وثائق الدفاع السعودية تكشف سوءة المحتل: هندسة الهيمنة وتقييم أدوات الارتزاق والعمالة وضبط جودتها

3

ذمــار نـيـوز || متابعات ||
17 أكتوبر 2026مـ – 6 جماد الاول 1448هـ

تتكشف تباعًا حقيقة المشروع الصهيوأمريكي الرامي إلى تحويل الجغرافيا اليمنية الممتدّة على طول الشريط الساحلي لجنوب البحر الأحمر وباب المندب إلى ثكناتٍ عسكرية مغلقة، تدار كليًّا بخيوط صهيونية عابرة للحدود، وهو ما أظهرته بجلاء الوثائق عالية السرية، الصادرة عن وزارة دفاع العدو السعودي والتي حاصلة عليها قناة “المسيرة”، لتزيح الستار عن حجم الإيغال والهيمنة المباشرة التي مارسها العدو في مدينة المخا خاصةً والساحل اليمني الغربي عمومًا.

والمتأمل للمستندات والوثائق والتقارير القادمة من المناطق المحررة، لا تكشف فقط عن هيكلية الاحتلال العسكرية ومنظوماته المختلفة فحسب، بل وتؤكد صوابية وموقف صنعاء الثابت والراسخ في مواجهة هذا التمدّد الاستعماري الوظيفي الذي يستهدف السيادة الوطنية، ويحول أدواته الرخيصة من الخونة إلى مجرد أرقام ووظائف تنفيذية مجردة من القرار، بينما تخوض قوى العدوان صراعًا سريَّا مريرًا لإعادة تقسيم كعكة النفوذ وتطويق الأدوات المحلية والإقليمية المنافسة، من يخدم أمريكا و(إسرائيل) أكثر من الآخر.

تظهر الوثائق التي عثر عليها في بعض المواقع المحررة، أن القاعدة العملياتية المتقدمة التابعة للعدو السعودي في المخا كانت تُدار وفق هيكل تنظيمي متكامل يتضمن 135 وظيفة عسكرية وإدارية، موزعًا على دوائر محورية تشمل العمليات، الاستخبارات، القيادة والسيطرة، الإدارة، الإمداد، الأمن والحماية، بالإضافة إلى خلايا متخصصة للتخطيط والإسناد الناري والاستطلاع والمعلومات، وخلية الاستهداف.

وتُشير الوثائق إلى أن الخديعة الكبرى والصفعة المدوية للتحشيدات المحلية التابعة للعدو السعودي تكمن في أن هذا الهيكل الإداري والقيادي الخاص بإدارة ما يسمى “القوات المشتركة في المخا” خلوٌ تمامًا من اسم أي قائد يمني من المنافقين، حيث تتولى القوة السعودية حصريًّا إدارة تحشيدات المرتزقة وتوجيههم ميدانيًّا.

هذا التجاهل التام والتهميش الممنهج يعكس المفهوم الحقيقي للوصاية والاحتلال؛ إذ تم تجريد قيادات الفصائل المسلحة في الساحل الغربي من أيّ صفةٍ قيادية أو قرار عسكري، مستخدمًا إياهم مجرد واجهات كرتونية وبيادق للتضحية بهم في خطوط النار الأولى، لخدمة أجندات السعودية الشاملة دون أن يمتلكوا حق التدخل في رسم الخطط أو الاطلاع على طبيعة العمليات الحقيقية.

ولم تقف أبعاد السيطرة عند الحدود الميدانية للساحل الغربي، وإنّما كشفت جداول وكشوفات الإلحاق الواسعة التي ضمت 54 ضابطاً و148 من ضباط الصف والأفراد عن استدعاء قوات تخصصية نوعية عالية التأثير، تشمل عسكريي الدفاع الجوي وقوة الصواريخ الاستراتيجية والقوات الخاصة السعودية، لرفد “قاعدة المخا المتقدمة” وخلايا الاستهداف.

ووفقًا للمعطيات؛ فإن الدلالة الاستراتيجية لنشر هذه التشكيلات الصاروخية والدفاعية تكشف عن سعي الرياض لبناء حصن استراتيجي دائم وقاعدة نفوذ عسكرية مستقلة ذاتية الحماية، تضمن لغرفة عمليات العدو الهيمنة الحصرية على الممر البحري الدولي والمجال الجوي لباب المندب، مع حرمان أيّ فصيل يمني من امتلاك أيّ أدوات قوة أو تقنيات استراتيجية قد تسمح له بالخروج عن طاعة ولي النعمة والممول لها.

