل بقدرة أحد الطرفين على تحمّل الاستنزاف أطول من الآخر وهذه المعادلة، بطبيعتها، لا تصب في مصلحة الطرف الذي يملك أكثر، بل في مصلحة الطرف الذي يحتاج أقل.
تأثير الصواريخ على الاستثمار
الاستنزاف لا يتوقف عند الجانب العسكري فالتداعيات انتقلت إلى صميم المشروع الاقتصادي السعودي، “فايننشال تايمز” ترصد توقف الرحلات من مطار الرياض وإليه منذ 10 أكتوبر، وإلغاء آلاف الرحلات، وتعليق شركات مثل “لوفتهانزا” و”إيتا” خدماتها، وتأجيل شركات أخرى بينها الخطوط البريطانية والفرنسية رحلاتها، وتشير إلى أن مطار القصيم، الواقع على بعد أكثر من 200 ميل من الرياض، أصبح خياراً للمغادرين، وأن تكاليف استئجار الطائرات الخاصة ارتفعت بأكثر من 50%، مع رحلات إلى أوروبا تصل إلى 150 ألف دولار، وإلى الإمارات بين 30 و50 ألف دولار، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب.
هذه الأرقام، تحمل دلالة أعمق، فالعاصمة لم تعد تُدار بكفاءة طبيعية، فبرج “مركز المملكة” وجّه مستأجريه، ومن بينهم صندوق النقد الدولي و”ميريل لينش”، إلى العمل من المنازل إلزامياً حتى إشعار آخر، كما تذكر “ويتشه فيله”. و”فرانس برس” تنقل عن مستشارة للحكومة السعودية تحذيرها من أن مجالس إدارات الشركات قد تصنّف المملكة ضمن مناطق النزاع النشط، وأن ترسّخ هذا التصور في تقييمات المخاطر وأقساط التأمين قد يستغرق سنوات للتراجع عنه.
ثم تأتي الضربة الأكثر رمزية والمتمثلة في تأجيل مبادرة مستقبل الاستثمار، الملقبة بـ”دافوس الصحراء”، وهي إحدى الركائز الأساسية لمساعي التنويع الاقتصادي في المملكة السعودية، “سيمافور” تنقل عن مسؤولين تنفيذيين أن البنوك الكبرى وشركات الأسهم الخاصة نقلت مخاوف أمنية بشأن الحضور إلى ياسر الرميان، محافظ صندوق الاستثمارات العامة، وأن التأجيل يتعارض مع رواية الرياض بأن الحرب في المنطقة لا تعرقل الأعمال، وتضيف “جلف تايمز” أن استئناف الهجمات اليمنية تسبب في موجة تأجيلات، وأن كأس الخليج قد تكون آخر حدث إقليمي كبير لبعض الوقت، بعد تأجيل نهائيات FIFAe للرياضات الإلكترونية وبطولة الجولف.
والنتيجة الاقتصادية التي تكررها “وول ستريت جورنال” و”فرانس برس” و”صنداي تايمز” واحدة تتمثل في أن استمرار التهديد الأمني يضعف صورة السعودية كوجهة آمنة للاستثمار والسياحة والأعمال، ويعيد الاعتماد على النفط في وقت كانت تسعى فيه إلى تنويعه، وتتوقع “فرانس برس” انكماش الاقتصاد السعودي بنسبة 3.3% بعد تعديل توقعات سابقة بنمو 1.7%. وهكذا، بدل أن تكون “رؤية 2030” مشروعاً اقتصادياً بعيداً عن الحرب، صارت هي نفسها في مرمى الحرب.
الرهانات الثلاثة… وحائط الخيارات السيئة
من هنا تنتقل التقارير إلى المستوى السياسي، حيث تتقاطع “إيكونوميست” و”كيكار” و”فرانس برس” و”فوكس نيوز” على تشخيص واحد: محمد بن سلمان يواجه واحدة من أصعب مراحل حكمه، مع فشل رهاناته الثلاثة الكبرى — هزيمة اليمنيين، وتعثر «رؤية 2030»، وصدمة الاعتماد على دونالد ترامب كحليف موثوق.
