تأملات في مضامين جلسة الاستماع بالكونجرس حول اليمن ومصالح أمريكا في المنطقة

3

ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
7 سبتمبر 2026مـ – 25 ربيع الأول 1448هـ

تـقـريــر || عباس القاعدي

تَكشِفُ جلسةُ الاستماعِ التي عقدتها لجنةُ الشؤونِ الخارجيةِ في مجلسِ النوابِ الأمريكيِّ حول المشهدِ اليمنيِّ وتداعياتِه الإقليميةِ، تفاصيلَ ومضامينَ الشهاداتِ والتوصياتِ المقدمةِ من عددٍ من أعضاءِ الكونغرس الأمريكيِّ، وكذلك، الجاسوستينِ ندوى الدوسري، وأليسون ماينور، اللتين تعملان في مراكزِ أبحاثٍ أمريكيةٍ وغربيةٍ تُعنى وتهتمُ بدراسةِ البلدانِ والمجتمعاتِ العربيةِ.

كما تَرصُدُ أبعادَ المأزقِ الأمريكيِّ والإقليميِّ في التعاملِ مع القواتِ المسلحةِ اليمنيةِ، تحت شعارِ حمايةِ المصالحِ الأمريكيةِ في البحرِ الأحمرِ، وتُفَنِّدُ أسبابَ فشلِ الخياراتِ العسكريةِ والاقتصاديةِ الأمريكيةِ، معرجةً على البُعدِ العقائديِّ والسياسيِّ المبدئيِّ للشعبِ اليمنيِّ تجاهَ القضيةِ الفلسطينيةِ والمقدساتِ الإسلاميةِ.

وتتخصصُ المرأتانِ في الشأنِ اليمنيِّ، حيث كانت الدوسري -التي يُعرَفُ أنها من أصولٍ عربيةٍ، ولا تزالُ تعملُ مع الأمريكيينَ منذ وقتٍ مبكرٍ- يتركزُ عملُها على دراسةِ القبيلةِ اليمنيةِ وتقديمِ تقاريرَ للأمريكيينَ حول عواملِ تماسكِ القبيلةِ وقوتِها أو ضعفِها؛ وتزورُ الدوسري المناطقَ القبليةَ حيث نسجت علاقاتٍ مع مشايخَ ووجاهاتٍ في مأربَ وشبوةَ، وتؤدي دورَ الدليلِ أو المخبرِ للأمريكيينَ لاختراقِ المناطقِ القبليةِ، وتعملُ على تطويعِ وتسهيلِ التواصلِ وبناءِ علاقاتٍ بين المشايخِ والسفارةِ الأمريكيةِ في الرياضِ ومسؤولينَ أمريكيينَ في ملفاتٍ أمنيةٍ أو ما يُسمّى مكافحةَ الإرهابِ.

وتحرصُ أمريكا، ولا تزالُ، على نسجِ علاقاتٍ مع شخصياتٍ قبليةٍ وتمنحُهم مرتباتٍ شهريةً أو اعتماداتٍ وهدايا، فيما يتمُ التركيزُ الأمريكيُّ على المناطقِ القبليةِ القريبةِ من آبارِ وحقولِ النفطِ، لا سيما مأربَ وشبوةَ.

وتختصرُ المدعوةُ ندوى الدوسري كلَّ الكلامِ في جملةٍ وعبارةٍ قصيرةٍ وسريعةٍ تشكلُ الأساسَ والأصلَ والهدفَ والغايةَ وما عداها تفاصيلُ؛ إذ تُعرّفُ “أنصارَ الله” في اليمنِ أمامَ عددٍ من أعضاءِ الكونغرس بقولِها إن هؤلاءِ مجموعةٌ متشددةٌ من الزيديةِ يعتقدونَ أن مهمتَهم الإلهيةَ تدميرُ “إسرائيلَ” وتحريرُ القدسِ الشريفِ، وتضيفُ الدوسري أن شعارَهم الذي يتضمنُ عبارةَ “الموتُ لأمريكا” يشيرُ إلى رؤيتِهم تجاهَ الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ، أي إلى إجرامِ أمريكا.

