خبير عسكري: القدرات اليمنية باتت قادرة على إخراج قاعدة الملك خالد عن الجاهزية

33

ذمــار نـيـوز || أخبــار محلية ||
9 سبتمبر 2026مـ – 27 ربيع الأول 1448هـ

في ظل التطورات العسكرية المتسارعة والمواجهات الميدانية الممتدة على جبهات عدة، تعيد صنعاء رسم خارطة التوازنات الردعية في المنطقة، ملقية الضوء على مرحلةٍ جديدة من التحولات الميدانية والإستراتيجية التي تشهدها الساحة المحلية والإقليمية؛ إذ أعلنت القوات المسلحة اليمنية ردَّها المباشر على سلسلة طويلة من الغارات الجوية المكثفة التي شنتها مقاتلات العدو السعودي للرد على أهداف حيوية في عمق الجغرافيا السعودية، وفي مقدمتها قاعدة الملك خالد الجوية في خميس مشيط.

في السياق، أشار الخبير العسكري اللواء خالد غراب عبر قناة “المسيرة”، اليوم الأربعاء، إلى أن الساعات الأخيرة شهدت تصعيدًا جويًا مكثفًا تضمن تنفيذ نحو 151 غارة جوية، بدأت بـ 121 غارة تلتها موجة أخرى تجاوزت 30 غارة، موضحًا أن هذه الضربات الجوية تجاوزت الطابع العسكري التقليدي لتستهدف بشكّلٍ مباشر وبشكّلٍ مكثف أهدافًا وبنى تحتية مدنية ذات صلة مباشرة بالحياة اليومية لليمنيين.

وكان من أبرز هذه الاستهدافات ضرب محطات الضخ وتحلية المياه في منطقة الصليف، وهي منشآت حيوية تغذي مناطق الصليف وجزيرة كمران ورأس عيسى بالمياه الصالحة للشرب، ما يعد سلوكًا يستهدف حرمان السكان المدنيين من شريان حياتهم الأساسي.

ويرى الخبير العسكري أن لجوء تحالف العدوان إلى استهداف المقومات الحياتية الأساسية يحمل في طياته محاولة مكشوفة لنقل طبيعة المعركة نحو أهداف ثانوية وغير مبررة عسكريًا، كأنما يهدف ذلك إلى استدراج القوات المسلحة في صنعاء لنقل المعركة إلى مربع استهداف المنشآت الخدمية ومحطات التحلية في المدن السعودية الكبرى مثل الرياض وجدة.

وأشار إلى أن هناك كشوفات وأهدافًا متكاملة يمكن التعامل معها بمبدأ “الضرب بالمثل”، إلا أن القيادة العسكرية اختارت الاستمرار في توجيه الضغط صوب الأهداف القاتلة عسكريًا وإستراتيجيًا، لتفادي الانجرار وراء المخططات التي تسعى للفتك بالبنى التحتية المدنية الصرفة.

ومن هذا المنظر، تركزت الضربات اليمنية الأخيرة في عمق الأراضي السعودية على هدف محوري وذي رمزية تاريخية وعسكرية فائقة، ألا وهو قاعدة خميس مشيط الجوية (قاعدة الملك خالد)، وتستمد هذه القاعدة أهميتها العسكرية والتاريخية كونها أنشئت منذ وقت مبكر لضمان الهيمنة والنفوذ العسكري على المحيط الجغرافي اليمني.

وربط اللواء غراب التاريخ المؤسس لهذه القاعدة بصفقة الأسلحة الشهيرة المعرفوة بـ “صفقة اليمامة” في ثمانينيات القرن الماضي، والتي كانت باكورة تسليح ضخمة بلغت قيمتها الأولى نحو 12 مليار دولار، لافتًا إلى أن هذه القاعدة الإستراتيجية تُعد أقرب نقطة انطلاق عسكرية نحو المحافظات الشمالية اليمنية، ومنها انطلقت غالبية الحملات الجوية والتكتيكية على مدى السنوات الماضية.

ميدانيًا، كشف اللواء غراب أن الضربة الصاروخية التي استهدفت قاعدة الملك خالد ركزت بشكل دقيق على دشم وحظائر الطائرات ومراكز الرابضة الجوية، وعلى الرغم من الاحتياطات الشديدة التي تتخذها القوات السعودية لحماية كل مقاتلة داخل دشم محصنة لمنع تدميرها على الأرض؛ فإن التطور التكنولوجي في منظومات الردع الصاروخي اليمنية أدى إلى معادلة جديدة.

وأوضح أن الاعتماد الحالي بات منصبًا على رؤوس صاروخية متعدّدة وانشطارية، تتميز بقدرتها على نشر كميات ضخمة من الشظايا والقنابل التدميرية على مساحات واسعة؛ الأمر الذي يجعل صاروخًا واحدًا قادرًا على إلحاق التدمير الكامل بسرب جوي بأكمله أو إخراج لواء طيران كامل عن الخدمة في مكان تربضه.

