صدق الكلمة في مواجهة التضليل.. كيف هزم الميدان شاشات الفتنة والإرجاف؟
ذمــار نـيـوز || تقارير ||
13 أكتوبر سبتمبر 2026مـ – 2 جماد الأول 1448هـ
تقرير || عباس القاعدي
يتجسد التزام الإعلام المهني حينما يتحلى بقمة الانضباط، والحرص على نقل الواقع وتوثيق اللحظة بالصوت والصورة، حيث يغدو متسلحاً بالمصداقية وثقة المتابعين والنزول الميداني المباشر، حيث أن هذا الأداء الكُفءُ يسقط أهداف الأعداء في التضليل والإرجاف، أمام حقائق واقعية دامغة يصعب تكذيبها أو تزييفها.
بالإضافة إلى أن الإعلام الصادق صاحب المصداقية يملك القدرة على إجبار العدو على الاعتراف بالهزيمة والفشل، وهو ما يتحقق بفضل الله؛ حيث يضطر الأعداء في كثير من المحطات والاستحقاقات للتحسر والاعتراف بالفشل، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
وخلال الأيام الماضية، ربما تابع الجميع ما أُشيع عن انتصارات كاذبة ومزعومة وتقدمات حققها العدو السعودي وأبواقه عبر تحشيد واسع وسريع على منصات التواصل الاجتماعي وبعض القنوات الفضائية—ولا سيما قناتي “الجزيرة” و”العربية”، حيث أثاروا ضجيجاً كبيراً وادعوا قطع المسافات واستعادة المخا وباب المندب وذباب، وزعموا أن المواطنين في الخوخة قد فروا وأصبحت المنطقة خاوية على عروشها.
إن من لا يعرف حجم الانكسار النفسي للنظام السعودي ومأجوريه هذه الأيام، ولا يدرك أسلوبهم في محاولة الهروب من الواقع المخزي بالتعلق بأي قشة، قد يتخيل أن أوهامهم حقائق وأن سرابهم إنجازات؛ ونتيجة لهذا الكبت والانكسار، تنفلت مشاعرهم المحبطة لتتحول إلى إفرازات على وسائل التواصل الاجتماعي في صورة تقدمات وهمية وتهديد ووعيد، صانعين بذلك انتصاراً افتراضياً لا أساس له.
ومن لا يعرف وضع آل سعود ونفسياتهم وطبيعة أدائهم الإعلامي، قد يظن أن ما ينشرونه يجسد الحقيقة على الأرض، بينما الواقع الميداني مختلف ومغاير تماماً؛ وعلى الرغم من أن ذلك الضجيج والوهم والإرجاف يُعد من سلبيات الفضاء الإلكتروني، إلا أن من إيجابيات هذا الإعلام السريع أنه سرعان ما يفضح الكذب ويكشف الزيف، فلا يصح في النهاية إلا الصحيح ولا تبقى إلا الحقيقة.
تابع العديد من الناشطين والمهتمين ما سُمي بـ “حفلة الإعلام السعودي” الأيام الماضية، حول الحسم والانتصار المزعوم؛ حيث يحرص هؤلاء الناشطون وغيرهم على متابعة كل جديد أولاً بأول، نظراً لأهمية الحدث اليمني الذي يحظى بالأولوية والمتابعة المستمرة لرصد المواقف والأحداث.
وكما هو معلوم، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي الأكثر سرعة في نقل الأحداث والأخبار، وكذلك الشائعات، حيث غدت هذه المنصات بمثابة سوق مفتوح وسيع؛ تتداخل فيه الأصوات وتتناقض فيه الآراء، ويسعى كل طرف فيها إلى إعلاء صوته وفرض حضوره.
وفي هذا السياق، استأجر العدو السعودي بعض الأدوات ونفّذ حملة مفبركة وكاذبة وفق مخطط صهيوني؛ إذ قامت تحشيدات العدو بشن هجوم فاشل عبر إحدى الثغرات باتجاه مطار ذباب، الذي يبعد مسافة غير قليلة عن المدينة، وكان المخطط يقتضي أن يتزامن هذا الزحف مع إطلاق حملة إعلامية قائمة على الإرجاف والتهويل والتضخيم، بهدف تحويل الفشل الميداني إلى انتصارات وهمية.
إن الهدف من هذه الحملة يعود إلى الوضع المأزوم للعدو السعودي الذي يعيش تحت وطأة الفضيحة والانكسار، وكان بحاجة ماسة إلى “جرعة نصر” ولو في العالم الافتراضي، تنعشه وتمنحه ولأدواته بعض التماسك والتعافي.
