قدرات متطورة للغاية.. ماذا قال الخبراء العسكريون عن الضربة الصاروخية الدقيقة لاجتماع قيادات العدو؟

3

ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
6 سبتمبر 2026مـ – 24 ربيع الأول 1448هـ

في ظل التسارع الميداني والتحولات العسكرية المستمرة في جبهات الساحل الغربي، تبرز الضربات الاستراتيجية الموجهة من القوات المسلحة اليمنية نحو شبكات الإمداد ومنظومات القيادة والسيطرة التابعة للعدو كعامل حاسم يعيد رسم خارطة العمليات، وسط قراءات وتحليلات خبراء عسكريين على قناة “المسيرة”، حول أبعاد هذا التفوق الميداني وتأثيره المباشر على موازين القوى.

في هذا السياق، يؤكد الخبير العسكري والاستراتيجي الدكتور علي حمية أن الضربة الصاروخية الدقيقة التي استهدفت مؤخراً اجتماعاً لقيادات عسكرية ميدانية تابعة للعدو السعودي يعكس القدرة المتطورة للغاية لدى القوات المسلحة اليمنية في مجال التتبع والرصد والاستهداف الفوري.

وأوضح الدكتور حمية أن خريطة الواقع الميداني والعسكري والاستراتيجي تشير إلى أن المعطيات الحالية أسهمت في رفع كفاءة وتيرة العمليات وتطوير نوعية الأسلحة المستخدمة، حيث ولا يتوقف الأمر عند حدود التتبع التقليدي وجمع المعلومات، بل يتعداه إلى قدرة عالية على المتابعة والإصابة التامة بنسبة مائة في المائة، وهو ما يترجم وجود معلومات واستخبارات فورية ترسل إحداثيات الهدف الفورية مباشرة إلى أقرب قاعدة صاروخية لتنفيذ الضربة بدقة متناهية.

من الناحية العسكرية، يبين الخبير الاستراتيجي أن هذه الاجتماعات العسكرية الميدانية تجاوزت صيغة المراكز الثابتة لتنتقل إلى الميدان المفتوح، مما يؤكد أن هجوماً واعتداءً برياً كان وشيكاً. وتجلت طبيعة هذه التحركات من خلال وجود عربات متخصصة للقيادة والسيطرة والمتابعة، مما أتاح للقوات المسلحة توجيه ضربة مباشرة استهدفت “رأس الهرم” العسكري في تلك المنطقة وإحباط المخططات الميدانية في مهدها.

وفي قراءة للبعد الاستراتيجي الأوسع لهذه الحرب التي تقودها السعودية ضد اليمن، أشار الدكتور حمية إلى أن المشهد الإقليمي يشهد انخراطاً مباشراً للأصيل دون الوكيل، حيث تتشكل محاور واضحة؛ فمن جهة يوجد حلف متماسك مع القضية الفلسطينية يضم اليمن ولبنان والعراق وإيران وفلسطين، ومن جهة أخرى تحالفات إقليمية تسعى لخدمة الأجندات الأمريكية والإسرائيلية. واعتبر أن التحركات والاعتداءات العسكرية الجارية تهدف في جوهرها إلى حماية الكيان الإسرائيلي وتشتيت الأنظار عن الاعتداءات الأمريكية في المنطقة، بالتوازي مع التهديدات الأمنية الموازية في الساحة السورية واللبنانية والعراقية والفلسطينية، مؤكداً أن “المحرك واحد والمايسترو واحد والتوقيت واحد”.

وخلص الدكتور حمية إلى تأكيد أن العمليات الاستخباراتية والصاروخية اليمنية تثبت تفوقاً تكنولوجياً وعسكرياً، مذكراً بأن القوة الصاروخية اليمنية استطاعت مسبقاً تحدي المنظومات الأمريكية والصهيونية الإسرائيلية عبر إسقاط أكثر من اثنتين وعشرين طائرة استطلاع متقدمة، فضلاً عن إصابة أهداف بعيدة المدى على مسافات تصل إلى آلاف الكيلومترات، مما يجعل التعامل مع أهداف قريبة على بعد عشرات الكيلومترات أمرًا أسهل ودليلاً على كفاءة يمنية فائقة. واصفًا الخطوة العدوانية للنظام السعودي باستهداف اليمن بأنها وقوع في فخ استراتيجي يعكس سوء تقدير سعودي في مواجهة محور أثبت جدارة استخباراتية وعملياتية غير مسبوقة.

تطور استخباراتي وتقني في الرصد والاستهداف
وفي سياق متصل يؤكد الخبير العسكري العميد عبدالغني الزبيدي، أن الضربة الصاروخية الأخيرة التي استهدفت اجتماعاً لقيادات عسكرية تتبع العدو السعودي في منطقة نائية تعكس تطوراً كبيراً وملموساً في القدرات الاستخباراتية والفنية للقوات المسلحة اليمنية، مشيراً إلى أن العملية تجسد كفاءة عالية في الرصد الجوي، وتحديد الإحداثيات بدقة متناهية، وسرعة فائقة في الانتقال من مرحلة الاكتشاف إلى التنفيذ الفوري.