العداء الأمريكي للشعب اليمنيوتزييف الواقع:

وتتمثلُ مشكلةُ الأمريكيينَ وأدواتِهم مع الشعبِ اليمنيِّ في إيمانِ اليمنيينَ بأن اليهودَ مجرمونَ وقَتَلَةٌ ومحتلونَ، وأن الشعبَ اليمنيَّ لا يتنازلُ عن فلسطينَ ولا يتعاملُ مع اليهودِ ومشروعِهم كأمرٍ واقعٍ لا يمكنُ مواجهتُه.

كما تتكشفُ مشكلتُهم مع الشعبِ اليمنيِّ في موقفِه المبدئيِّ من اليهودِ وكيانِ العدوِ الصهيونيِّ؛ إذ إنه لو كان يوجدُ في صنعاءَ قيادةٌ أو سلطةٌ هدفُها الأساسيُّ الكرسيُّ والبحثُ عن الرضا الأمريكيِّ للبقاءِ في السلطةِ، لما كان للأمريكيينَ أيُّ مشكلةٍ مع الشعبِ اليمنيِّ.

وتنطلقُ الجاسوسةِ الدوسري التي تُقدَّمُ على أنها من أصولٍ عربيةٍ، بينما تتحدثُ بلسانٍ يهوديٍّ صهيونيٍّ مبينٍ، في طرحِها وكأن العربَ والمسلمين جميعاً وما عدا اليمنيينَ، لا يملكونَ مشكلةً مع العدوِ الإسرائيليِّ ولا يؤمنونَ بتحريرِ الأراضي الفلسطينيةِ.

ويتضحُ في هذا الطرحِ كيف يفسرُ الأعداءُ صمتَ وضعفَ الموقفِ العربيِّ والإسلاميِّ، ولا سيما ضعفَ حضورِ الشعوبِ وتراجعَ موقفِها؛ إذ يفسرُه الأعداءُ بكونِه غطاءَ موافقةٍ وإقراراً بالأمرِ الواقعِ المتمثلِ في وجودِ العدوِ الإسرائيليِّ وإلغاءِ فلسطينَ؛ وبناءً على ذلك، يظهرُ من خلالِ ما يُطرحُ على لسانِ هذه المزورةِ ومن يستجوبُها أن الأمرَ يبدو وكأنه لم يعدْ أحدٌ يؤمنُ بتحريرِ فلسطينَ وطردِ اليهودِ إلا من يسمونَهم بـ “الحوثيينَ”، حيث يُساقُ هذا المصطلح باعتبارِه واحدًا من أكبرِ التهمِ المنسوبةِ للشعب اليمني.

القضية الفلسطينية وجذورها:

تعرّضَ مئاتُ آلافِ الفلسطينيينَ للتشريدِ القسريِّ عقبَ إعلانِ قيامِ ما يسمى “إسرائيلَ” عام 1948م؛ إذ اعتمدَ إنشاءُ كيانِ العدوِ على تكتيكاتٍ استعماريةٍ عدةٍ؛ ويستمرُ ما يحدثُ في فلسطينَ المحتلةِ، منذُ النكبةِ باعتبارِه صراعاً على الروايةِ؛ لأن الروايةَ التاريخيةَ تمثلُ امتداداً للأصالةِ وأحقيةِ الانتماءِ للأرضِ، وقد استُعملت عبارةُ “أرضٌ بلا شعبٍ لشعبٍ بلا أرضٍ” لتبريرِ تهجيرِ سكانِ فلسطينَ الأصليينَ والترويجِ لفكرةِ الاستيطانِ اليهوديِّ على أرضِها، حيث عُززت برسوماتٍ تصورُ فلسطينَ كأرضٍ قاحلةٍ وخاليةٍ.

ويرجعُ تاريخُ الصراعِ العربيِّ الإسرائيليِّ إلى بداياتِ القرنِ العشرينَ، عندما أدركَ الفلسطينيونَ حقيقةَ أن الإنجليزَ قد أخلفوا وعودَهم بالانسحابِ من الأراضي المستعمرةِ، خصوصاً بعدما بدأت جحافلُ اليهودِ تتوافدُ على أرضِ فلسطينَ عقبَ إعلانِ وزيرِ الخارجيةِ البريطانيِّ المجرمِ آرثر جيمس بلفور وعدَ الحكومةِ البريطانيةِ بتوطينِ اليهودِ وتأسيسِ دولةٍ خاصةٍ بهم في فلسطينَ.

