سقوط الوهم في مطار خالد وصنعاء تخرج الرياض من دائرة الأمان

1

ذمــار نـيـوز || متابعات ||
15 أكتوبر 2026مـ – 4 جماد الاول 1448هـ

في العاشر من أكتوبر، توقّف الزمن في مطار خالد الدولي، خلت السماء من الطائرات، وصمتت أبراج المراقبة، وأقفلت الصالات أبوابها على مسافرين هرعوا إلى المخارج، ودخان يتصاعد من المبنى رقم ثلاثة، تحوّل أكثر مطارات المملكة ازدحاماً إلى مبنى تتقاذفه سيارات الإطفاء والإسعاف، في مشهد اختصر سقوط الوهم الذي بنته الرياض على مدى سنوات، وأعلن أن العاصمة التي ظنّت نفسها في مأمن باتت في مرمى الصواريخ اليمنية.

جاء ذلك بعد تحذيرات يمنية صريحة، أُرسلت إلى السعودية وإلى شركات الملاحة الجوية في العالم: أجواء السعودية ومطاراتها خرجت من دائرة الأمان، وعلى الجميع أن يبحث عن مسارات أخرى، كانت القوات المسلحة اليمنية تعلم أن التحذير وحده لا يكفي فالنظام السعودي مليئ بالكبر والغطرسة فكان لزاما من الاستهداف.

وفي المقابل، شنّ العدو السعودي مئات الغارات على العاصمة صنعاء والمحافظات، ظنّاً منه أن النار تُطفأ بالنار، وأن الصوت العالي يُسكت الصوت الأعلى لكن الرد اليمني لم يتأخر، مطار الملك خالد في قلب العاصمة الرياض، إصابة مباشرة، طائرة مدنية تُصاب، والمبنى الثالث والرابع يُخترقا، والمطار يُغلق ثمانية أيام متتالية، وبالتأكيد أن تمديد الإغلاق سيستمر أكثر، لم تُشهد الرياض مثل هذا المشهد منذ عقود، عشرات الشركات العالمية أوقفت رحلاتها، مئات الرحلات أُلغيت في يوم واحد، ثم ارتفع الرقم إلى أكثر من ألف، مطار الرياض تصدّر قائمة المطارات الأكثر اضطراباً في العالم، السفارات الأمريكية والبريطانية والكندية والألمانية والإسبانية والفرنسية والأسترالية والنيوزيلندية والكورية الجنوبية دعت رعاياها إلى الابتعاد عن المطار والمناطق المحيطة به، وإلى إعادة النظر في السفر إلى السعودية.

وكالة سلامة الطيران الأوروبية أوصت شركات الطيران بتجنب أجزاء واسعة من المجال الجوي السعودي، ومجموعة “أوبس غروب” أوصت بتجنب التحليق على جميع الارتفاعات. هكذا تحوّلت أجواء المملكة إلى منطقة محظورة، وباتت الرياض مدينة يُنصح بمغادرتها.

تأثيرات استراتيجية للعمليات العسكرية اليمنية
إثر ذلك جاء ما هو أثقل، دورة ألعاب التنس أُلغيت. القمة الخليجية الأوروبية أُجّلت. مؤتمر “دافوس الصحراء” تأجّل. رؤساء إكسون موبيل وتوتال إنرجيز وشل وبي بي انسحبوا من مؤتمر الطاقة في الرياض. سعر خام برنت قفز أربعة في المئة. مؤشر الأسهم السعودية تراجع، وسهم أرامكو انخفض، وسهما البنك الأهلي والراجحي تلقّيا ضربتين. تقرير تأميني كشف عن خسارة طائرة كاملة وتضرر خمس أخرى بقيمة تقارب ثلاثمئة وخمسة وسبعين مليون دولار.

