ضربات الوديعة تكشف اختراقاً استخبارياً ودقة صاروخية يمنية.. التصعيد السعودي يفتح باب المواجهة الشاملة
ذمــار نـيـوز || متابعات ||
8 سبتمبر 2026مـ – 26 ربيع الأول 1448هـ
اعتبر الخبير في الشؤون العسكرية العميد مجيب شمسان أن الضربات اليمنية الأخيرة على التحشيدات والقواعد العسكرية السعودية، بما في ذلك معسكر الوديعة، تكشف عن انتقال المواجهة إلى مستوى جديد من الدقة الاستخبارية والقدرة على استهداف مراكز القيادة والسيطرة والإمدادات العسكرية والتحشيدات، بالتزامن مع ضرب أهداف بحرية متحركة على مسافات بعيدة.
وتأتي هذه الضربات في مواجهة تحشيدات عسكرية سعودية يقول شمسان إنها استمرت منذ عام 2022، وشملت الهيكلة والتسليح والدعم والترتيب، وصولاً إلى ترتيبات جديدة بدأت في أبريل 2026 مع زيارة لجنة سعودية لترقيم وهيكلة تلك القوات.
وتشير المعطيات التي عرضها العميد شمسان إلى أن هذه التحشيدات كانت تحت الرقابة اليمنية، وأن استهدافها طال مراكز التجميع والقيادة والقواعد المتقدمة والإمدادات، بما أدى إلى تفكيك جانب أساسي من البنية العسكرية التي أعدها الجانب السعودي.
وبالتزامن مع ذلك، يضع شمسان التصعيد السعودي الأخير، بما شمله من استهداف للحديدة وجزيرة كمران وشبكة الاتصالات، وجريمة استهداف الإصلاحية في الجوف واستهداف البيضاء وتعز، وإسقاط طائرات مسيرة، في سياق الانتقال إلى مرحلة جديدة من المواجهة.
ويؤكد أن هذه التطورات، إلى جانب الضربات اليمنية التي طالت أرامكو في جيزان وأهدافاً في ينبع والسفن النفطية، ترسم مساراً نحو تصعيد شامل، مع تحذير واضح من اتساع نطاق الأهداف والكلفة إذا استمر التصعيد السعودي.
ضربات الوديعة.. رسائل مزدوجة تبدأ بالقيادة والسيطرة:
وفي تفصيل أشمل، يقول شمسان إن استهداف عدد من شاحنات الأسلحة التي نقلها الجانب السعودي إلى معسكر الوديعة تزامن مع ضربة أخرى طالت مركز القيادة والسيطرة، معتبراً أن الضربتين حملتا رسالتين متكاملتين: الأولى تتعلق بدقة الرصد والأسلحة، والثانية تؤكد أن التحركات العسكرية والإمدادات تخضع للمراقبة حتى عندما يجري تغليفها بأغطية مدنية.
ويشير إلى أن استهداف غرفة القيادة والسيطرة تم بسلاح نقطي تصل فيه نسبة الخطأ إلى الصفر، في حين استخدم في ضرب الشاحنات المحملة بالأسلحة سلاح مختلف، يشبه في خصائصه صاروخ “توشكا” الروسي، وربما كان “بدرF” أو “بدرF1″، الذي يحمل قرابة 14 ألف شظية، وتنتشر شظاياه على دائرة قطرها نحو 360 متراً، ما يفسر حجم الدمار الذي أصاب العربات والشاحنات.
وتظهر المشاهد التي عرضت غرفة القيادة والسيطرة، والصحون اللاقطة المستخدمة في إدارة الاتصالات، ومنها ما يُستخدم ربما لتوجيه الطائرات المسيرة، إلى جانب غرفة الطاقة أو مولدات الكهرباء والتحصينات التي كانت قائمة داخل المعسكر، فيما أظهرت مشاهد أخرى فرار عشرات بل مئات من عناصر التحشيدات السعودية والمرتزقة على أقدامهم عقب الضربة.
ويرى شمسان أن ما عُرض من مشاهد لا يمثل سوى جزء من نتائج العملية، مشيراً إلى وجود مشاهد أخرى تظهر حجم الهروب والدمار الذي لحق بالآليات والعتاد والأسلحة.
أربع سنوات من التحشيد انتهت خلال ساعات:
وفي السياق، يربط شمسان العملية بالتحشيدات السعودية التي بدأت منذ عام 2022، وشملت الهيكلة والتسليح والدعم والترتيب، وصولاً إلى زيارة اللجنة السعودية لترقيم وهيكلة هذه القوة في أبريل 2026، مؤكداً أن هذه التحركات كانت تحت الرقابة اليمنية.
ويستعرض الضربات الأخيرة ضمن عملية أوسع لتفكيك البنية العسكرية التي جرى إعدادها للتأثير على الموقف اليمني، بدءاً من نقاط التجميع والتحشيد الأساسية، مروراً بمراكز القيادة والسيطرة، وصولاً إلى القواعد المتقدمة التي كانت منطلقات للهجوم على مناطق القوات المسلحة اليمنية في الجوف ومأرب.