واندلعتِ النزاعاتُ المسلحةُ في فلسطينَ من الجانبِ الإسرائيليِّ بشكلٍ مباشرٍ عام 1947م؛ وذلك عندما انتشرتِ العصاباتُ الصهيونيةُ الإرهابيةُ التي كانت تنتهجُ نهجَ الإبادةِ العرقيةِ وتشنُ الهجماتِ على القرى الفلسطينيةِ محدثةً أفدحَ الأضرارِ الممكنةِ، حيث كانوا يُهَجِّرونَ السكانَ ويغتصبونَ المنازلَ والأراضيَ، ويقتلونَ كلَّ من يقفُ في طريقِهم من رجالٍ ونساءٍ وأطفالٍ.

ورداً على ذلك، نشأتْ مجموعاتُ المقاومةِ الفلسطينيةِ المسلحةِ التي حاولتِ الاشتباكَ مع العصاباتِ الصهيونيةِ، إلا أن الدعمَ الإنجليزيَّ لليهودِ مَكَّنَهم من التفوقِ بكلِّ سهولةٍ على المقاومةِ الفلسطينيةِ البدائيةِ التي كانت مسلحةً ببضعِ بنادقَ قديمةٍ في العامِ 1948م.

وتتجسدُ في هذه الأحداثِ القضيةُ الفلسطينيةُ التي أصبحَ التمسكُ بها تهمةً، وتعدُ أكبرَ وأوسعَ مأساةٍ إنسانيةٍ في تاريخِ البشريةِ، وهي ليست قضيةَ الفلسطينيينَ وحدَهم بل قضيةُ العربِ والمسلمينَ جميعاً.

ولا يقتصرُ الإجرامُ بحقِّ الشعبِ الفلسطينيِّ على مظاهرِ المعاناةِ والإبادةِ والتهجيرِ والتشريدِ فحسب، إنما يضافُ إلى ذلك جهودُ الأعداءِ لمحوِ الذاكرةِ الفلسطينيةِ، وتهويدِ الأرضِ والجغرافيا والتاريخِ، واستبدالِها بهويةٍ وتاريخٍ مزورٍ يهوديٍّ صهيونيٍّ وافدٍ لا علاقةَ له بالأرضِ ولا بسكانِ هذه الأرضِ المباركةِ. ففلسطينُ هي البوصلةُ والمحورُ وحجرُ الزاويةِ، وموقفُ أيِّ عربيٍّ ومسلمٍ -أياً كان مذهبُه أو بلدُه- من هذه القضيةِ هو الذي يحددُ موقفَ الأعداءِ منه.

وبالنسبةِ للشعبِ اليمنيِّ، يُمثلُ انزعاجُ الأمريكيينَ واليهودِ وقلقُهم من أبناءِ هذا البلدِ -بالمستوى والطريقةِ اللذينِ جعلاهم يعترفونَ بالعجزِ أمامَ اليمنِ شعباً وقيادةً ومجاهدينَ- مصدرَ ارتياحٍ وطمأنينةٍ.

إقرار بالفشل وشهادة للموقف:

ويعترفُ في جلسة الاستماع، سيناتورٌ أمريكيٌّ يدعى شنيدر بقولِه إن الولاياتِ المتحدةَ لم تستطعْ السيطرةَ على من سماهم بالحوثيينَ، وتجيبُ العبارةُ السابقةُ مباشرةً على سؤالِ: لماذا تم عقدُ هذه الجلسةِ الاستجوابيةِ أو جلسةِ الاستماعِ؟ ولماذا تم إحضارُ الشاهدتينِ أو الجاسوستينِ؟

ويكمنُ الجوابُ بوضوحٍ في كلامِ ذلك السيناتورِ الذي أكدَ أن أمريكا فشلتْ في السيطرةِ على من أسماهم بالحوثيينَ، مشيراً إلى أنه كان للفشلِ الأمريكيِّ نتائجُ وأضرارٌ لحقتْ بالولاياتِ المتحدةِ وبمصالحِها في المنطقةِ؛ ومما يقلقُ الأمريكيينَ أيضاً ووفق حديثهم، أن أنصارَ الله في اليمنِ وضعوا أنفسَهم إلى جانبِ حركةِ المقاومةِ الإسلاميةِ حماس في فلسطينَ، وإلى جانبِ حزبِ الله في لبنانَ.