هذا ما يعنيه أن يُصاب رمز السيادة في القلب: أضرار مادية، وعجز عن حماية المكان الذي يُفترض أنه محصّن، وارتباك يطال الاقتصاد والاستثمار والسمعة والسياحة، صحيفة “وول ستريت جورنال” كتبت أن مخزونات الصواريخ الاعتراضية السعودية بدأت بالنفاد، وأن الرياض اضطرت إلى نقل بطاريات الدفاع الجوي لحماية القصور ومنشآت الطاقة، وأن أجزاء من العاصمة أصبحت أشبه بساحة معركة. “الإيكونوميست” قالت إن السعودية لا تملك خيارات جيدة. دولة أعلنت عجزها عن حماية سمائها.

سيطرة يمنية كاملة على الأجواء السعودية
وفي الثالث عشر من أكتوبر، ارتكب العدو السعودي خطأً فادحاً. بعد أن عجز عن مواجهة الصواريخ اليمنية، لجأ إلى الحرب النفسية، فأعلن أنه سيستهدف شركة النفط اليمنية في الصباحة بالعاصمة صنعاء، ونشر صوراً تحذيرية لإخلاء المنطقة، على النمط الذي يتبعه العدو الإسرائيلي في غزة. ظنّ أن التهديد يُخيف، وأن الصور تُرهب، وأن اليمنيين سيرفعون الرايات البيضاء. لكن الرد جاء بعد دقائق: القوات المسلحة اليمنية أعلنت أنها سترد، وحدّدت ثلاثة أهداف بالاسم: أرامكو الظهران، ومطار خالد الدولي في الرياض، ومصفاة أرامكو في الرياض. أعلنت قبل أن تنفّذ، وسمّت قبل أن تضرب. هذا هو الفارق بين من يهدّد ليتفاوض، ومن يهدّد لينفّذ.

وما إن استهدف العدو شركة النفط في صنعاء حتى انطلقت الصواريخ اليمنية، فأصابت الأهداف الثلاثة، واشتعلت النيران في الظهران، وتضررت الطوابق الثلاثة العليا من مقر أرامكو، واضطر العدو إلى إخلاء المبنى، وإلى إعلان أن موظفي أرامكو سيعملون من المنزل. رويترز نقلت عن مصادرها أن الأضرار جسيمة، ووزارة الطاقة السعودية أعلنت عن الحريق بنفسها. والرسالة وصلت واضحة: من يمسّ صنعاء، تُحرق عاصمته.

المهم في هذا كله أن اليمن أعلن ما سيفعل، ثم فعل. هذا هو معنى الثقة، حين تعلن القوات المسلحة اليمنية أن الأجواء السعودية غير آمنة، فإنها تعلم أن صواريخها تصل، وحين تعلن أنها ستستهدف مطارات ومنشآت نفطية، فإنها تعلم أن منظومات الاعتراض الأمريكية التي زُوّدت بها السعودية لن تحميها، وحين تحدّد ثلاثة أهداف بالاسم، فإنها تعلم أنها ستصيبها، وهذا ما حدث بالفعل، بشهادة رويترز ووزارة الطاقة السعودية وصور الأقمار الصناعية. الصواريخ اليمنية تجاوزت كل أنظمة الحماية، ووصلت إلى الأهداف التي أُعلنت مسبقاً، وأشعلت فيها النيران، بهذا المعنى، تحوّلت الدفاعات الجوية السعودية إلى منظومة عاجزة، وتحوّلت السماء السعودية إلى ساحة مفتوحة للأسلحة اليمنية.

حرائق ترصدها الأقمار الصناعية
صور الأقمار الصناعية وثّقت ما جرى، في بقيق، إشارات حرارية عالية الشدة عبر البنية التحتية، وسحب كثيفة من الدخان تنتشر، وحرائق غاز في محطة ضخ خط الأنابيب وفي المصفاة، في خريص، النيران مستمرة والدخان يتصاعد، وفي رابغ، أضرار في خزانات الوقود، وخزان دُمّر بالكامل، في الرياض، خزان تخزين مدمر وبقعة داكنة تشير إلى تسرب نفطي، في مطار الملك خالد، ثقب في سقف مبنى الركاب الثالث والرابع، في مطار الملك فهد بالدمام، أضرار في سقف المبنى الرئيسي، هذه خرائط خسائر موثّقة بالأقمار الصناعية، لا يستطيع أحد إنكارها.