وأوضح العميد الزبيدي أن المعطيات الميدانية تدل على جاهزية تامة لمواجهة مساعي العدو الهادفة إلى الدفع بأعداد كبيرة لتحريك الحرب البرية. وبين أن صنعاء تستهدف التحشيدات العسكرية والقيادات الميدانية التي تدير المعركة على الأرض منذ البداية، مؤكداً أن ما يتم رصده وعرضه في وسائل الإعلام والتصوير المتداول لا يمثل سوى جزء يسير من عمليات أكبر وأضخم. لافنًا إلى مثل هذه العمليات تعتمد على مصادر استخباراتية دقيقة لتحديد الإحداثيات اللازمة للضربات الباليستية، مدعومة برصد جوي متقدم وقوات استطلاع فاعلة على الأرض

وفي قراءته لظروف استهداف الاجتماع، يشير الخبير العسكري إلى أن القيادات المستهدفة عمدت إلى مغادرة مراكز القيادة والسيطرة التقليدية والخنادق والدشم الحربية هرباً من الرصد الاستخباراتي المألوف، لتجتمع في أماكن نائية بعيدة مستخدمة ثلاثة أطقم عسكرية. ورغم هذه المحاولات لتفادي الاستهداف، أثبتت الضربة أن هذه التجمعات باتت مكشوفة وتحت الرقابة الدائمة، مما يعكس قدرة استخباراتية على كشف التحركات مهما بلغت سريتها.

ويسلط العميد الزبيدي الضوء على الأهمية الحاسمة لعامل الزمن وسرعة الانتقال من رصد الاجتماع وتحديد موقعه إلى تنفيذ الضربة قبل تفرق المجتمعين. وعزا هذا النجاح إلى تماسك منظومة القيادة والسيطرة، وديمومة وسرعة اتصالاتها بغرف العمليات ووحدات الإسناد الصاروخي الجاهزة دائماً. وأكد أن الترابط الوثيق بين القيادة، ومراكز القرار، وقوات الاستطلاع على الأرض، والرصد الجوي، يبرهن على امتلاك القوات المسلحة فاعلية عالية لإدارة الحروب الحديثة بكفاءة وتقنية متطورة.

وختم العميد الزبيدي بالتأكيد على أن هذه الضربة الصاروخية الدقيقة تمثل رسالة قوية ومهمة للعدو ولجميع المراهنين على ما تبثه وسائل الإعلام المعادي. وأثبتت العملية أن الصورة الميدانية الدقيقة والتقنية العالية في الإصابة بالصواريخ الدقيقة تعكس تطوراً نوعياً كبيراً في قدرة القوات المسلحة على إدارة المعركة وفرض معادلات الردع الميداني بفاعلية تامة.

فشل الهروب والتمويه.. بعيدًا عن غرف القيادة
من جانبه يؤكد الخبير العسكري اللواء خالد غراب أن الضربة الصاروخية الدقيقة التي استهدفت اجتماعاً لقيادات الصف الأول للقوات السعودية تحمل دلالات استراتيجية عميقة، أبرزها انتقال العدو من مراكز القيادة الحصينة والثابتة تحت الأرض إلى استخدام غرف عمليات وعربات قيادة متنقلة، بعد نجاح القوات المسلحة اليمنية في ضربات وتدمير البنى التحتية الثابتة لمرتزقة العدو السعودي.

ويوضح اللواء غراب أن العمليات الاستخباراتية أثبتت كفاءة عالية في رصد تجمعات القيادات السعودية رغم لجوئها إلى لقاءات خاطفة لا تتجاوز مدتها بين عشر دقائق إلى ربع ساعة. ففور وصول المعلومة الدقيقة، سجلت القوى النارية سرعة استجابة فائقة باستخدام صاروخ تكتيكي قصير أو متوسط المدى، تم اختيار نوعه ليتناسب مع الهدف ونطاقه المحيط بدقة لضمان إصابة نقطية ودعم تدمير الهدف بالكامل.

وأرجع الخبير العسكري نجاح هذه العمليات إلى تراكم الخبرات الميدانية الكبيرة التي اكتسبتها القوات المسلحة اليمنية عبر سنوات المواجهة الطويلة مع العدوان. وأشار إلى أن قيادات الصف الأول للعدو السعودي باتت اليوم تعيش حالة من التخبط والانكشاف، محصورة في خيارات تهدف للنجاة بالنفس وامتصاص الضربات والتحول إلى قوى دفاعية هشة لتفادي انهيارات وفضيحة مدوية.

