ما بعد عملية “تأديب المعتدي” الحصار الأمريكي لإيران لا طائل منه

4

ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
4 سبتمبر 2026مـ – 22 ربيع الأول 1448هـ

تقرير || وديع العبسي

يستمر الشعور الحاد بالعجز يسيطر على مفاصل الإدارة الأمريكية في المحطة الإجرامية الجديدة التي تنفذها ضد الجمهورية الإسلامية، الأمر الذي يدفعها بين الحين والآخر إلى رفع وتيرة التصعيد ضد المدنيين والبنية التحتية مع الرهان الأكيد على أي “ضربة حظ” يمكن أن تمنحها مساحة للمناورة والخروج من مستنقع الفشل بماء الوجه ولو كان “ملوثاً”.

في التصعيد القائم، حافظت الجمهورية الإسلامية على مستوى الرد الموجع، وهذه المرة تأتي عمليات الجيش الإيراني وحرس الثورة في سياق عملية “تأديب المعتدي” ليعزز ذلك من استمرار التوجه الإيراني لكسر شوكة الغطرسة الأمريكية وتعميق عقدة الفشل في قدرة الترسانة الأمريكية على إحداث أي اختراق في مسار عملية عدوانية عبثية يجري تنفيذها تحت رغبة اللوبي الصهيوني الحاكم للقرار الأمريكي.

تختار أهدافها وتقتل كالشيطان
هي واحدة من أعقد اللحظات الجيوسياسية والتاريخية التي تمر بها المنطقة حسب مراقبين، حيث يزيد السلوك العسكري الأمريكي في دفع الإقليم ونظام الطاقة العالمي نحو مستنقع من الفوضى الشاملة. فالرد الإيراني الشامل -عبر عملية “تأديب المعتدي” بموجاتها المتلاحقة- يؤكد بأن الجمهورية الإسلامية تجاوزت وضعيتي امتصاص الضربات والمناورة الدفاعية، وانتقلت إلى استراتيجية تأكيد فرض قواعد الاشتباك وصناعة الردع المباشر المؤلم. في وقت تشهد فيه واشنطن انقساماً سياسياً وعسكرياً داخلياً غير مسبوق حول الحرب الفاشلة، بالتوازي مع رفض دولي وإقليمي واسع لمسار التصعيد الذي تعتمده الإدارة الأمريكية الراهنة.

في التحرك التصعيدي الأمريكي القائم، لم يكن هناك أي جديد على صعيد الاقتراب من هدف كسر الإرادة الإيرانية كمدخل لاستعادة فرض الهيمنة على مضيق هرمز (الشغل الشاغل لواشنطن والمجتمع الدولي)، إذ عزز السلوك العسكري الأمريكي حالة الإفلاس الاستراتيجي والعجز عن شل القدرات الصلبة للجمهورية الإسلامية. فعندما يبقى عسكر أمريكا يراوحون في ذات المربع من الأهداف فيستهدفون البنى التحتية والأعيان المدنية (ضرب مصنع لمنتجات الأسماك ورصيف الصيادين وبرج إدارة الموانئ في سيريك وقشم وهرمزغان، واستهداف شبكة الكهرباء، وصولاً إلى المجزرة الإجرامية التي طالت منطقة سكنية وحفل زفاف في بندر كوهستك وأدت لارتقاء شهداء بينهم أطفال وإصابة العشرات) فهذا النهج الأمريكي المعتاد إنما يعكس عجزاً استخباراتياً واضحاً وفشلاً في الوصول إلى الترسانة العسكرية والحيوية لإيران، ويهدف إلى سلوك “العقاب الجماعي”، تماماً كما هو حال الكيان الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني. وهو ما وصفته الخارجية الإيرانية عبر متحدثها إسماعيل بقائي بأنه “إرهاب دولة” صريح وانتهاك فادح للقانون الدولي، وما عبر عنه رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بتوصيفه الدقيق بأن القوة التي تتصرف وتختار أهدافها وتقتل كالشيطان إنما هي الشيطان بعينه.

تآكل الاستراتيجيات الأمريكية وأسطورة الباتريوت
في المقابل، جاءت عمليات “تأديب المعتدي” التي تنفذها القوة الجوفضائية والقوات البرية للحرس الثوري بمشاركة الجيش الإيراني، لتكرس لدى العدو الأمريكي بأن معضلة الواقع العسكري المُكلف تبقى قائمة. إذ أظهرت الصواريخ الباليستية والمسيّرات الإيرانية قدرة فائقة على اختراق حواجز المنظومات الدفاعية الأكثر تطوراً في المنطقة؛ وقد أثبتت الصور والبيانات اختراق الصواريخ لإحداثيات مهمة، واستهداف حظائر الطائرات في قاعدة موفق السلطي بالأردن، وقصف قاعدة مشاة البحرية الأمريكية في خليج العقبة، واستهداف مقر إقامة قائد قاعدة “علي السالم” في الكويت وتدمير منصات الطائرات المسيّرة بها، فضلاً عن استهداف القواعد والتجمعات الأمريكية في البحرين وأربيل، وتعطيل الرادارات البحرية في الإمارات والبحرين، والاستمرار في صيد الطائرة المسيّرات المتطورة طراز MQ-9 فوق مدينة خمين.

