أبرز محطات شهيد الإسلام والإنسانية السيد حسن نصر الله من الربيع العربي وحتى طوفان الأقصى
ذمــار نـيـوز || تقارير ||
28 سبتمبر 2026مـ – 17 ربيع الثاني 1448هـ
تقرير || عباس القاعدي
شهدت أحداثُ عام 2011م مشهدًا مفصليًا في تاريخ المنطقة العربية مع اندلاع ما يسمى مظاهرات “الربيع العربي” انطلاقًا من تونس، والتي سرعان ما امتدت شرارتها المطالبة بإسقاط الأنظمة والحكام، لتشمل مصر واليمن وسوريا وليبيا والسودان.
وفي خضم تطلعات الشعوب نحو التغيير، برز المخطط الأمريكي الإسرائيلي للالتفاف على هذه التظاهرات واختطاف مسارها وركوب موجتها، لتأتي سوريا في مقدمة الدول المستهدفة أمريكيًا وإسرائيليًا؛ نظرًا لموقعها المحوري وموقفها الداعم لحركات المقاومة في فلسطين ولبنان، وحينها تحولت المظاهرات السلمية إلى مواجهة مسلحة، وفق مخطط أمريكي وتمويل سعودي وقطري، لتفكيك الدولة السورية واستهداف بنيتها الشعبية والعسكرية؛ وسرعان ما اتسعت أعمال العنف وخارطتها، لتشمل إدخال عدد كبير من التكفيريين الذين تم جلبهم من مختلف بلدان العالم تحت مسمى “مساندة الثورة”، وفي قلبِ هذه العواصف، برزت مواقفُ ورؤى الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، كبوصلةٍ سياسية وجُبهةٍ إسنادٍ مبدئية خَاضَت المواجهة على مختلف الساحات.
احتواء أحداث سوريا وإسقاط مخطط التدمير
وبوعيٍ لحقيقة وخطورة المخطط الأمريكي الإسرائيلي ضد سوريا، ومنها لاستهداف القضية الفلسطينية والمقاومة في لبنان، تحرك أمين عام حزب الله للمساعدة في احتواء الأحداث المتصاعدة.
ودعا إلى أمن واستقرار وسلامة سوريا؛ نظامًا وجيشًا، كما دعا السوريين إلى الحفاظ على بلدهم، وعلى نظامهم المقاوم والممانع، وأن يعطوا المجال للقيادة السورية بالتعاون مع كل فئات شعبها لتنفيذ الإصلاحات المطلوبة، وأن يختاروا طريق الحوار وليس الصدام.
وفي الوقت نفسه، لم يشكك أمين عام حزب الله في أحقية وصدقية المطالب الشعبية السورية؛ حيث قدم النصح لنظام الأسد لبدء إصلاحات تستجيب لمطالب وتطلعات الشعب السوري، وتحافظ في ذات الوقت على أمن واستقرار سوريا، وتقطع الطريق أمام التدخلات الأجنبية، مؤكدًا على التعاون مع السوريين، وأن مصلحة سوريا هي مصلحة لبنان، ومصلحة الأمة العربية والإسلامية.
وعلى الرغم من جهود السيد حسن نصر الله وصدق مساعيه، إلا أن الهدف الأمريكي والإسرائيلي كان واضحًا، وهو ركوب الأحداث واستغلالها وتأجيجها بهدف تدمير سوريا والتخلص من دورها في دعم القضية الفلسطينية ومساندة حركات المقاومة.
وأمام التدفق الكبير للعناصر التكفيرية إلى سوريا من مختلف بلدان العالم، بتمويل سعودي وقطري، وبدعم وتسهيل تركي، وبرعاية أمريكية، قرر أمين عام حزب الله عدم البقاء مكتوف الأيدي؛ فالمؤامرة واضحة، وليس الهدف سوريا لوحدها، وإنما لدورها، وبالتالي فإن سقوط دمشق يمس بشكل جوهري أمن لبنان، ويضعف القضية الفلسطينية التي يسعى الأمريكان والصهاينة إلى تصفيتها والقضاء عليها.
