تحليلات استراتيجية: اليمن ينتقل من ضرب حشود العدو السعودي إلى مشاركة القرار الإقليمي

3

ذمــار نـيـوز || متابعات ||
24 سبتمبر 2026مـ – 13 ربيع الثاني 1448هـ

تُظهر تطورات الميدان قفزة استراتيجية نوعية لليمن تجاوزت حدود المواجهة العسكرية المباشرة مع العدو السعودي، لتطال صياغة التوازنات الإقليمية والدولية؛ إذ أثبتت الضربات الاستباقية ضد معسكرات التحشيد قدرتها على إخراج العدو من الخدمة اللوجستية وتفكيك بنيته الإدراكية، بالتوازي مع إمساك صنعاء بأوراق ضغط اقتصادية وجيوسياسية حاسمة تزلزل البنية المالية السعودية، وتعيد بفعالية هندسة قواعد الاشتباك وموازين القوة في المنطقة.

وفي قراءة عسكرية وتحليلية عميقة للمشهد الميداني والاستراتيجي هذا، أكد الخبير العسكري العميد عمر معربوني أن العمليات العسكرية التي تنفذها القوات المسلحة اليمنية باستهداف معسكرات التحشيد، المخازن، ونقاط القيادة والسيطرة، تثبت فعاليتها الميدانية الاستثنائية، مبيناً أن الهدف الأساسي من هذه الضربات هو إيصال تلك المعسكرات إلى مرحلة الإخماد الكامل وإخراجها من الخدمة نهائياً.

وأوضح العميد معربوني أن النمط الذي تعتمده القوات المسلحة اليمنية يرتكز على قدرة فائقة في الاستعلام ثم الاستهداف، عبر الدمج الدقيق بين العمل الاستخباراتي وقدرات التنفيذ الناري بمختلف الأدوات القتالية. ولفت إلى أن اتجاهات المعركة لا تقتصر على محور وحيد، بل تمثل نقلة ذكية في التخطيط لإشغال قوات العدو على كل الجبهات والمحاور، ومنعها من التركيز على قطاع واحد، مما يثمر في النهاية عن إحباط قدراتها على التخطيط.

وتطرق معربوني إلى عملية الساحل الغربي، ووصفها بالعملية الاستثنائية التي لم تشهدها أي جبهة في العالم منذ الحرب العالمية الثانية من حيث مستوى التقدم والسيطرة على مساحات شاسعة تتجاوز خمسة آلاف وأربعمائة كيلومتر مربع في أيام قليلة. وأشار إلى أن هذه العملية جاءت رداً على حملات الكذب والتضليل التي روجت مسبقاً لانهيار صنعاء.

وبيّن الخبير العسكري أن ما حدث في الساحل وما قبله يمثل “انهياراً إدراكياً” تاماً لمنظومات القيادة والسيطرة لدى قوات التحالف، فعندما تُقطع الاتصالات وتُضرب منظومات القيادة والسيطرة، يفقد المقاتل المرتزق -الذي يفتقر لأي عقيدة قتالية- قدرته على القتال ليفر هارباً، مقارنة بالمقاتل اليمني الذي ينطلق من خلفية عقائدية واضحة تجعله يعتبر نفسه رابحاً في كل الأحوال (سواء انتصر أو استشهد).

وفيما يخص الجبهة الشمالية الحدودية ومعسكرات الطوال، أكد معربوني أن محاولات العدو تفعيل هذا المحور لإحداث خرق باءت بالفشل أمام الجاهزية الدفاعية العالية للقوات المسلحة اليمنية. وأوضح أن استهداف أماكن التحشيد ومستودعات الأغذية والذخيرة في تلك المعسكرات بالأمس-التي تضم جنوداً سعوديين وسودانيين ومرتزقة- يستهدف شل قدرات العدو اللوجستية وعزله عن دعم الجبهات بشكل مؤثر.

وحول الاتهامات الإعلامية التي تحاول التقليل من الإنجازات اليمنية بزعم وجود مستشارين أجانب، تساءل معربوني بسخرية: “ما الضير في أن يكون هناك لبنانيون أو إيرانيون أو عراقيون في اليمن أو العكس؟ أيحق للسعودية أن تستدعي كل الكون، ويحق لأمريكا وإسرائيل أن تستدعي كل الكون للقتال إلى جانبها، ولا يحق لليمن -الذي يعاني من حصار مطبق يجعل من وصول مستشارين من الخارج أمراً متعذراً- الاستعانة بأحد؟”

وأضاف أن المسألة برمتها إعلامية نفسية فاشلة تهدف لتصوير اليمنيين كأمة لا تبتكر انتصارها، مؤكداً أن مئات الآلاف من اليمنيين يديرون المنظومات المتقدمة والصواريخ والمسيرات والذكاء الاصطناعي بأنفسهم، فضلاً عن امتلاكهم مدرسة عريقة في القتال البحري والمواجهة. وتحدى الخصوم تقديم أي دليل على مزاعمهم، مشدداً بالمقابل على وجود آلاف الأدلة الموثقة التي تثبت تورط قوات أجنبية في حروب السعودية وعدوانها على اليمن، إلى جانب إعلان بريطانيا مؤخراً إرسال طائرات تزويد بالوقود للعمليات السعودية، وهو ما يعتبر دليلاً -حسب رأيه- على استنزافٍ كبيرٍ لصواريخ الدفاع الجوي السعودية ووقوعها في أزمة حقيقية.