وختم اللواء غراب تحليله بالتأكيد على أن تعامل القوات المسلحة مع التحشيدات السعودية في مختلف الجبهات الشرقية والغربية يجري وفق خطط مسبقة تحاكي أسوأ سيناريوهات العدو، معتبرًا أن ما يجري لا يعدو كونه “الحد الأدنى” من المواجهة. وحذر النظام السعودي من أن فاتورة أي تصعيد ستكون باهظة ومكلفة، خصوصاً مع امتلاك القوات اليمنية القدرة الكاملة على نقل المعركة فوراً إلى العمق الجغرافي السعودي واستهداف مفاصله الحيوية والاقتصادية بقوة غير مسبوقة.

عزل إمدادات العدو وقلب المخططات
وفي جانب الحديث حول المعارك الدائرة في الساحل الغربي، يؤكد الخبير في الشؤون العسكرية العميد أكرم كمال سيروي أن تلك المعارك تشهد تحولاً استراتيجياً جذرياً لصالح القوات المسلحة اليمنية، مشيراً إلى أن العمليات الأخيرة أدت إلى عزل إمدادات العدو وقلب الخطط العسكرية السعودية رأساً على عقب.
ويوضح العميد سيروي أن الجبهة تشهد محاولات مكثفة لدعم القوات التابعة للعدو السعودي عبر الزج بألوية العمالقة وقوات إضافية، بالتزامن مع قصف جوي يثير تساؤلات حول هوية الطائرات المنفذة –ما إذا كانت سعودية أم غربية– مما يعكس احتمالية وجود تدخل خارجي مباشر في معركة تجاوزت طابع الحرب المحلية. وفي المقابل، نجحت القوات اليمنية في مباغتة الخصم والسيطرة على مرتفعات استراتيجية حاكمة تشرف على الساحل شرق مدينة المخا، مثل جبل الشيخ عيسى وجبال حيس، مما جعل المنطقة الساحلية ساقطة عسكرياً تحت نار السيطرة التكتيكية.
ويشير الخبير العسكري إلى أن وصول القوات اليمنية إلى الطريق الرابط بين تعز وساحل المخا يمثل ضربة قاصمة تقطع خطوط الإمداد وتمنع وصول أي تعزيزات للجبهات المتقدمة. ورغم وعورة التضاريس الجبلية وصعوبة التقدم والقتال فيها، تسعى القوات اليمنية لحسم السيطرة وعزل قوات الساحل تمهيداً للوصول إلى ميناء المخا.
وخلص العميد سيروي إلى إن هذه التطورات غيرت معادلة المنطقة بأسرها، بعد أن كانت الخطة المعاكسة للتحالف تستهدف التقدم نحو الحديدة لمحاصرة صنعاء، لينقلب المشهد كلياً وتنتقل المبادرة الهجومية والعمليات الاستثنائية إلى يد القوات المسلحة اليمنية.

دقة الضربات الأخيرة عامل حاسم متعدد الأبعاد
أما مدير مركز الدراسات الأنثروستراتجية، العميد نضال زهوي، فيؤكد أن دقة الضربات العسكرية الأخيرة -لا سيما المصورة منها- تُمثل عاملاً حاسماً متعدد الأبعاد، مشيراً إلى أن استهداف شبكات الإمداد ومنظومات القيادة والسيطرة يعطل بشكل كامل قدرات الخصم الهجومية والدفاعية في مسرح عمليات الساحل الغربي.
ويوضح العميد زهوي أن الضربات تقوم على مسارين رئيسيين؛ أولهما عسكري يتمثل في إضعاف القدرات المهاجمة بشكل مباشر، وثانيهما نفسي وإدراكي يستهدف معنويات القوة المعادية. وأشار إلى أن استهداف شبكات الإمداد اللوجستية يعني شلّ القدرة على القتال، مستشهداً بقاعدة عسكرية تؤكد أنه عند غياب اللوجستيات، تصبح استحالة التخطيط لأي معركة هجومية أو دفاعية حقيقة ماثلة.
ويبيّن الخبير الاستراتيجي أن ضرب ركيزة القيادة والسيطرة كما حصل في المشاهد التي عرضها الإعلام الحربي اليوم لاستهداف اجتماع قيادات عسكرية تابعة للعدو السعودي، يوجه ضربة قاصمة لعمليات العدو العسكرية، موضحاً أن العمليات الهجومية تتطلب تنسيقاً مركزياً ودقة أعلى بكثير مقارنة بالدفاع اللامركزي. ومع تضرر القيادة والسيطرة والتحشيدات العسكرية في نقاط التحكم والتوجه نحو الساحل الغربي، تفقد القوات المعادية أي إمكانية للصمود.
ويختم العميد زهوي هذا التحليل بالتأكيد على أن سرعة الاستثمار الميداني للنجاحات المحققة تمنع العدو من التكيف أو إعادة بناء خطوطه، في وقتٍ تظهر المعطيات تفوقاً استخباراتياً وعسكريا واضحاً لصنعاء من حيث الاستعلام والاستطلاع والقدرة الميدانية المطلقة في الساحل الغربي.