فطل شهيد الإسلام بإطلالته البهية والمشرقة، موضحًا في خطابه أن أمريكا والغرب وأدواتهم في العالم العربي قاموا باستغلال مطالب محقة للشعب السوري، وأدخلوا سوريا من خلال تلك المطالب في أتون حرب، ومنعوا السوريين من الحوار، وكذلك كل المعارضات ومنها الوطنية؛ لأنه ليس المطلوب في سوريا إصلاحًا، وإنما المطلوب تدمير سوريا، وتدمير جيشها وشعبها وتفتيته وتمزيقه.
ونجح حزب الله والجيش السوري في إفشال المؤامرة الأمريكية الإسرائيلية لإسقاط سوريا، وكان للجمهورية الإسلامية في إيران دور حيوي في دعم الجيش العربي السوري، وبحلول سبتمبر 2016م نجحت القوات السورية وحلفاؤها في حسم المعارك بتحرير مدينة حلب ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية.
وأمام الفشل العسكري، لجأت أمريكا إلى سياسة العزل والعقوبات الاقتصادية ضد سوريا، في ظل الواقع المأساوي الذي خلفته سنوات الحرب والصراع مع الجماعات التكفيرية والمسلحة المدعومة من الدول الخليجية النفطية برعاية أمريكية.
التضامن التاريخي وكسر عزلة الصمت
وفي يوم 26 من شهر مارس في العام 2015م، شن التحالف السعودي الأمريكي عدوانه على اليمن، وعمد إلى ارتكاب المجازر ضد المدنيين في العاصمة صنعاء ومختلف المحافظات. وهنا تتجلى الحقيقة؛ حيث تشابهت أساليب الحرب والعدوان السعودي الأمريكي على الشعب اليمني مع جرائم العدو الإسرائيلي، وذلك من خلال استهداف البنى التحتية وارتكاب المجازر ضد المدنيين عن سبق إصرار وتعمد، في محاولة لكسر إرادة اليمنيين وإجبارهم على الاستسلام.
وبالإضافة إلى العدوان السعودي، كانت هناك حملات إعلامية واسعة وممنهجة هدفت إلى حجب الصورة الحقيقية، والتغطية على الجرائم الواسعة التي يرتكبها تحالف العدوان ضد الشعب اليمني، وفي ظل غياب النصير وشعور اليمنيين بالمرارة والوحدة والخذلان، أنبري السيد حسن نصر الله ليقول كلمة الحق والصدق والتضامن مع الشعب اليمني الذي يتعرض للعدوان الظالم.
وبعد مرور قرابة العشرين يومًا على العدوان الأمريكي السعودي على اليمن، أطل الأمين العام لحزب الله في كلمة تضامنية تاريخية ضمن مهرجان خاص نظمه حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت للتضامن مع اليمن؛ حيث أوضح شهيد الإسلام والإنسانية أن الهدف من ذلك اللقاء هو إعلان الرفض والتنديد والاستنكار وإدانة العدوان السعودي الأمريكي على الشعب اليمني، وكذلك إعلان التأييد والتضامن مع الشعب اليمني النبيل والشريف والمظلوم.
وأكد أن من واجبه الديني والإنساني والأخلاقي والجهادي أن يتخذ موقفًا من العدوان على اليمن، داعيًا كل أبناء الأمة إلى أن يراجعوا مسؤوليتهم ويتخذوا الموقف الصحيح، مشددًا على مواصلة موقف التنديد بالعدوان السعودي الأمريكي على اليمن، وموقف التأييد للشعب اليمني المظلوم والمقاوم والصامد والمنتصر.