وميدانياً، لم يقتصر تحرك العدو السعودي وتحشيداته، على زحف المدرعات ومجاميع التكفيريين فحسب، إنما كان بغطاء جوي كثيف؛ حيث اعترف ناطق العدو السعودي بأن العملية تمت بمشاركة مئة طائرة، وتحت هذا الغطاء الجوي المكثف، تقدم العدو من خلال ثغرة صغيرة مسافة صغيرة، نحو مطار ذوباب الذي لم تكن فيه سوى حراسة عادية، واستغل ذلك ليرتكب جرائم حرب بحق عدد من الأسرى.
وهناك علق العدو وتصدى له رجال الله؛ إلا أن العدو السعودي وأتباعه من المرتزقة سارعوا للتعامل مع هذا الخرق المحدود وكأنه حسم عسكري كامل، مروجين في حملة إعلامية مزيفة أنهم سيطروا على ذباب وباب المندب والمخا.
وما زاد من “سكرة” مرتزقة السعودية على وسائل التواصل الاجتماعي الأيام الماضية، هو انتقال تلك الأكاذيب إلى القنوات الفضائية التي تُعد أكثر رسمية، ويفترض بها أن تتحرى الدقة والمصداقية كي لا تسقط مهنياً وتفقد سمعتها أمام المتابعين؛ فالمعروف أن الكذب حين ينكشف يترك فضيحة مدوية تؤدي إلى انعدام تام للثقة.
وعادة ما يكون الإعلام الرسمي والقنوات الفضائية أكثر اتزاناً وانضباطاً وحرصاً على المصداقية مقارنة بمنصات التواصل، لأن سقوط أي مؤسسة إعلامية في فخ الكذب الفج أو التزوير المكشوف يُعد سقطة كبرى بحقها.
وبطبيعة الحال، فإن الاعلام السعودي، كله إعلام نفاق وتزييف، والخداع والتضليل بات يُمارس بحرفية ومغالطة تكاد تمنع المتابع العادي من اكتشاف كذب القناة، ولا يفطن لذلك إلا القلة ممن يمتلكون الدراية والوعي والمعرفة.
وبالتالي، يطالعنا الإعلام السعودي الرسمي بأنباء تتحدث عن سيطرة العدوان على المخا، زاعماً أن منطقتي ذباب وباب المندب أصبحتا تحت سيطرته، وما يلفت الانتباه حقاً هو أن الإعلام السعودي بات منكشفاً وساقطاً، ولم يعد يتمتع بأي قدر من احترام الذات، ليعكس بذلك ما تعيشه أسرة آل سعود من إفلاس وسقوط مهني وقيمي وأخلاقي؛ إنه إعلام بلا قضية، وأضحى إعلاماً صهيونياً ناطقاً باللغة العربية، ومن يتابعه يدرك تماماً حجم الكذب والسقوط السحيق الذي وصل إليه.
ولأجل الاستثمار وإيصال رسالة مضللة، استعرضت قناتا “العربية” و”الحدث” بعض المقاطع الكاذبة التي لا تمت للواقع في المخا بأي صلة، وذلك بغرض رفع معنويات المرتزقة وقادة آل سعود الذين يبحثون يائسين عن أي “انتصار”.
لقد كانت المسألة بأكملها مهندسة بحيث يتزامن الزحف الميداني مع الضجيج الإعلامي؛ فإذا حدث أي تأخر أو تعثر أو فشل في الميدان، يتم التغطية عليه بانتصارات وهمية في العالم الافتراضي لتحقيق عدة أهداف: أولها شن حرب نفسية قائمة على التخويف والإرجاف ضد أبناء المناطق التي يسعون لاستهدافها، وبالتحديد المخا وذباب، والهدف الثاني هو محاولة رفع معنويات ابن سلمان وبقية أدوات السعودية، نظراً لحالتهم الصعبة والمزرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وما سبق من محاولات للعدو ميدانياً وافتراضياً، لم تكن مجرد “هضربة” إعلامية فحسب، وإنما الحقيقة تؤكد أن العدو كان يتجهز ويستعد منذ أن اندحر من آخر نقطة في باب المندب؛ وعلاوة على ذلك، لم يكن العدو السعودي وحده؛ فبعد سقوط أدواته ومرتزقته في الساحل وهزائمهم في مأرب والجوف والبيضاء، بدا النظام السعودي منهاراً، مشلولاً، ومستنزف الأعصاب كمن افتُضح أمره.