«إيكونوميست» تذهب إلى أبعد من ذلك، إذ تنقل عن مقربين من محمد بن سلمان أنهم لا يرون في طريقه سوى «مجموعة من الخيارات السيئة»: حرب استنزاف ستكون السعودية الخاسر الأكبر فيها، أو غارات جوية محكوم على نتائجها بالفشل مسبقاً، أو اتفاق يعزز سلطة اليمنيين ويوسع تأثيرهم الإقليمي وخصوصاً البحري وهذه ليست خيارات بقدر ما هي أوجه مختلفة لمأزق واحد.
ويضاف إلى ذلك بُعد رمزي تلتقطه «وول ستريت جورنال» في مقال كارين إليوت هاوس: محمد بن سلمان يتنقل، في ظل الهجمات اليمنية شبه اليومية، من ملجأ محصّن ضد القنابل إلى آخر في جدة، وتصف صورة ظهر فيها أمام الجمهور «بوجه خالٍ من الابتسام وكُمّ مرفوع»، وهو يتبرع بالدم دون أن يبدي حركة، معتبرة أنها استعارة صارخة لوضع البلاد، والرمزية هنا هي تعبير عن تحوّل أعمق: “من زعيم يدّعي قيادة العالمين العربي والإسلامي ويتمتع بنفوذ متزايد في مجموعة العشرين، إلى حاكم يواجه تهديداً لقدرة بلاده على الاستمرار”، كما تقول الكاتبة.
وبينما يؤكد وزير الطاقة السعودي أن لا مكان للخوف في قاموس السعوديين، تشير الصحيفة إلى أن كثيراً من السعوديين يشعرون بالخوف، وهذه الفجوة بين الخطاب والواقع ليست مجرد تفصيل، بل مؤشر على أن الأزمة لم تعد أزمة جبهات، بل أزمة ثقة داخلية.
التحالف السعودي الصهيوني وثمنه السياسي
في هذا المأزق، تبرز مسألة التعاون مع العدو الإسرائيلي كأحد أكثر المحاور حساسية. تقارير «واللا» و«يديعوت أحرونوت» ومنصة «نتسيف» و«كيكار» تكشف عن تعاون استخباراتي سعودي صهيوني واسع، يشمل بناء «بنك أهداف»، والإنذار المبكر، وتحديد مواقع الإطلاق والمخازن والبنية التحتية الصاروخية، عبر تنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم». وتذكر «نتسيف» أن السعودية سلكت مسارين: مساراً رسمياً ثلاثياً مع باكستان وتركيا، ومساراً استخباراتياً سرياً برعاية «سنتكوم»، وتنقل رواية ضابط باكستاني يقول: إنه فوجئ بوجود ضباط إسرائيليين في اجتماع إحاطة بالرياض.
لكن هذا التعاون، كما توضح التقارير، لا يمر بلا ثمن فـ«واللا» تشير إلى أن “المؤسسة الأمنية” الإسرائيلية لا تعلق على ما تسميه «القناة السعودية»، خشية إثارة معارضة داخل المملكة أو إشعال الجبهتين الإيرانية واليمنية، و«يديعوت أحرونوت» تربط تقديم مساعدات عسكرية إسرائيلية مباشرة للسعودية مثل «القبة الحديدية» و«مقلاع داوود»، بمقابل سياسي يتمثل في التطبيع المباشر. أما «فوكس نيوز» فتنقل عن محلل سياسي أن ظهور السعودية إلى جانب نتنياهو لمحاربة مكون يمني قد يكون غير مقبول لشريحة واسعة من المجتمع السعودي، بالنظر إلى مكانة المملكة الدينية، وتلفت «كيكار» إلى أن التعاون السعودي العلني مع «إسرائيل» قد يثير معارضة عربية وإسلامية.