وما يعزز هذا الارتباط العسكري المعقد هو ما كشفته الوثائق من أن ضباط هذه القاعدة المتقدمة يطالبون بالمباشرة والإلحاق لدى قيادة “قوة شرورة” بقطاع “الوديعة” على الحدود، ما يثبت بالدليل القاطع أن العصب الإداري والعمق التشغيلي الحقيقي الذي يحرك أدوات الساحل الغربي، لا يتواجد في جبهات القتال أو المقرات المحلية، بل يُدار مباشرةً وبشكّلٍ مركزي صارم من غرف العمليات السعودية العابرة للحدود، تحسبًا لأيّ تمرد أو تبدل في الولاءات الميدانية، وهذا ما يؤكّده تواجد أكثر من مائة ضابط وخبير أمريكي في الرياض.

وفي سياق هندسة السيطرة الاجتماعية والسياسية، أبانت المراسلات المعتمدة من قائد القوات المشتركة منتحل صفة عميد ركن سعد محمد القحطاني، عن استحداث قسم خاص لمتابعة الشؤون السياسية والاجتماعية للتشكيلات والقبائل اليمنية، بناءً على طلبات إعداد قاعدة معلومات شاملة تتضمن التركيبة القبلية والاجتماعية، والتوجّهات الدينية، والانتماءات السياسية للمحافظين وكبار المسؤولين والسكان، فضلاً عن تقديم تقارير دورية من هيئة استخبارات القوات المشتركة عن الحالة الاجتماعية والسياسية باليمن.

السلوك الاستخباراتي المكشوف هذا يثبت أن العدوان يمارس حربًا ناعمة وهندسة اجتماعية خبيثة تعتمد على اختراق النسيج القبلي والمجتمعي، وتصنيف القيادات والسكان للاستفادة منها في سياسات “فرّق تسود”، وشراء الولاءات بالأموال السعودية المدنسة، وإخضاع المسئولين والقيادات لابتزاز أمني متواصل يضمن بقاءهم تحت المجهر، وسلبهم القدرة على اتخاذ أيّ موقف وطني مستقل، بما يضمن استدامة الصراع البيني وتفتيت المجتمع اليمني من الداخل.

كما وسّعت الوثائق المكتشفة دائرة الضوء لتكشف طبيعة المواجهة والصراع الخفي وتقييمات السعودية للقيادات المرتبطة بدولة الإمارات في الساحل الغربي قبيل عمليات اندحار التحشيدات، مسلطةً الضوء على الدور المزدوج للمرتزقين من آل عفاش “طارق وعمار”.

وبحسب التقييمات الرسمية لوزارة الدفاع السعودية؛ فإن طارق صالح واصل إدارة العمليات في الساحل بتوجيه مباشر من أبوظبي وبدعمٍ مالي إماراتي متواصل لشراء الولاءات، مؤكّدةً أنه وأخيه عمار يدينان بالولاء المطلق للإمارات ويتلقيان التوجيهات منها، مع الإشارة إلى أن طارق عفاش كان يفتقر تمامًا لأيّ حاضنة اجتماعية أو قبول في أوساط أبناء تهامة.

أمّا في الجانب الأمني؛ فقد وصفت الوثائق عمار عفاش بأنه يفتقر لأيّ قبول شعبي ويمتلك سمعة سيئة للغاية، متهمة إياه بإدارة جهاز استخباراتي سري يُعرف باسم “الوحدة 400” يعمل تحت إشراف ضابط إماراتي يُدعى “أبو خليفة”.

والأكثر خطورة في هذه التسريبات هو كشف التهم الموجهة لعمار صالح بالتورط المباشر في إدارة شبكات لتهريب الأموال والأسلحة لصالح قوات الدعم السريع في السودان، وهو ما يفضح تحويل الساحل الغربي لليمن من قبل شبكات الاستخبارات الموالية للإمارات، ومن خلفها العدو الإسرائيلي إلى قاعدة خلفية لتذليل وتهريب السلاح وإشعال الحروب الإقليمية في المنطقة والقرن الأفريقي، وتأكيدًا على حجم الانحطاط الذي وصلت إليه هذه القيادات التي ارتضت أن تكون خنجرًا مسمومًا في ظهر الوطن والأمة.

اللافت أن جملة هذه الحقائق الموثقة في تلك الكشوفات والتقارير تثبت بصورةٍ لا تدع مجالاً للشك، أن صمت قيادات الخونة والمرتزقة المتواجدين في فنادق الرياض وأبو ظبي، عن هذا التهميش والوصاية والسلوك الاستعماري الاستعلائي، هو ثمرة طبيعية لارتهانهم الكامل لمصالحهم المالية وأرصدتهم بالخارج، وتجردهم الشامل من أيّ مشروعٍ وطني أو كرامة وطنية.

وتبقى صنعاء، بفضل قيادتها الثورية السياسية والعسكرية ووعي شعبها وثبات قواتها المسلحة، الصخرة الصُلبّة التي تتحطم عليها كل هذه المخططات والشبكات الاستخباراتية، والمدافع الأصيل عن سيادة اليمن وثرواته وممراته البحرية ضد محاولات التحويل والإلحاق الخارجي السعودي الأمريكي الصهيوني.