ومن قام بالإشراف الفعلي على العملية التي أسموها “فجر اليمن” ورتّب لها لم يكن السعودي، وإنما كان الإخراج باسمه فقط، بينما كان العدو الصهيوني هو المشرف الحقيقي، وقد تجلى ذلك في الزيارة السرية للمجرم نتنياهو إلى الإمارات، حيث كُشف النقاب عن اجتماعه بعدد من الدول العربية، وعلى رأسها وفد سعودي، وفي اليوم التالي لاجتماع المجرم نتنياهو بقادة دول الخليج وعدد من الدول العربية المطبعة، توجّه منصور بن زايد—نائب محمد بن زايد—إلى السعودية والتقى بوزير الدفاع السعودي.
ولهذا، كانت العملية مخططاً لها على مستويات كبيرة؛ فـ “الإسرائيلي” حاضر، والأمريكي والبريطاني والفرنسي حاضرون، فضلاً عن دول خليجية أخرى إلى جانب السعودية، وكانت لحظة الصفر تنطلق بإعلان المرتزق العليمي عما أسموها “عملية فجر اليمن”.
وكان الهدف الأساسي للعملية فعلاً هو السيطرة على باب المندب وذباب والمخا كمرحلة أولى، وعليه جاء إعلان السيطرة المسبق على هذه المناطق قبل أن يتحقق ذلك على الأرض، ولذلك لم تكن تلك المبالغات عشوائية، بل تم التنسيق مع الآلة الإعلامية لتواكب العملية وتتحدث عما وُعد بتحقيقه، ليتحول الأمر في النهاية إلى فضيحة مدوية في الإعلام وفشل ذريع في الميدان.
أمّا قناة “الجزيرة”، فقد حققت هي الأخرى انتصارات كاذبة ومزيفة؛ ونظراً لأن الحرب والعدوان على اليمن يخضع لإدارة وأهداف أمريكية، فإن كل تلك الأدوات تتوحد وتتكامل، ولم يعد المتابع يقوى هذه الأيام على التمييز بين الأخبار والتغطيات التي تبثها قناتا “العربية” و”الحدث” وبين ما تعرضه قناة “الجزيرة”، رغم ما بين الطرفين من خلافات وتباعد في ملفات أخرى.
وسر هذا التناغم يعود إلى أنه يتم إدارتهم من غرفة عمليات واحدة تابعة للعدوان السعودي الصهيوني؛ حيث تصلهم التوجيهات والتعميمات والموجهات الإعلامية من شاشة إدارة واحدة ملتزمة بالتنفيذ؛ وفي الوقت الذي يُسمح فيه لهذه القنوات بالاختلاف والتمايز في ملفات لا تمس المصالح الأمريكية والإسرائيلية، تلتزم جميعها بالخط الموجه ذاته فيما يتعلق بهذا العدوان، وهو ما يفسر السقوط المخزي لقناة “الجزيرة”.
ورغم ذلك، فإن الإعلام القطري ينظر إلى الإعلام السعودي “العربية” و”الحدث” باعتباره إعلاماً فاشلاً يفتقر للمصداقية والتأثير، محتقراً أداءه ومقارناً إياه بما يمتلكه من إمكانات إعلامية، وبالتالي، بات قدر اليمن والشعب العظيم أن يكون الساحة التي تفضح كل الأفاكين، وتكشف وتسقط كافة العملاء في مختلف المجالات والميادين، بما فيها الميدان الإعلامي.
فاليمن، بمهنية إعلامه وجهاته الرسمية، وبصدق أخباره وثبات مجاهديه، يثبت دوماً أن تلك الأدوات الإعلامية ليست سوى وسائل ساقطة تعمل لخدمة المشروع الأمريكي-الإسرائيلي على حساب العرب والمسلمين وقضاياهم الأساسية والمصيرية، وفي مقدمتها قضية فلسطين.
هناك العشرات من المشاهد والمقاطع المصورة التي نشرها ناشطون ومواطنون، والتي فُضح بها زيف الإعلام السعودي والإعلام القطري وبقية الأبواق الممولة، حيث نسخت تلك المشاهد ادعاءات تلك الوسائل وكشفت تضليلها للرأي العام.
لذلك، حين نتأمل الفرق الشاسع بين الحقيقة والزيف؛ فإننا نلمس بوضوح التباين بين قناة “المسيرة” بما تمثله من شعار “صدق الكلمة”؛ وبين قناة “الجزيرة” وبقية وسائل إعلام الأنظمة الخليجية المتصهينة، وعلى رأسها إعلام النظام السعودي الخائب والبائس.