ويردُ هنا أن العدوَّ عندما يذكرُ حماس وحزبَ الله، فإنه يكونُ بمثابةِ من يشهدُ للشعبِ اليمنيِّ بأنه في صفِّ الحقِّ إلى جانبِ الشرفاءِ والأحرارِ الذينَ يمثلونَ أشرفَ وأنظفَ ما تبقى في هذه الأمةِ؛ وبذلك يسعى العدوُ لإدانةِ اليمنِ فإذا به يشهدُ له ويعترفُ بحقيقةِ موقفِه وتوجهِه، لتتضحَ مشكلتُه معه بسببِ توجهِه الصادقِ والأصيلِ في الانتماءِ إلى الأمةِ والتمسكِ بهويتِها وقضاياها الأساسيةِ، وعلى رأسِها قضيةُ فلسطينَ.

وتعبرُ تلك الجلسةُ عن مأزقِ أمريكا، وتكشفُ حقيقةَ الفشلِ الأمريكيِّ في مواجهةِ الشعبِ اليمنيِّ العظيمِ؛ حيث نظمَ بعضُ أعضاءِ الكونغرس الأمريكيِّ هذه الجلسةَ في سياقِ البحثِ عن أسبابِ وأسرارِ الفشلِ الأمريكيِّ في مواجهةِ اليمنِ خلالَ معركةِ طوفانِ الأقصى وما تلاها من مراحلَ حتى اليومِ.

حالة تخبط وإحباط تجاه اليمن

يتخبطُ الأمريكيونَ في ظلمات بعضها فوق بعض، لأنهم لم يفهموا ما يجري في اليمنِ، ولم يسبقْ لمؤسساتِهم ومراكزِ أبحاثِهم أن كانت في حالةِ ضياعٍ وتشتتٍ تجاهَ أيِّ بلدٍ أو ملفٍ أو شعبٍ عربيٍّ أو مسلمٍ كما هي عليه اليومَ في مواجهةِ اليمنِ، الذي فرضَ نفسَه كرقمٍ صعبٍ في المنطقةِ.

ويقودُ هذا الواقعُ الدوائرَ الأمريكيةَ إلى طرحِ تساؤلاتٍ متكررةٍ حولَ المصادرِ التي تتنامى منها عواملُ القوةِ اليمنيةِ، وسرِّ هذا العنفوانِ والبسالةِ الشعبيةِ والحضورِ الحاشدِ في الساحاتِ والميادينِ على مدى سنواتٍ، دونَ خوفٍ أو قلقٍ من أمريكا وتهديداتِها وسلاحِها وحروبِها.

وَيَتوهُ الأمريكيونَ عاجزينَ عن معرفةِ الطرقِ والأساليبِ الناجعةِ لمواجهةِ الشعبِ اليمنيِّ، أو القضاءِ على قوتِه العسكريةِ، أو احتلالِ أرضِه وإسقاطِه؛ ومن هذا المنطلقِ يطرحُ العضوُ السابقُ تساؤلَه المحوريَّ: كيف يمكنُ القضاءُ على ما وصفَها بقدراتِ الحوثيينَ دونَ أن تنزلقَ أمريكا إلى حربِ استنزافٍ بلا أفقٍ أو نهايةٍ؟

ولهذا، كانت تتحدثُ الدوسري لتجعلَ من نفسِها أمريكيةً أكثرَ من الأمريكيينَ وصهيونيةً أكثرَ من اليهودِ أنفسِهم؛ إذ تتحدثُ بلغةِ العتابِ موجهةً كلامَها للأمريكيينَ، مؤكدة أن الإداراتِ الأمريكيةَ في واشنطنَ قد فشلتْ في مواجهةِ اليمنِ، وأن أمريكا دخلتْ في حربِ استنزافٍ أثرتْ عليها.