وأكد أن الانعكاسات عند حدود الضربة المباشرة لم تتوقف، بل امتدت لتشمل حالة الاستنفار التي شهدتها المناطق الجنوبية للمملكة السعودية، حيث دوت صفارات الإنذار ليلًا وفجرًا عقب صدور البيان العسكري اليمني.

واعتبر غراب أن الاستمرار في سماع صفارات الإنذار هو مؤشر عملي على أن الرد الراهن ليس سوى مقدمة لعمليات أوسع وأشد عمقًا. وتؤكد القراءات الميدانية أن القوات الصاروخية تمتلك الإمكانيات العملية الكفيلة بإخراج قاعدة خميس مشيط الجوية عن الجاهزية التامة بضربة أو ضربتين تكتيكيتين، مشيرًا إلى تجارب سابقة تكللت بالنجاح، مثل استهداف معسكر التجميع في الوديعة والذي أسفر عن تدمير شحنات وقاطرات الأسلحة وتحويلها إلى رماد بزمن قياسي وفق دراسة تكتيكية دقيقة.

وعلى الصعيد الإستراتيجي الشامل، تؤكد التقييمات أن المعادلة تجاوزت حدود الاستجابة التكتيكية لتتحول إلى ما شُخّص بـ “معركة كسر العظم” أو المعركة الوجودية؛ ففي الوقت الذي يستند فيه العدو السعودي إلى إمكانياته المالية الشاسعة وحلفائه الدوليين وشراء المواقف للسيطرة على الجغرافيا اليمنية، تُشدّد القيادة في صنعاء على العوامل التاريخية والجغرافية والقدرات الذاتية المستقلة، مشيرةً إلى أن الشعب اليمني يتكئ على إرث حضاري وتاريخي راسخ يمتد لقرون في حكم الجزيرة العربية، ما يجعله عصيًا على الاستعباد أو القهر السياسي والعسكري.

وفي سياقٍ متصل، سلط اللواء غراب الضوء على البعد الإقليمي للنزاع، مستشهدًا بالمواقف والرسائل المرئية التي ينشرها متحدثو “الجيش الإسرائيلي”، والتي تلمح باللغة العربية إلى استهداف صنعاء وميناء رأس عيسى.

ويرى الخبير العسكري أن هذه التصريحات تزيح الستار عن الشريك والحليف المباشر والمدبر الفعلي للعمليات الإقليمية، حيث تلتقي المصالح الإسرائيلية والأمريكية مع التحالف للحد من قدرات صنعاء وتأثيرها المساند لقطاع غزة ولأحداث المنطقة.

ويلفت إلى أن الحصار والضربات الجوية المكثفة جاءت كاستجابة فورية وفرض “عقوبة” إقليمية على صنعاء لصلابة موقفها الداعم للشعب الفلسطيني وفك الحصار عن غزة، وهو الموقف الذي تشترك فيه جبهات الإسناد المختلفة في المنطقة لعرقلة مشروع “الشرق الأوسط الجديد”.

وردًّا على هذه التهديدات الممتدة والمتعددة الأبعاد، أكّد اللواء خالد غراب أن القوات المسلحة اليمنية لم تكن في حالة غفلة عن احتمالات التصعيد، بل عملت على بناء وتطوير قدراتها العسكرية الذاتية وفق خطط تكتيكية قتالية تحاكي التعرض لهجوم شامل ومزمن ينطلق من البر والبحر والجو معًا، مبيّنًا أن هذه الجاهزية تتيح التعامل المباشر مع مصادر التهديد في العمق أو في البحار، سواء كانت قواعد عسكرية أو حاملات طائرات متواجدة في الممرات المائية أو القواعد الممتدة حتى القرن الأفريقي.

وعلى مستوى القوة البشرية والجاهزية الميدانية، كشف اللواء غراب عن رقم استراتيجي يعكس حجم الاستعداد الشعبي والعسكري، حيث تم تجهيز ما يزيد على مليون ونصف المليون من قوات الاحتياط الجاهزة للانخراط المباشر في العمليات القتالية، وهذه القوات تضاف إلى القوات النظامية الرئيسية وقوات التعبئة العامة المنتشرة على مختلف الجبهات، مؤكّدًا أن هذه الترتيبات تأتي لترسيخ واقع ميداني جديد يتيح التحكم بزمام المبادرة وإدارة المواجهة على طول امتداد الجبهات الحدودية والداخلية.

وتتجه المعادلة العسكرية كما يراها الخبير العسكري نحو مزيد من التصعيد المنظم والردع المتصاعد، حيث تؤكد المعطيات الشاملة أن استهداف قاعدة خميس مشيط والرد الصاروخي المكثف يمثلان نقطة تحول عملية تؤسس لمرحلة فرض المعادلة بالمعادلة: “الحصار بالحصار والضرب بالضرب، والتصعيد بالتصعيد، واستمرار الردع حتى تحقيق وقف شامل للعدوان ورفع كامل للحصار”.