ففي المجال الإعلامي كما في غيره، لا تُقاس المسألة وحجم التأثير بالإمكانات المادية الضخمة فحسب؛ فإن لم تكن صاحب قضية عادلة ومصداقية راسخة، فلن تنفعك تلك الإمكانات الهائلة التي تمتلكها هذه القنوات، فحين تنعدم المصداقية وتُسلب الأمانة، لا يعود أحد يصدق ما تبثه تلك الوسائل، باستثناء من يرتبط بمصلحة مباشرة مع كذبها وتزيفها.
وبطبيعة الحال، يميل جمهور العدو إلى التفاعل مع أخبار قناتي “الجزيرة” و”العربية” لأنهم يتوقون ويتطلعون لرؤية تلك الإنجازات والتقدمات الوهمية تتحقق على أرض الواقع؛ أما المتابع المحايد أو الجمهور العام، فسرعان ما يفقد الثقة بأسلوب هذه المؤسسات الإعلامية.
ولعل خير مثال على ذلك، الفضيحة التي طالت خبر قناة “الجزيرة” التي استعرضت مشاهد من العاصمة صنعاء لإثارة الإرجاف والتضليل بشأن الأوضاع في المخا، وفي السياق ذاته، عرضت قناة “العربية” مقطعاً كاذباً ادعى فيه أحد المرتزقة تواجده في المخا، داعياً المتابعين للتعرف على الشارع الذي أُلتقط فيه المقطع، بينما يبدو أنه هو نفسه لا يعلم أين يقع ذلك المكان.
إن إعلاميي قنوات الخليج مجرد موظفين مأمورين يقتصر دورهم على تنفيذ ما يُطلب منهم دون نقاش؛ فلا تهمهم المصداقية في نقل الأخبار، ولا ينشغلون بالمعايير المهنية، إذ إن كل من يحترس لمهنيته ويرعى سمعته الصحفية لا يمكنه الاستمرار بالعمل في مثل هذه الوسائل الإعلامية.
ونستحضر في هذا السياق موقفٌ إعلامي مصري حر كان يعمل في قناة “العربية” عقب اندلاع أحداث الربيع العربي؛ حيث اكتشف أن القناة لا تريد منه سوى التحامل والحديث ضد بلده مصر، والتعاطي معه كأنه أداة بلا موقف أو قناعة يُملى عليه أداء كلام يخالف ضميره ووطنيته.
وفي الوقت ذاته، يُحظر عليه وعلى غيره الحديث عن أمراء آل سعود أو التطرق لأي قضية داخلية تخص السعودية، إلا أنه فاجأ إدارة القناة بتقديم استقالته على الهواء مباشرة رفضا للارتهان والتضليل.
هذا الإعلامي المصري هو “حافظ الميرازي”، وكان يعمل في قناة “العربية” عام 2011م، مع اندلاع أحداث ما يسمى بـ “الربيع العربي”، في ذلك الوقت وقبل قدوم “السيسي”، وجد “الميرازي” أن الإعلام المصري بدأ يشهد نوعاً من الحرية والانفتاح.
ومن موقعه في قناة “العربية”، طرح سؤالاً جوهرياً: لماذا يُسمح لهذه الوسائل الإعلامية في دول الخليج سواء “الجزيرة” أو “العربية”، بالتحدث ضد الدول العربية وتوجيه ثورات الربيع العربي، بينما يُحظر عليها منعاً باتاً التطرق لأي شأن داخلي في السعودية؟
وأمام ذلك النفاق الإعلامي والمزدوج، راجع الإعلامي نفسه متسائلاً عن كيفية مواجهة هذا الإعلام الموجه لتخريب البلدان العربية، في حين تُحاط تلك الممالك بالخطوط الحمراء ويُمنع فيها تناول أي قضية داخلية أو حقوقية.
وأكد أن الإعلاميين ليسوا مجرد “دمى”، بل أصحاب ضمير وموقف وهوية وشخصية؛ وعلى أثر ذلك، قرر الميرازي كسر المحرمات والخطوط السعودية على الهواء مباشرة، وتحدث بما لم تكن إدارة القناة ترغب في سماعه، فارضاً كلمته وموقفه قبل أن يعلن استقالته المشروطة.
وتساءل الإعلامي المصري في قناة “العربية” عن السبب الذي يجعل الإعلام السعودي يناقش الشأن الداخلي المصري ويهاجم حكام مصر، بينما لا يُسمح له كمواطن مصري يعمل في ذات القناة؛ بأن يتحدث عن الملك السعودي أو عن أي أمير أو مسؤول في المملكة.