كما تؤكدُ في طرحِها أن الغاراتِ الجويةَ لن تحسمَ المعركةَ، مشيرةً إلى أن الأمريكيينَ لا يمتلكونَ رؤيةً للقضاءِ على من وصفتْهم بالحوثيينَ؛ وبناءً على ذلك، تتولى هي تقديمَ التوصياتِ والنصائحِ والاستشاراتِ للأمريكيينَ حولَ ما يجبُ عليهم فعلُه، وكيفيةِ مواجهةِ الشعبِ اليمنيِّ، الذي تحاولُ بغباءٍ عميقٍ اختزالَه عبرَ ترديدِ مصطلحِ “الحوثيينَ”.

اعترافات بقوة اليمن وعجز العدوان

وتواصلُ الشاهدةُ الثانيةُ عملَها كجاسوسةٍ للأمريكيينَ، إذ دأبتْ واشنطنُ على تشغيلِ هاتينِ المرأتينِ على الملفِ اليمنيِّ بهدفِ جمعِ المعلوماتِ ورفعِ التقاريرِ والتوصياتِ للمخابراتِ الأمريكيةِ وغيرِها من المؤسساتِ المعنيةِ باليمنِ وبالبلدانِ العربيةِ.

ويسعى الأمريكيُّ لتلميعِ هذه المصطلحات عبرَ منحِ حلفائِه وأدواتِه أوصافاً وألقاباً تغطي على حقيقةِ المهمةِ والدورِ المطلوبِ منهم؛ ولا يختلفُ كلامُ الشاهدةِ الثانيةِ، وهي الأمريكيةُ أليسون ماينور، عن كلامِ ندوى الدوسري، سوى أن الأخيرةَ تبدو أكثرَ تحريضاً على اليمنِ واليمنيينَ حتى بالمقارنةِ مع هذه الأمريكيةِ.

وتعترفُ الأمريكيةُ ماينور بمأزقِ بلادِها في مواجهةِ اليمنِ، مشيرةً إلى أنها تخصصتْ في دراسةِ الشأنِ اليمنيِّ لمدةِ عشرِ سنواتٍ، وتؤكدُ من واقعِ خبرتِها أن العدوانَ الأمريكيَّ على اليمنِ لم ينجحْ في التأثيرِ على قوةِ من سمّتْهم بالحوثيينَ، لدرجةِ أن الحربَ والعدوانَ الأمريكيَّ والإسرائيليَّ -ومن قبلهما ما سمي بالتحالفِ العربيِّ والسعوديِّ- بمراحلِه المختلفةِ قد فشلَ في تحقيقِ أيٍّ من الأهدافِ الأمريكيةِ والإسرائيليةِ؛ وإنما على العكسِ من ذلك، أصبحَ هذا العدوانُ سبباً من أسبابِ قوةِ اليمنِ حتى باتَ اليومَ قوةً إقليميةً تمتلكُ القدرةَ على ضربِ أيِّ أهدافٍ في المنطقةِ بأسرِها.

خسائر أمريكا والتعلق السعودي الأجوف بالقشة

يعترفُ رئيسُ الجلسةِ في الكونغرس الأمريكيِّ، بالخسائرِ التي طالتْ أمريكا بسببِ عملياتِ اليمنِ المساندةِ لغزةَ، مؤكداً بالحرفِ أن جيوبَ الأمريكيينَ تشتكي نتيجةَ عملياتِ القواتِ المسلحةِ اليمنيةِ المساندةِ لغزةَ، ويتساءلُ عما بإمكانِ الحكومةِ الأمريكيةِ فعلُه لتعيدَ الثقةَ إلى الملاحةِ الدوليةِ.

وتأتي الإجابةُ من الجاسوسةِ الدوسري بمجاملةٍ وإسداءِ النصحِ الغبيِّ للأمريكيينَ؛ إذ أرادتْ القولَ إن أمريكا فشلتْ سابقاً وسوف تفشلُ لاحقاً أمامَ قدراتِ اليمنيينَ، لكنها حاولتْ تغليفَ الإجابةِ ببعضِ الدبلوماسيةِ والمجاملاتِ.