وهكذا تتشكل مفارقة أخرى: السعودية تحتاج إلى مساعدة لا تستطيع الاعتراف بها علناً، وتخشى أن يؤدي كشفها إلى إضعاف شرعيتها الداخلية والإسلامية/ وهذه المفارقة ليست هامشية، بل تضاف إلى جملة الضغوط التي تجعل الخيارات السعودية أمام اليمن أضيق مما تبدو.
الحرب الرقمية… اليمن في مقدمة الاستهداف
التقارير الغربية أثبتت بعداً آخر يثبت أن المواجهة لا تدور فقط في السماء والبحر فتحقيق «سيتيزن لاب» التابع لجامعة تورنتو يكشف عن استخدام شركة «ديسكفر-تك» الإسرائيلية الإعلانات الرقمية لنشر برامج تجسس تجارية تُخترق بها الأجهزة دون أي نقرة من المستخدم، بالتعاون مع شركات مثل «كانديرو» (تحت اسم «إنتيغريتي لابز»). واللافت أن اليمن تصدّر قائمة 161 دولة شملها التحقيق في المزايدات الإعلانية المرتبطة بخوادم هذه المنظومة، وجاء في المرتبة الثانية عالمياً من حيث المزايدات للفرد الواحد.
وقد ظهرت الإعلانات على أكثر من 75 ألف تطبيق و120 ألف موقع، وأن تقارير سابقة لشركة «إي سِت» كشفت عن تركيز كبير على اليمن في هجمات إلكترونية خلال 2020 و2021، نسبتها إلى «كانديرو». وهذا يعني أن اليمن ليس فقط طرفاً في مواجهة عسكرية، بل هدف لعمليات مراقبة وتجسس متقدمة، في إطار حرب معلوماتية موازية، وهذه الحقيقة تضيف بعداً جديداً إلى فكرة الاستنزاف فالاستنزاف لا يقتصر على الصواريخ والاعتراض، بل يشمل أيضاً محاولة اختراق المجتمع وإدارة الرأي والمراقبة.
واشنطن بين الدفاع والانكفاء
«فوكس نيوز» تشير إلى أن لجوء الرياض إلى حلفائها لصد الصواريخ والمسيّرات اليمنية يكشف عن ضعف عسكري يتحول إلى مشكلة لواشنطن، وسط طلب سعودي لمزيد من الصواريخ الاعتراضية، وتذكر أن بريطانيا أرسلت مقاتلات «تايفون»، وأن الولايات المتحدة قدمت دعماً استخباراتياً ومساعدة في تحديد الأهداف، لكنها لم تتجاوز الإجراءات الدفاعية. وتنقل عن الباحث جيسون كامبل أن الحملة الأمريكية على اليمن عام 2025 لم تحقق فوائد استراتيجية حقيقية، محذراً من أن حملة جديدة ستستنزف الموارد وتتطلب أهدافاً أوضح ومساهمات من تحالف أوسع.
وتضيف «فرانس برس» أن الرياض حصلت على دعم من فرنسا وبريطانيا وتركيا وباكستان، لكن هذه الدول مترددة في تجاوز الإجراءات الدفاعية ولا ترغب في نشر قوات على الأرض. وهكذا تتضح صورة التحالف: دعم استخباراتي، ومظلات دفاعية، ومقاتلات، لكن لا أحد مستعد لتحمّل الثمن الأكبر، وفي هذا السياق، تصبح الحماية الأمريكية غير مضمونة في كل الظروف، كما تقول «كيكار» نقلاً عن تحليل «إيكونوميست»، وهو ما يجبر الرياض على إعادة تقييم اعتمادها على واشنطن.