تفنيد ذرائع العدوان ومواجهة التضليل الإعلامي
وفي ظل الحملات الإعلامية، حرص السيد نصر الله على تفنيد ذرائع ومبررات العدوان السعودي الأمريكي، التي كانت تتخذ من شعارات العروبة والإسلام وسيلة لتضليل الرأي العام العربي والإسلامي وحجب الحقيقة وراء استهداف اليمن أرضًا وإنسانًا، موضحًا أن هدف العدوان ليس الدفاع عن عروبة اليمن كما يروج لها النظام السعودي، داعيًا الأمة إلى النظر في لهجة اليمنيين وإلى لغتهم وشعرهم، وأدبهم وبلاغتهم، وإلى فصاحتهم، وشهامتهم وشجاعتهم، وحماستهم، وأبوتهم وإبائهم للضيم، ونخوتهم، وكرمهم وجودهم، مؤكدًا أنه إذا لم يكن الشعب اليمني من العرب، فمن العرب؟
ومنذ اللحظة الأولى للعدوان على اليمن، استمر سيد المقاومة، أمين عام حزب الله، في مواكبة ومتابعة يوميات العدوان، معبرًا عن الموقف المساند للشعب اليمني في مختلف المناسبات، رغم التهديدات التي تلقتها قيادة المقاومة، بما في ذلك شخص الأمين العام، الذي أكد في مقابلة صحفية أن استهداف قادة حزب الله هو هدف أمريكي إسرائيلي سعودي مشترك، موضحًا أن المسألة ليست فقط مسألة صراع مع العدو الإسرائيلي، وإنما مسألة مشروع الهيمنة الأمريكية في المنطقة، ومن يقف في وجه هذا المشروع ويتحداه ويعمل على إجهاضه، أو يساهم في إلحاق الهزيمة به، مؤكدًا أن السعودية كانت تحرض على اغتياله منذ بدء الحرب العدوانية الظالمة على اليمن، وأنها تسعى بدفع الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن الأمريكيين قالوا:” نحن سنعهد بهذا الأمر إلى الإسرائيليين”.
فكلمات ومواقف السيد حسن نصر الله أسهمت بشكل كبير في تبديد الحملات الإعلامية التضليلية التي كانت تستهدف اليمن وشعبه المظلوم، ووجد اليمانيون في أمين عام حزب الله خير ناصر وأصدق وأشجع من نطق بالحق. ورغم التبعات والتهديدات والأثمان التي دفعتها المقاومة نتيجة ذلك، إلا أنه استمر في توضيح الحقيقة من العدوان السعودي الذي دمر البنى التحتية واستهدف المنازل والمعسكرات ودمر الأسلحة وقصف وزارات ومؤسسات الدولة ومطاراتها وموانئها تحت شعار الدفاع عن الدولة اليمنية.
نصرة اليمن من أشرف الموقف
وأمام استمرار العدوان الأمريكي السعودي على يمن الإيمان والحكمة، استمر السيد نصر الله في دعم ومساندة مظلومية الشعب اليمني، مصدرًا المواقف التي كانت بلسمًا فوق الجراح، ودافعًا معنويًا كبيرًا ليس له مثيل؛ حيث كان يرى من خلال بصيرته ورؤيته الثاقبة أن الشعب اليمني المظلوم المجاهد المقاوم سينتصر، مؤكدًا أن أشرف عمل قام به في حياته هو الخطاب الذي ألقاه في اليوم الثاني من العدوان السعودي على اليمن، متمنيًا في الوقت نفسه أن يكون مع الشعب اليمني، وأن يكون مجاهدًا ومقاتلًا تحت راية السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله.
فمثلت مواقف السيد نصر الله الانعكاسة لطبيعة المقاومة في لبنان ومجتمعها الأصيل، ونهجها المرتبط بجوهر الإسلام القائم على الحق، والوقوف إلى جانب المظلومين والمستضعفين، مهما كانت التحديات والتهديدات والأثمان المترتبة على مواقف وخطابات سيد المقاومة، الذي كشف للعالم أهداف العدوان على اليمن، والذي جاء بعد أن فقدت السعودية الهيمنة والسيطرة عليه، موضحًا أن السعودية بعد أن خسرت اليمن، ولا تحتمل رؤية اليمن كدولة مستقلة ذات سيادة لا تخضع للوصاية، قامت بشن العدوان وبضوء أخضر أمريكي بهدف استعادة السيطرة والهيمنة على اليمن، ولكن يمن اليوم ليس يمن الأمس.
طوفان الأقصى وانطلاق جبهة الإسناد
في العام 2023م، وفي الساعة الأولى من صباح يوم السابع من أكتوبر، اندلع طوفان الأقصى، وصحا العالم على مشاهدة عناصر المقاومة الفلسطينية تجتاز الجدران العازلة في غزة، وتقتحم المستوطنات والقواعد العسكرية الإسرائيلية.