ولا يبدو العدوُ السعوديُّ بعيداً عن الجاسوسة الدوسري، فالمحركُ هو المالُ السعوديُّ، ويؤكدُ الاحتفاءُ السعوديُّ بشهادةِ وتصريحِ ندوى الدوسري أنهم يقفونَ وراءَ الدفعِ بها؛ وذلك في سياقِ البحثِ السعوديِّ عن أيِّ قشةٍ يُعتقدُ أنها ستمنحُ أيَّ أوراقِ ضغطٍ، أو تحرضُ أمريكا والغربَ ضدَ اليمنِ أكثرَ مما قُدِّمَ، حيث يبدونَ محرضينَ وجاهزينَ لمواجهةِ اليمنِ وقرارِه بكسرِ الحصارِ ووقفِ العدوانِ على قاعدةِ الحصارِ بالحصارِ.

واهتمَ السعوديونَ يومَ عقدِ جلسةِ الاستماعِ هذه بالأمرِ في وسائلِ إعلامِهم بشكلٍ واسعٍ وبتهليلٍ وفرحٍ مبالغٍ فيه، كما لو أن ظهورَ هذه الجاسوسةِ نصرٌ بحدِّ ذاتِه في الكونغرس، أو أن كلماتِها منحتْهم مفاتيحَ النصرِ وأسرارَ الحربِ وترياقَ الحياةِ.

ويعكسُ هذا المأزقَ السعوديَّ العميقَ جداً، حيث صارَ ابنُ سلمانَ يتعلقُ بقشةٍ، ويمارسُ عمليةَ التضخيمِ والتهويلِ لجلسةٍ لا تقدمُ ولا تؤخرُ ولا تضيفُ شيئاً لأمريكا ولا للسعوديةِ، لأنهم سبقَ أن استخدموا كلَّ الأساليبِ والوسائلِ الإجراميةِ -سواءَ الحربَ المباشرةَ أو الحصارَ أو غيرَهما من أساليبِ الضغطِ- وكلُّها فشلتْ وتلاشتْ باعترافِهم هم وباعترافِ هؤلاءِ الشهودِ أو الجواسيسِ.

توصيات إفلاسيه وأبعاد المأزق الأمريكي

ويسألُ عضوٌ في الكونغرس خلال الجلسة، الشاهدةَ بقولِه إن الضرباتِ العسكريةَ لم تُجْدِ والعقوباتِ لم تنجحْ كما ذكرتْ، متسائلاً عما تقترحهُ وعن الخطواتِ المفترضِ اتخاذُها لمواجهةِ اليمنِ واليمنيينَ إذا كانت كافةُ الأساليبِ السابقةِ غيرَ نافعةٍ، وتجيبُ الدوسري بضرورةِ العملِ مع السعوديةِ ودفعِها لدعمِ ما تسميه “الحكومةَ اليمنيةَ” -أي المرتزقةَ- لاحتلالِ الأرضِ وسحبِها من تحتِ أقدامِ اليمنيينَ الذين تصفُهم بالحوثيينَ.

وتظهرُ هذه الجاسوسةُ فاشلةً في كلِّ ما قدمتْه واقترحتْه لحمايةِ السعوديةِ، متناسيةً أن الأمريكيَّ يقفُ منذ عامِ 2015م وحتى اليومِ خلفَ السعوديِّ الذي يدعمُ المرتزقةَ ويمولُهم ويسلحُهم ويدربُهم ويحافظُ على بقائِهم، ليكونوا ذريعةً وأداةً وواجهةً لعدوانِ آلِ سعودَ ومن خلفِهم الأمريكيينَ على اليمنِ.

ولا يوجدُ أيُّ جديدٍ في توصيةِ الدوسري التي دعتْ أمريكا لدعمِ المرتزقةِ والوقوفِ إلى جانبِهم، وكأن الأمريكيَّ والسعوديَّ بعيدانِ عن المشهدِ وتحاولُ إقناعَهما بالتحركِ، أو كأنه لا يوجدُ مرتزقةٌ في اليمنِ تعملُ عليهم السعوديةُ حتى من قبلِ عامِ 2015م.