ويؤكد أن استهداف الإمدادات اللوجستية لم يقتصر على داخل الحدود، بل طال الإمدادات خارجها أيضاً، ما أدى إلى تشتيت التحشيدات وفرض حالة من الشلل العملياتي على تحركات القوات السعودية، مضيفاً أن ما أُعد خلال سنوات جرى تفكيكه خلال ساعات، وهو ما دفع النظام السعودي، بعد فشل ترتيباته، إلى الانتقال من الخفاء إلى الواجهة.
وينتقل شمسان إلى ما يعتبره العنصر الأهم في الضربات الأخيرة، وهو مستوى الاختراق الاستخباري الذي وصل إلى ما هو أبعد من مجرد مراقبة التحركات من الجو.
ويقول إن الطائرات المسيرة تستطيع رصد وجود تجمع أو آليات وتحركات، لكنها لا تستطيع وحدها معرفة أن هناك اجتماعاً يجري داخل ذلك التجمع، معتبراً أن استهداف عدد من القيادات العسكرية في اجتماع يدل على وصول الاختراق إلى عمق العدو ووجود من يوصل المعلومات.
ويشرح أن الطائرة المسيرة ترصد التحرك والتموضع، ثم تُرسل الإحداثيات، فيما تكون القوة الصاروخية جاهزة للإطلاق، بحيث تصبح الدورة الزمنية بين الرصد والتنفيذ عاملاً حاسماً، خصوصاً أن الهدف المتحرك يمكن أن يغادر المنطقة في وقت قصير.
ويعتبر شمسان هذه الجاهزية والرقابة ضمن عناصر القوة التي تجعل قيمة الضربة أكبر من نتائجها المباشرة، لأنها تكشف ما تمتلكه صنعاء من قدرات مرتبطة بالرصد والاختراق وسرعة اتخاذ القرار والتنفيذ.
ضرب هدف بحري متحرك على مسافة بعيدة:
ويربط شمسان هذه القدرات بضربة أخرى طالت سفينة نفطية على مسافة تتراوح بين 1100 و1200 كيلومتر، مشيراً إلى أن السفينة كانت هدفاً بحرياً متحركاً في منطقة نفطية وإلى جانب مجموعة من السفن الأخرى التي فرت بعد اشتعال النيران في السفينة المستهدفة.
ويعتبر أن إصابة هدف بحري متحرك على هذه المسافة بالصواريخ الباليستية تمثل مستوى متقدماً من الدقة، موضحاً أن الصاروخ الذي يبلغ هامش خطئه 50 متراً يوصف بأنه سلاح نقطي، بينما تكمن دلالة الضربة اليمنية في الوصول إلى هدف متحرك بهذه الدقة.
ويصل شمسان بين هذه العملية وضربة أخرى جاءت في سياق “معادلة قطع اليد التي ستمتد إلى الثروة اليمنية وموانئ شبوة”، والتي استهدفت الصنبور الذي يجري عبره تحميل النفط اليمني ونهبه، معتبراً أن ترابط هذه العمليات يقدم صورة عن طبيعة الأهداف التي تستطيع القوات المسلحة اليمنية الوصول إليها.
ويطرح شمسان، انطلاقاً من هذه الضربات، سؤالاً حول بقية الأهداف الثابتة في العمق السعودي، ومنها ينبع ورابغ وحقل الغوار ورأس التنورة، وما إذا كانت هناك منظومة قادرة على اعتراض الصواريخ اليمنية التي أثبتت قدرتها على تجاوز طبقات دفاعية متعددة خلال عمليات الإسناد لغزة.
ويؤكد أن القوات المسلحة اليمنية أثبتت، من الأراضي السعودية وصولاً إلى أهداف في مناطق ضيقة جغرافياً، قدرتها على تجاوز مستويات متعددة من التحصين والدفاع، معتبراً أن إصابة هدف بحري متحرك على مسافة بعيدة تفتح سؤالاً حول قدرة هذه المنظومات على التعامل مع الأهداف الثابتة الأخرى.
الوديعة وينبع وجيزان.. صورة واحدة للقدرات اليمنيةوالفشل السعودي:
يضع شمسان ضربات الوديعة وينبع وأرامكو جيزان ضمن سلسلة واحدة من العمليات التي تكشف مستوى التقدم الذي وصلت إليه القوات المسلحة اليمنية، معتبراً أن الحديث عن صواريخ لا يتجاوز هامش خطئها 20 أو 30 أو 50 متراً لا يزال يعد إنجازاً تكنولوجياً كبيراً، بينما الوصول إلى هامش خطأ صفري يمثل مستوى أعلى من الدقة.
ويقول إن هذه العمليات تكشف مستوى الإنجاز الذي وصل إليه “العقل اليمني”، عبر الجمع بين الاستطلاع والرصد والاختراق الاستخباري وسرعة نقل المعلومات والقرار الصاروخي والتنفيذ، سواء ضد أهداف ثابتة أو متحركة.