انكماش الاقتصاد السعودي
بعد كل هذا، ماذا تقول “وول ستريت جورنال” عن اقتصاد السعودية؟ تقول إن الحرب تهدد بدفعه إلى الانكماش، وإن عجز الموازنة يتسع، وإن الإنفاق الدفاعي وتكاليف البنية التحتية تستنزف الأموال اللازمة لتنويع الاقتصاد، وإن عدداً من المشاريع الكبرى التي أطلقها بن سلمان توقف، وإن الرياض تخلّت عن خطط استضافة الألعاب الآسيوية الشتوية لعام 2029، وإن الاستثمار الأجنبي انخفض خلال الربعين الأول والثاني، وإن القطاع غير النفطي انكمش.

و”ديلي ميل” كشفت أن محمد بن سلمان يتنقل خفية بين القصور، ويعمل على إخفاء نفسه خوفاً من الصواريخ اليمنية، و”وول ستريت جورنال” نقلت أنه يتنقل بين “قصور شديدة الحراسة ومجهزة بمخابئ”، ويحميه فريق أمني اختير أفراده بعناية، هذا هو الرجل الذي يتحدث عن رؤية 2030 وعن السعودية الجديدة، يختبئ في مخبأ تحت الأرض، ويهرب بطائراته من مطار الرياض إلى المدينة المنورة، ويخشى أن يصله صاروخ يمني واحد.

تصعيد يمني بلا حدود
اليمن خاض خلال الأيام الماضية معركة كاملة. استهدف مطار الملك خالد مرات عدة، ومطار الملك فهد في الدمام، ومطار نجران، والقاعدة الجوية في خميس مشيط، ومحطة شقدم الغازية، ومعمل تناجيب النفطي، وأرامكو الظهران، ومصفاة الرياض، أسقط طائرة استطلاع مسلّحة من نوع “وينق لونق 2”. أصاب طائرة “تايفون” في أجواء صعدة، استهدف تحشيدات العدو في رأس العارة والسقيا والمضاربة، ضرب مقر عمليات حربية في قصر المعاشيق بعدن، وفي كل مرة، كان يعلن قبل أن ينفّذ، ويسمّي قبل أن يضرب، وهذا سلوك قوة واثقة، لا سلوك طرف يبحث عن مخرج.

وهذه هي المعادلة التي فرضها اليمن: الحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد، والمطار بالمطار. معادلة باتت واقعاً يسقط على الأرض في الرياض والدمام والظهران ورابغ وبقيق وخريص.

الشعب اليمني، الذي صمد اثنتي عشرة سنة تحت الحصار والغارات، يرى اليوم ثمرة صموده، يرى مطارات العدو مغلقة، ومنشآته النفطية مشتعلة، واقتصاده ينزف، وولي عهده يختبئ. يرى أن الدم الذي سال، وأن الأطفال الذين قُتلوا، وأن الحصار الذي خُنق به، لم تذهب هدراً، وأن الحقوق تُنتزع بالقوة حين يغلق العدو أبواب السلام، هذا الشعب الذي عانى كل شيء، يعرف أن الكرامة تُبنى بالصبر والصمود والصواريخ الدقيقة.

ما جرى خلال الأيام الماضية يفوق ما جرى خلال سنوات، عشرات الشركات العالمية أوقفت رحلاتها، مجال جوي كامل أُعلن غير آمن، قمم ومؤتمرات وبطولات أُلغيت، رؤساء شركات نفط عالمية انسحبوا، سوق مالية اهتزت، ولي عهد يختبئ، واقتصاد يتجه إلى الانكماش، كل ذلك لأن اليمن قرّر أن يرد، وأن يعلن ما سيفعل، وأن ينفّذ ما أعلن، وهذا هو الفرق بين من يهدّد ويعجز، ومن يهدّد ويُنفّذ.