ويشكلُ هذا الطرحُ ما يعملُ عليه الأمريكيونَ حالياً؛ حيث يأتي الدعمُ السعوديُّ للتحشيداتِ خلالَ الشهورِ الماضيةِ، وإنشاءُ تشكيلاتٍ جديدةٍ قوامُها وأغالبيتُها من عناصرِ “داعش” و”القاعدة”، وتوفيرُ السلاحِ لها وإقامةُ المعسكراتِ، في سياقِ هذا المخططِ وهذه الرؤيةِ التي تعتقدُ الجاسوسةُ أنها جاءتْ بجديدٍ لم يأتِ به من سبقوها في بيعِ الضميرِ والموقفِ ضدَ البلدِ والشعبِ لصالحِ اليهودِ والولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ.

وتكشفُ جلسةِ الكونغرس عموماً وما دارَ فيها بوضوحٍ وجلاءٍ، أن الحربَ والعدوانَ على اليمنِ سابقاً ولاحقاً هو عدوانٌ أمريكيٌّ إسرائيليٌّ، وما السعوديةُ ومرتزقةُ الداخلِ إلا أدواتٌ يستخدمُها الأمريكيُّ والصهاينةُ في مواجهةِ الشعبِ اليمنيِّ وموقفِه المساندِ للشعبِ الفلسطينيِّ المظلومِ؛ وهو الموقفُ الذي يشكلُ خطراً وجودياً على اليهودِ وعلى بقائِهم واحتلالِهم للأرضِ العربيةِ والمقدساتِ العربيةِ والإسلاميةِ في فلسطينَ.

ويفيدُ كلُّ النقاشِ الذي دارَ في الجلسةِ أن أمريكا في مأزقٍ حقيقيٍّ، بل إن عنوانَ الجلسةِ تمحورَ حولَ ما أسمَوه الخطرَ على المصالحِ الأمريكيةِ في المنطقةِ، وليس على المصالحِ السعوديةِ ولا على الأدواتِ المحليةِ، مع التأكيدِ على عدمِ وجودِ أيِّ مصالحَ أمريكيةٍ مشروعَةٍ في الأصلِ.

وتتمثلُ الحقيقةُ في الخطرِ الذي يمثلهُ موقفُ شعبِ الإيمانِ والحكمةِ بنهضتِه الجهاديةِ القرآنيةِ المباركةِ على مشاريعِ الإجرامِ والاستعمارِ والظلمِ والاحتلالِ الأمريكيِّ الصهيونيِّ بحقِّ الشعبِ العربيِّ الفلسطينيِّ وبحقِّ بقيةِ بلدانِ وشعوبِ الأمةِ العربيةِ والإسلاميةِ.

عُقْدة المرتزقة وفَشَل الرِّهَان

وتكمنُ الحقيقةُ والقضيةُ الأساسيةُ في طبيعةِ الدعمِ الأمريكيِّ للمرتزقةِ وليس في انعدامِه؛ إذ يتعاملُ الأمريكيُّ مع المرتزقِ كمرتزقٍ رخيصٍ وخائنٍ لبلدِه ودينِه ووطنِه، لا يمكنُه القتالُ والتحركُ كما يتحركُ الأبطالُ الشرفاءُ المجاهدونَ من أبناءِ أيِّ شعبٍ أو بلدٍ معتدىً عليه.

ويبرزُ الفارقُ الشاسعُ بين من يقاتلُ كمرتزقٍ ومن يقاتلُ بدافعِ الدينِ والعِرضِ والوطنِ والقضيةِ العادلةِ، كما يظهرُ الفرقُ بين المؤمنِ والمنافقِ، وبين اللصِّ الباحثِ عن المالِ المدنسِ من دولةٍ معتديةٍ ومجرمةٍ وأجنبيةٍ تتدخلُ في بلدِه لمصالحِها وتقتلُ أبناءَ شعبِه، وبين من يقاتلُ بوعيٍ ومعرفةٍ دقيقةٍ بخطورةِ مخططاتِ الأعداءِ وأساليبِهم الخبيثةِ والإجراميةِ وأهدافِهم الحقيقيةِ من وراءِ العدوانِ والغزوِ وتنصيبِ العملاءِ والخونةِ ليحكموا البلدَ.