الرياض بين ثمنين
عندما تتحول لغة التقارير الغربية عن الوضع في اليمن من «الحسم» إلى «الاستنزاف»، ومن «القضاء على الجماعة» إلى «لا خيار عسكري حاسم»، فإن ذلك يعتبر كشفاً لخلل أعمق في منطق القوة نفسه فالسعودية لم تخسر لأن سلاحها أقل، بل لأنها راهنت على معادلة لم تعد صالحة: أن كثرة الإنفاق ووفرة المنظومات تعنيان بالضرورة القدرة على الحماية، والواقع أن الصاروخ الذي يُصنع محلياً في اليمن بتكلفة زهيدة، والمسيّرة التي تحلّق منخفضة، والهدف الذي يتوزع على مساحة تتجاوز مليوني كيلومتر مربع، كلها عناصر جعلت التفوق رقماً بلا معنى حين يواجه الاستنزاف.
وهنا يتكشف الدرس الأقسى: الحرب لم تعد تُقاس بمن يملك أكثر، بل بمن يتحمل أطول فالصاروخ الاعتراضي الذي يتجاوز ثمنه أضعاف ثمن الهدف الذي يحاول حمايته، والمخزون الذي يُستنزف في كل اعتراض، والقرار الذي يضطر القادة إلى اتخاذه بشأن ما يُحمى وما يُترك، كلها تعني أن الميزان اختلّ لصالح اليمن الذي يحتاج أقل ولهذا لم تعد «باتريوت» و«ثاد» ضمانة، ولا الغارات الجوية الكثيفة حلاً، ولا التحالفات الخارجية مخرجاً فالحماية التي تعتمد على الآخرين تظل مشروطة بمصالحهم، والدعم الذي يُقدَّم خلف الكواليس لا يُبنى عليه أمن دائم.
لكن الأخطر من كل ذلك أن الكلفة لم تعد عسكرية فقط فحين تُلغى آلاف الرحلات، ويُطلب من موظفي أطول الأبراج العمل من منازلهم «حتى إشعار آخر»، وتُؤجَّل «دافوس الصحراء»، وتُعاد تقييمات المخاطر وأقساط التأمين، فإن ما ينهار ليس جبهة، بل صورة الدولة كفضاء آمن للاستثمار والحياة، و«رؤية 2030» التي أُريد لها أن تنقل السعودية إلى اقتصاد ما بعد النفط، صارت هي نفسها في مرمى الحرب وهكذا يجد ابن سلمان نفسه أمام خيارات لا تشبه الخيارات: حرب استنزاف يكون فيها الخاسر الأكبر، أو غارات محكوم عليها بالفشل، أو تسوية تعزز موقع الخصم وكلها وجوه لمأزق واحد.
ووسط هذا الضيق، يظهر البعد السياسي الأكثر حساسية: التعاون الأمني مع «إسرائيل» الذي يُقدَّم خلف الكواليس، ويُخشى الإعلان عنه، لأنه يصطدم بشرعية الرياض الإسلامية والداخلية. فالسعودية تحتاج إلى مساعدة لا تستطيع الاعتراف بها، وتخشى أن يؤدي كشفها إلى إضعاف موقعها. وهذه المفارقة ليست هامشاً، بل دليل إضافي على أن الرياض لم تعد تتحكم في أدواتها كما كانت تظن.
ومن هنا لا يبقى إلا مخرج واحد لا يمكن تجاوزه: وقف العدوان ورفع الحصار عن اليمن وجبر الضرر، فالمعادلة التي فرضها اليمنيون — «الحصار بالحصار والمطار بالمطار» أصبحت قانوناً للصراع أثبت نفسه، ومن يريد إنهاء التصعيد عليه أن يبدأ بإزالة أسبابه، لا أن يطلب من الضحية أن تتوقف عن الدفاع عن نفسها.
ومن لا يقرأ هذه المعادلة مبكراً، سيجد نفسه مضطراً لقراءتها لاحقاً لكن بثمن أكبر، وعلى طاولة ليست طاولته.