ويرفض شمسان فكرة تحويل المواجهة إلى معركة يمنية-يمنية، مؤكداً أن التحشيدات السعودية لن تستطيع إقناع اليمنيين بذلك، في ظل ما يقوله عن وجود ضحايا من الأطفال والنساء والرجال في كل بيت.
ويشدّد على أن المواجهة في إطار صراع يمني-سعودي مرتبط بالعدوان والحصار المستمر منذ عام 2015، قائلاً إن اليمنيين قرروا كسر الحصار وفرض معادلة مقابلة تقوم على حصار في البحر وكسر التحشيدات في الداخل ورفع الكلفة على الطرف السعودي بعدما اتجه إلى التصعيد الشامل، لافتاً إلى الجريمة التي وقعت في الإصلاحية بمحافظة الجوف، معتبراً أنها مثلت نقطة انتقال إلى مرحلة التصعيد والمواجهة الشاملة.
إسقاط الطائرات وفتح باب التصعيد الشامل:
وفي سياق متصل، يقول العميد مجيب شمسانإن استهداف الحديدة وجزيرة كمران وشبكة الاتصالات كان من بدايات المعادلة التي فرضتها صنعاء، وإن الرد الأولي شمل استهداف منشأة أرامكو في جيزان بعشرات الصواريخ، إلى جانب عدد كبير من الصواريخ والطائرات المسيرة التي استهدفت ينبع.
ويؤكد أن طبيعة التصعيد المقبل ستتحدد من خلال كثافة النيران والأسلحة والأهداف التي ستستخدمها القوات المسلحة اليمنية، محذراً النظام السعودي من أن المرحلة لم تعد قابلة للتعامل معها بالطريقة السابقة عبر ارتكاب ضربة ثم إرسال وسطاء لتهدئة الوضع.
ويشير إلى إسقاط طائرات مسيرة، بينها “أكينجي” التي يصفها بأنها من الصناعات التركية، إضافة إلى “كاريال” و”وينغ لونغ”، موضحاً أن إسقاط هذه الطائرات ارتبط بردود في العمق الاقتصادي للنظام السعودي.
كما يشير إلى إسقاط أربع طائرات مسيرة خلال الساعات الماضية، بالتزامن مع استخدام العدو صواريخ كروز وتنفيذ غارات جوية على الجوف والبيضاء وتعز، معتبراً أن ذلك يعني فتح باب المواجهة الشاملة أمام القدرات اليمنية التي ظهرت في ضربات الوديعة وينبع وأرامكو جيزان وغيرها.
النظام السعودي انتقل إلى الواجهة بعد فشل ترتيباته.. الكلفة تتسع:
وينوّه شمسان إلى أن النظام السعودي تحمل الضربات بصمت خلال الفترة الماضية لأنه كان يتوقع أن تتحول المواجهة إلى صراع يمني-يمني، ثم يتدخل الأمريكي والإسرائيلي، إلا أن الواقع، كما يقول، فرض معادلات مختلفة.
ويعتبر أن الولايات المتحدة أصبحت متهيبة من المواجهة في البحر الأحمر بعد نتائج عامين من المواجهة مع القوات المسلحة اليمنية، وأنها دفعت بالسعودية إلى المواجهة لتكون “آخر الأستار أو آخر الأسوار” لحماية الكيان الصهيوني.
ويضيف أن النظام السعودي لا يملك القرار وأن الولايات المتحدة دفعته إلى المواجهة، وبالتالي عليه تحمل نتائجها، متابعاً حديثه أن انتقال العدو من الخلفية إلى الواجهة جاء بعد فشل ترتيبات استمرت أربع سنوات لإبقاء القضية في إطار مواجهة يمنية-يمنية.
وفي المحور الأخير من حديثه،يلفت شمسان إلى أن ما حصل في جيزان لا يقل، من حيث الكثافة والدقة، عن الضربة التي وقعت في الشهر السابق، والتي استخدمت فيها عشرات الصواريخ والطائرات المسيرة واستهدفت منشأة مرتبطة بأرامكو.
ويقول إن كل محاولة لإصلاح المنشأة أو التكتم على الخسائر وسمعة أرامكو ستواجه بإعادتها إلى “دائرة الصفر” مجدداً، محذراً من أن هذه الدائرة ستتوسع لتطال بقية المنشآت السعودية إذا استمر الإصرار على التصعيد.
ويختم شمسان حديثه بالتأكيد على أن الدماء والآثار المتراكمة خلال سبع سنوات لم تُنسَ، وأن محاولات إصلاح الوضع وتقديم التنازلات وتجاوز الجراح لم توقف التصعيد السعودي الذي ارتكب حماقة أكبر مما سبق، وعليه انتظار رد حاسم من القوات المسلحة اليمنية، مشدداً على أن الشعب اليمني يتحرك بحماسه لانتزاع حقوقه من النظام السعودي، وأنه يستعد لمواجهة التصعيد باندفاعه توازي صرامة موقف القوات المسلحة.