وأعلنت حركة حماس وعلى لسان قائد كتائب القسام البيان الأول، الذي وجه من خلاله القائد محمد الضيف نداءً عامًا إلى الشعب الفلسطيني في مختلف المناطق المحتلة، وإلى كل أحرار الأمة، وفي المقدمة حركات المقاومة الإسلامية، لمساندة الشعب الفلسطيني، داعيًا إلى هبة عسكرية شاملة تجتث الكيان المجرم وتحرر المقدسات والأرض العربية الفلسطينية المحتلة.
فكان يوم 7 أكتوبر بالنسبة لأمين عام حزب الله يومًا مفصليًا وتاريخيًا؛ حيث أكد أن ما قبل طوفان الأقصى ليس كما بعد طوفان الأقصى على كل صعيد، بالنسبة للعدو وللصديق، وبالنسبة للمنطقة، حتى بالنسبة للعالم. وفي اليوم الثاني لطوفان الأقصى، باشر مجاهدو حزب الله بتنفيذ عمليات الإسناد التي وصفت بـ “فاتحة النار” ضد المواقع الإسرائيلية على طول الحدود اللبنانية الفلسطينية.
وخلال عملية طوفان الأقصى بين شهيد الإسلام أن ما يجري على جبهتنا اللبنانية غير مسبوق في تاريخ كيان العدو منذ 1948م، ومنذ أن كانت هناك مواقع عسكرية إسرائيلية على الحدود مع لبنان، ومنذ أن كان هناك مستعمرات ومستعمرون ومحتلون في شمال فلسطين المحتلة على الحدود مع لبنان، لم يحصل حتى في حرب تموز، موضحًا أن ما يجري منذ 8 أكتوبر، وما تتعرض له كل المواقع العسكرية الإسرائيلية من البحر إلى أعالي مزارع شبعا وتلال كفرشوبا من عمليات هجومية يومية ومركزة تستهدف هذه المواقع وما بينها، وتستهدف الدبابات والآليات والمسيرات والجنود وتجمعاتهم وتجهيزاتها الفنية التي هي عيونها وآذانها وبمختلف الأسلحة، غير مسبوق.
وأضاف: “المقاومة الإسلامية في لبنان منذ ثمانية تشرين الأول تخوض معركة حقيقية لا يشعر بها إلا من هو موجود بالفعل في المنطقة الحدودية من المقاتلين ومن السكان، معركة حقيقية مختلفة عن كل المعارك التي خاضتها المقاومة في لبنان، سواء قبل 2000م أو في 2006م أو ما بعدها”.
وفي يوم الثالث من نوفمبر 2023م، أطل الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، في أول كلمة مباشرة بعد اندلاع طوفان الأقصى، وأعلن أن جبهة الإسناد اللبنانية ترتبط بهدفين أساسيين: وقف العدوان على غزة، وانتصار المقاومة، وعلى رأسها حماس.
وقال: “الدفاع اليوم عن شعب غزة هو مقتضى إنسانية الإنسان؛ من يصرخ، من يكتب، من يأخذ موقفًا، من يتظاهر، من يدعم، من يساند، من يتكلم، من يتحرك، فضلاً عمن يقاتل، هذا مقتضى إنسانية الإنسان، ومن يسكت يجب أن يعيد النظر في إنسانيته إن كان إنسانًا، وفي دينه إن كان ينتمي إلى دين، وفي شرفه إن كان يدعي أنه شريف. نحن موقفنا إسلامي إيماني إنساني نبوي”.
تحذيرات من تداعيات السقوط في فخ التطبيع
ولم يكتفِ السيد حسن نصر الله بتحديد أهداف طوفان الأقصى وحرصه على شرح الأسباب والنتائج التي تعود بالنفع على المنطقة العربية وعلى الأنظمة العربية عند انتصار غزة والمقاومة، وإنما بدا أمين عام حزب الله في أول خطاباته بعد طوفان الأقصى كمن يستشرف المستقبل ويعرف ما ينتظر أنظمة التطبيع المتعاونة مع العدو الإسرائيلي، مؤكدًا أن انتصار غزة يعد مصلحة وطنية مصرية، وهو مصلحة وطنية أردنية، وهو مصلحة وطنية سورية، وأولًا وقبل كل الدول، انتصار غزة اليوم هو مصلحة وطنية لبنانية.