واختتم العميد عمر معربوني تحليله بالتأكيد على أن المعركة تجاوزت البعد الجغرافي البحت لتصبح جزءاً من صناعة التوازنات الدولية. وأوضح أن اليمن لم يعد مجرد دولة تقاتل لتحرير أرضها وفك حصارها فحسب، بل بات نموذجاً وشريكاً فاعلاً في قرار القوة العالمية، لاسيما بعد تحكمه بنسبة 12% من التجارة الدولية وتأثيراته المباشرة على القرار الاقتصادي السعودي وبنيته المالية ومشاريع “رؤية 2030″، في وقت فقدت فيه الرياض دورها الوظيفي التقليدي كمنتج رئيسي للنفط وشريك للمشروع الغربي، لتخرج الأخيرة من المعركة خاسرة على المستويين الاستراتيجي والاقتصادي.

هزيمة: اليمن.. من فك الحصار إلى صناعة التوازنات الدولية

في سياق متصل، أكد الخبير الاستراتيجي الدكتور محمد هزيمة أن المعركة في اليمن تجاوزت الأبعاد الجغرافية التقليدية لتتحول إلى ركيزة أساسية في صناعة التوازنات الدولية، مشدداً على أن اليمن انتقل من مرحلة الدفاع وفك الحصار إلى مرحلة صناعة القرار الإقليمي والدولي، والإمساك بأوراق ضغط اقتصادية بالغة الخطورة تؤثر بشكل مباشر على استقرار السعودية ومستقبلها المالي.

وفي قراءته لتحولات الحرب أكد هزيمة إن اليمن يقاتل دفاعاً عن أرضه وحريته باعتباره صاحب الحق، مبيناً أن السعودية هي من تنصلت عن اتفاقات خفض التصعيد ولم تتلقف “اليد الممدودة” التي انتهجتها صنعاء من موقع القوة. وأوضح أن حرب “عاصفة الحزم” التي انطلقت ضد اليمن -رغم عدم تكافؤ الإمكانات العسكرية- أسفرت عن انتصار إرادة الشعب اليمني، وصنعت له مكانة عسكرية رفيعة جيرها لاحقاً ليصبح قوة استراتيجية كبرى في معارك البحار عبر كسر تحالف “حارس الازدهار” وإنهاء عقود من الهيمنة والتسلط الغربي والأمريكي على المنطقة.

وأشار الخبير الاستراتيجي إلى أن النظام السعودي ظل طوال المعركة في موقع “التابع” رغم عدوانه، لافتاً إلى أن الحكومات العربية -ومنها السعودية- لا تملك قرارها السياسي ولا تملك حق تقرير المصير، فهي ليست سوى حكومات وظيفية تعمل لخدمة المشروع الأمريكي أو مشروع السيطرة الغربية، مؤكدًا أن طرق الإمداد التي تشكل أساس الممرات البحرية وأساس شريان الحياة ودعم البترودولار أصبحت خارج السيطرة الأمريكية، وبيد أصحاب الأرض وهم اليمنيون.

وفي جانب إدارة المعركة إعلامياً، لفت د. هزيمة إلى المفارقة المتمثلة في تحقيق اليمنيين لانتصارات حاسمة على الأرض وكسرهم للحصار، مقابل محاولات العدو تعويض خسائره عبر الحرب النفسية والإعلامية؛ كالترويج أن ما حققته القوات اليمنية من سيطرة على الساحل الغربي هو “فخ”.

وشدد بالقول: “من وقع في الفخ هو السعودي وليس اليمني الذي حقق إنجازات باهرة”. وأوضح أن كل ما يعمل عليه السعوديون اليوم مع الأمريكي هو محاولة تحويل الخسارة الاستراتيجية على مستوى التوازنات الدولية إلى خسارة محلية يريدون إلصاقها بالأدوات اليمنية التي يمولونها كمرتزقة. مشددًا بأن المعركة لها بُعد يتجاوز الجغرافيا ليدخل في إطار صناعة التوازنات الدولية، وهذا ما ركزت عليه التقارير الدولية التي بدأت تتحدث عن انتقال اليمن من معادلة فك الحصار إلى معادلة إعادة رسم المعادلات الإقليمية والدولية، حيث انتقل اليمن من مرحلة من يمسك بأوراق القوة إلى من يصنع القرار في إدارة التوازنات.

واختتم د. محمد هزيمة تحليله متسائلاً عن قدرة الرياض على تحمل أزمة مالية واستنزاف حاد في ظل فقدانها تدريجياً لدورها الوظيفي كمنتج رئيسي للنفط وشريك للمشروع الغربي، مما يجعلها الخاسر الأكبر في هذه المعادلة الاستراتيجية المعقدة.