وكان هذا الطرح بمثابة “خروج عن النص” قدمه الإعلامي على الهواء مباشرة؛ ونظراً لبث البرنامج مباشر، لم تتمكن القناة من إيقافه أو قطع حديثه، إلا أن الإعلامي كان قد اتخذ قراره وحسم قناعته بالاستقالة، في حال رفضت إدارة قناة “العربية” السماح له بمناقشة القضايا والمشاكل الداخلية للسعودية، أسوة بما تفعله وتفرضه القناة ضد بقية الدول والشؤون العربية.
هكذا كان انطباع وردّة فعل الكثير من الناشطين والمتابعين الذين يرقبون الأحداث عن كثب ويعيشون تفاصيلها، حتى وإن لم يكونوا في صف صنعاء؛ حيث أحدثت صدمة انكشاف الكذب والتضخيم حالةً من الذهول، فلم يعودوا قادرين على استيعاب كل هذا الزيف والنفاق الإعلامي.
وإذا كانت قناة “العربية” قد سقطت مهنياً على لسان أحد أبرز كوادرها السابقة، الإعلامي حافظ الميرازي، فماذا عن قناة “الجزيرة”؟ تلك القناة التي يرى سياسيون أنها تشكل خطورة بالغة على الشعوب العربية لما تمتلكه من قدرة عالية على التوجيه والسيطرة على العقول، متجاوزة بأثرها حدود الفتنة؛ وإلى الآن، لا يزال البعض يجهل خطورة الإعلام القطري الذي يستطيع صناعة تيارات فكرية وسياسية وتوجيه المنطقة برُمتها، وبدوران تفوق في أحيان كثيرة تأثير مؤسسات بحجم “البنتاغون”.
وفي هذا السياق، يتحدث المفكر والراحل “أنيس النقاش” بوعي وإدراكٍ عميقين حول الغاية والأسباب التي أُسست من أجلها قناة “الجزيرة”، وتتجلى هذه الأبعاد بوضوح في المشهد اليمني؛ حيث يُطرح البعض السؤال عن مصلحة قطر، والدافع وراء تسخير هذه القناة لمسانده العدوان على اليمن في هذه المرحلة بالتحديد.
إن قناة “الجزيرة” باتت تعتمد سياسة “الكذب الاستباقي”، ولم تعد تتعاطى مع الحدث اليمني كواحدة من الوسائل الإعلامية التي تنقل الأخبار وتتثبت من الدقة والمصداقية، بل أضحت تتصرف وتتحدث وكأنها إحدى القنوات التابعة لأدوات السعودية، ممارِسةً دوراً أيديولوجياً من موقع معادي وسافر يتضمن الاختلاق المباشر للأحداث.
ويُستخدم الأداء الإعلامي القطري، لغايات وأهداف متعددة؛ وعلى الرغم من أنه قد يضلل بعض الجمهور العربي، أو يساهم مؤقتاً في رفع معنويات العدو السعودي ومرتزقته، إلا أنه عاجزٌ تماماً على أرض الواقع؛ فلا “الجزيرة” ولا غيرها قادرة على زعزعة ثبات ورسوخ الرجال في الميدان، أو إحداث أي تغيير في المعادلة الميدانية القائمة على الأرض.
إن ما يجري في اليمن من عدوان وتآمر يستهدف هذا الشعب العظيم ينطوي على حكمة إلهية؛ تجلت في فضح المجرمين والمنافقين، وإسقاط الأبواق المتصهينة وتعرية حقيقتها؛ ولهذا السبب، بات العالم العربي والإسلامي يدرك يقيناً مَن الذي ناصر غزة التي تتعرض للذبح منذ أكثر من ثلاث سنوات، ومَن الذي انتصر لفلسطين والمسجد الأقصى، مؤكدين أن صاحب الموقف هو من يقف على الحق.
وعليه، تتجلى الحكمة الإلهية في ضرورة قيام الجميع بالواجبات والمسؤوليات المنوطة بهم، سواء في الجانب الإعلامي أو العسكري أو في كافة الميادين؛ إذ يتوجب على كل فرد أن يتولى مهامه ومسؤولياته، فيما يتكفل الله سبحانه وتعالى بخلع وإسقاط هؤلاء المستكبرين.
وبالتالي؛ فإن الأعداء والمرتزقة، يتوهمون أن قناة “الجزيرة” لديها خبرة عريقة قادرة على حسم المعارك لصالحهم كما فعلوا سابقاً في العراق، لكن ثمة فارقاً جوهرياً بين قضايا الشعوب الحرة والمظلومة التي تستند إلى المصداقية والمظلومية والقضية العادلة، وبين القضايا المفتعلة والمبتدعة؛ وبالتالي؛ فإن العاقبة بالنسبة لنا للمتقين.