الحكومات والأنظمة العربية التي تتعرض لابتزاز وضغوط الرئيس الأمريكي ترامب، وعلى رأسها مصر والأردن والسعودية، لم تستمع للسيد حسن نصر الله عندما نصحها بعدم التفريط في دعم المقاومة، وحذرها من تداعيات ذلك ليس على غزة وفلسطين فقط، وإنما على مجمل الحكومات والبلدان في المنطقة العربية والإسلامية.
وأوضح أن انتصار العدو الإسرائيلي له تداعيات كبيرة على الدول والحكومات العربية والإسلامية، داعيًا تلك الدول إلى وقف العدوان على غزة بالحد الأدنى، وليس تقديم الدعم والمساندة لكيان العدو، مبينًا أنه لا يكفي التنديد وبيانات الاستنكار والشجب، وأن الأفضل قطع العلاقات وسحب السفراء؛ ولكن ما حدث هو العكس تمامًا، حيث كانت تلك الدول توصل النفط والغاز والمواد الغذائية للعدو، بينما غزة تُحاصر وتَموت.
تصاعد الإسناد وتحدي التهويل الأمريكي
وتوسعت العمليات الهجومية لحزب الله ضد مواقع العدو الإسرائيلي وأخذت منحنى تصاعديًا، وبمقابل ذلك اعترف العدو الإسرائيلي بمقتل عناصر من جيشه، ولكن زفّت المقاومة في لبنان العديد من قادتها وكوادرها شهداء على طريق القدس.
وبعد تسعة أيام من إطلالته الأولى، وفي يوم الحادي عشر من شهر نوفمبر، ألقى الأمين العام لحزب الله كلمة بمناسبة يوم الشهيد، وكشف عن التهديد والوعيد الأمريكي لحزب الله ولبنان في حال استمرت مساندته العسكرية لغزة؛ وقال الأمين العام: لم يتركوا قناة غربية وعربية ومباشرة ولبنانية لإيصال التهديدات إلا وفعلوا ذلك، ومع ذلك فإن هذا التهويل وهذا التهديد لم يوقف عمليات المقاومة العراقية، ولم يوقف عمليات الإخوة اليمنيين، ولم يوقف عمليات المقاومة في لبنان.
وبمقابل التهديدات الأمريكية، جدد السيد حسن نصر الله التأكيد على الشرط الأساسي لوقف العمليات العسكرية المساندة لغزة؛ سواء من اليمن أو العراق أو لبنان، محذرًا من أن تذهب المنطقة إلى حرب إقليمية، وداعيًا إلى توقف العدوان والحرب على غزة وهذا هو المطلوب، أما غير ذلك فلن يستطيع أحد أن يضغط على حركات المقاومة أن تقف أو تسكت وأن تصمت وأن تتخلى عن مسؤوليتها على الإطلاق.
ومع تصاعد عمليات المقاومة الإسلامية في لبنان، أعلن حزب الله ارتقاء شهداء وتقديم تضحيات على طريق القدس، في ظل متغيرات على أرض المعركة المتمثلة في الحضور الدائم للمسيرات الإسرائيلية، التي اعتبرها سيد المقاومة عاملًا جديدًا في المواجهة، إلا أن عمليات حزب الله كانت مستمرة، وكان التقدم إلى الأمام بمثابة عمل استشهادي بكل ما للكلمة من معنى، وهذا يعبر عن حجم العمليات اليومية في جنوب لبنان، وعن مدى شجاعة وصلابة وإقدام وحضور هؤلاء المجاهدين الشجعان والاستشهاديين والأبطال والمؤمنين.
رحلة الارتقاء والشهادة
وبعد الفشل الإسرائيلي في غزة ،برغم المجازر وحرب الإبادة، قرر العدو الهروب إلى التصعيد في الجبهة اللبنانية، وعمد إلى استراتيجية اغتيال القادة، وفي نهاية شهر يوليو من العام 2024م، استهدف طيران العدو مبنى في الضاحية الجنوبية لبيروت، فاستشهد القائد العسكري فؤاد شكر، ليطل السيد نصر الله بعد الجريمة بيوم واحد وقال: “لن نفاجأ بأي ثمن يمكن أن ندفعه، وهذه المعركة تستحق هذه الأثمان الغالية”، مشيرًا إلى أن بعض الناس بعد عشرة أشهر من القتال ما زالوا يناقشون ولم يستوعبوا جوهر هذا الصراع وحقيقة هذه المعركة، ولم يفهموا آفاقها ومخاطرها ونتائجها وتداعياتها الاستراتيجية والكبرى والتاريخية التي ستترتب على كيان العدو أو على فلسطين ولبنان ودول المنطقة على ضوء نتائجها.