ويتجلى هذا النموذجُ كما جرى في أفغانستانَ عندما نصبَ الأعداءُ كرزاي، وكما هو حاصلٌ في “معاشيقَ” بعدنَ حيث يبرزُ المرتزقُ والخائنُ رشاد العليمي كواجهةٍ تافهةٍ، وكما هو حاصلٌ في عددٍ من الدولِ العربيةِ وعلى رأسِها دولُ الخليجِ التي يحكمُها عملاءُ وأدواتٌ لليهودِ والأمريكيينَ ضداً على مصالحِ الشعوبِ والأمةِ بشكلٍ عامٍ.

ويظلُ العميلُ والخائنُ -مهما بلغَ حجمُ الدعمِ المقدمِ له- مهزوزاً وضعيفاً وفاقداً للقضيةِ والمعنويةِ؛ إذ يفكرُ المرتزقُ لحظةَ حصولِه على المالِ الحرامِ والمدنسِ من الأجنبيِّ في كيفيةِ النجاةِ والتراجعِ والمغادرةِ للاستثمارِ والراحةِ، دونَ أن يفكرَ في التحركِ والتضحيةِ بالميدانِ. وتُشكلُ هذه النقطةُ العقدةَ التي تجعلُ تحركاتِ الدوسري ومن خلفِها السعوديَّ بلا قيمةٍ ولا فائدةٍ، فضلاً عن كونِها مجربةً ولا جديدَ فيها.

اعتراف جديد: الحرب ضد اليمن أمريكية

وتتضمنُ الجلسة فكرتينِ أساسيتينِ؛ تُبرزُ الأولى، على لسانِ عضوِ الكونغرس الأمريكيِّ، أن المشكلةَ والمأزقَ في مواجهةِ اليمنِ يمثلانِ أزمةً أمريكيةً بالمقامِ الأولِ، أما الحديثُ عن السعوديةِ وعن استخدامِ الأدواتِ المحليةِ فلا يأتي إلا في سياقِ البحثِ عن حلٍّ للمشكلةِ وللمأزقِ الأمريكيِّ، إذ إن الهدفَ من النقاشِ في أصلِه لا يدورُ حولَ اليمنِ ومصالحِ اليمنيينَ، ولا حولَ السعوديةِ ومصالحِ الدولِ العربيةِ.

ويتضحُ من خلالِ النقاشِ أن أمريكا تقفُ في مأزقٍ ومشكلةٍ حقيقيةٍ، حيث باتتْ مصالحُها الاستعماريةُ في خطرٍ وتكادُ تسقطُ أمامَ نهضةِ ووعيِ شعبِ الحكمةِ والإيمانِ، ومن هذا المنطلقِ يُطرحُ السؤالُ حولَ الحلولِ والآراءِ والاستشاراتِ التي يمكنُ أن تقدمَها هاتانِ الجاسوستانِ لصانعِ القرارِ الأمريكيِّ ليخرجَ من هذا المأزقِ والفشلِ في فهمِ اليمنِ ومواجهةِ اليمنيينَ.

وتكمنُ الإجابةُ -بحسبِ استشاراتِ الضيفتينِ- في ضرورةِ قيامِ أمريكا بدفعِ السعوديةِ لتحريكِ الأدواتِ المحليةِ، لتصبحَ الحربُ في اليمنِ داخليةً مدمرةً وقاسيةً، تعطّلُ قدراتِ اليمنِ واليمنيينَ على الاستمرارِ في الحياةِ الطبيعيةِ، فضلاً عن منعِهم من الاستمرارِ في موقفِهم القويِّ والتاريخيِّ المساندِ للشعبِ الفلسطينيِّ، والمناهضِ للسياساتِ الإجراميةِ الأمريكيةِ والصهيونيةِ بحقِّ الدولِ والبلدانِ العربيةِ والإسلاميةِ.