وشرح السيد نصر الله أبعاد وخلفيات الموقف من غزة، مؤكدًا أنه موقف لا يقبل التردد ولا التراجع مهما كانت الأثمان والتضحيات، وقال: “نحن ندفع ثمن إسنادنا لغزة وللشعب الفلسطيني، ولتبنينا للقضية الفلسطينية، ولدفاعنا عن مقدسات الأمة”، مضيفًا: “نحن دخلنا هذه المعركة من موقع الإيمان، وهذا ليس أول ثمن في هذه المعركة؛ ارتقى لنا حتى الآن مئات من الشهداء والمجاهدين والمدنيين، وبعض هؤلاء الشهداء من القادة ومنهم السيد فؤاد والشهداء الذين معه”.
وتحدث السيد الأمين عن التضحية وعن القضية التي من أجلها تُدفع كل الأثمان؛ لأنها قضية أمة ومقدسات، وقضية مواجهة مع أعداء لا يستهدفون بلدًا عربيًا لوحده، وخطرهم يعم الأمة في مختلف جوانب وجودها وحاضرها ومستقبلها.
وجاء ختامُ الكلمة التأبينية التي ألقاها الأمين العام لحزب الله للشهيد القائد فؤاد شكر، في الأول من أغسطس 2024م، بحمولةٍ وجدانية ورسائلَ استثنائية غير مسبوقة؛ إذ جَزَم بثبات الموقف قائلًا: “لو قتلتم ما قتلتم، ودمرتم ما دمرتم، وأعلنتم حربًا هنا وهناك، وذهبتم إلى أبعد الحدود وتجاوزتم كل الخطوط الحمراء، بمعزل عما نفعل نحن، لن يكون هناك حل سوى بوقف العدوان على غزة”.
وفي لحظةٍ تجلت فيها مشاعر الوداع والاستشراف، خاطب القائد الشهيد قائلًا: “لشهيدنا لا نقول وداعًا، بل نقول إلى اللقاء مع انتصار الدم على السيف، إلى اللقاء في الشهادة، إلى اللقاء في جوار الأحبة”؛ وهي كلماتٌ بَدَت وكأنها إشارةٌ مبكرة إلى دنوّ ختام مسيرته الجهادية المباركة التي امتدت لأكثر من ستين عامًا؛ لقد كانت تلك النبرة بمثابة استيداعٍ إلهي للأمانة والقضية، وتوصيةٍ تاريخية للأمة ولرفاق الدرب والجهاد بضرورة صون دماء الشهداء وتضحيات الأجيال، ومواصلة التصدي لأعتى المشاريع الاستعمارية التي تستهدف حاضر الأمة ومستقبلها.
وهكذا، يختتم “سيد الشهداء” مسيرته الجهادية الحافلة بصدق الموقف وثبات العقيدة؛ مسيرةٌ جسّدت فلسفة الثبات التي طالما نادى بها، ومُفادها أن طريق الحق والكرامة يُعبَّد بالتضحيات وتقديم أثمن الدماء؛ ولم تكن تلك الكلماتُ الخالدة مجرد خطبٍ تُلقى، بل كانت منهج حياة ودستور مواجهة، ترجَمَه بدمائه الشريفة حين واجه الخطر دون تردد أو مساومة، لقد رحل الجسد وبقيت الرؤيةُ وروحُ المقاومة حاضرةً تجري في عروق الأجيال المتعاقبة، مؤكدةً للجميع أن القضايا العادلة لا تموت بارتقاء قادتها، وأن خيار المواجهة ونصرة المظلومين يظل ثابتًا لا يتزعزع، انطلاقًا من القناعة الراسخة: “ألسنا على الحق؟ إذن لا نبالي بالموت.”