هذه الضربات المتلاحقة عززت حقيقة تآكل مفهوم الحماية الأمريكية لقواعدها العابرة للحدود، وأظهرت هشاشة المنظومات الدفاعية الغربية. وهو ما يتأكد بالنظر إلى التقديرات العسكرية الصادرة عن أوساط غربية، ومنها ما نشرته مجلة “ميليتاري ووتش”، التي أكدت أن ضربة صاروخية إيرانية واحدة باتت كفيلة باستنزاف أكثر من 10% من المخزون الاستراتيجي الأمريكي لصواريخ “باتريوت” الاعتراضية. وهذه المعادلة الحسابية تجعل المواجهة بمثابة استنزاف قاتل للترسانة الأمريكية التي تعاني أساساً من بطء خطوط الإنتاج وارتفاع التكلفة المالية مقارنة بالتكلفة الاقتصادية والإنتاجية للصواريخ والمسيرات الإيرانية.

تصدير النفط للجميع أو لا تصدير
حدود الردع الإيراني لم تتوقف عند القواعد العسكرية، وإنما امتدت لتؤكد إحكام القبضة على شريان الطاقة العالمي في مضيق هرمز. ويعكس تأكيد القيادة الإيرانية على لسان قاليباف بأن السيطرة الكاملة على المضيق هي بيد القوات المسلحة الإيرانية، يعكس إمساكَ طهران فعلياً بخناق الاقتصاد الدولي. وهو الذي ينسف الأكاذيب الأمريكية بالسيطرة على مسار السفن. ورداً على المحاولات الأمريكية لتسيير السفن عبر المسارات الجنوبية للمضيق إرضاءً لشركات الملاحة وضماناً لاستمرار الحصار، جاء الفرض الإيراني الميداني ليوضح كذب التطمينات الأمريكية؛ بالتوازي مع إعلان طهران أن المضيق لن يُفتح أمام الملاحة إلا بالتنفيذ الكامل لمذكرة التفاهم التي تضمَن حقوق إيران وتسمح لها بتصدير نفطها دون قيود.

وتتلخص المعادلة التي فرضتها القيادة السياسية الإيرانية في معادلة: إما أن يُتاح للجميع تصدير النفط والالتزام بالاتفاقيات، أو لن يتمكن أحد من تصدير نقطة نفط واحدة عبر الخليج. وهو ما أدى لارتفاع أسعار الطاقة العالمية، وإثارة رعب أسواق المال الدولية من استمرار هذا الخناق البحري.

لا هدف استراتيجياً ولا خطة خروج
التصعيد الأمريكي الطائش لم يُواجه فقط بصمود وعمليات تأديب تجاوزت الخطوط واستهدفت مكامن التحرك العسكري للمارق الأمريكي في المنطقة، وإنما قوبل بانتقادات حادة ورفض واسع داخل الساحة السياسية والعسكرية الأمريكية نفسها. فقد كشفت تقارير صادرة عن أوساط واشنطن ومُسربة من داخل أروقة وزارة الدفاع (البنتاغون) عن اعتراضات جادة وصريحة رفعها كبار القادة العسكريين والضباط في الجيش والبحرية والجوية إلى وزير الدفاع بيتر هيغسيث. وأكدت هذه التقييمات العسكرية أن إصرار المعتوه “ترامب” على مواصلة إهلاك وحرق القوات في عمليات واسعة النطاق ضد إيران لعدة أشهر يمثل مجازفة غير محسوبة تستنزف قدرات الجيش الأمريكي، وتضعف جاهزيته على مستوى العالم، ما يجعل الدفاع عن الممتلكات والمصالح الأمريكية الحيوية في مناطق أخرى عرضة للمخاطر. وأشارت المذكرات الداخلية إلى أن الأسطول البحري الأمريكي أيضاً ينزف قدراته الاستباقية، حيث هبطت نسبة الجاهزية لنشاط المدمرات البحرية لمستويات حادة، مع إطالة أمد انتشار القوات البرية ووحدات الباتريوت بما يتجاوز طاقتها التشغيلية.

وعلى الصعيد السياسي الداخلي في واشنطن، يواجه السلوك الهجومي لإدارة المجرم ترامب، موجة سخط وانتقادات عارمة من أطياف واسعة في الكونغرس الأمريكي والرأي العام. ويرى العديد من المشرعين والاستراتيجيين أن الإدارة أدخلت البلاد في “حرب استنزاف مفتوحة” بلا هدف استراتيجي واضح، ولا خطة خروج محددة. ومع الاقتراب التدريجي من الاستحقاقات الانتخابية وسباق انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، تصاعدت الأصوات المطالبة بتقييد سلطات ترامب في شن الحروب، والحد من المغامرات العسكرية الخارجية التي تتسبب في رفع أسعار الوقود والتضخم داخل الولايات المتحدة، وتكلف الخزانة الأمريكية مليارات الدولارات دون تحقيق أي إنجاز سياسي يذكر. كما أظهرت استطلاعات الرأي داخل الشارع الأمريكي رفضاً واسعاً لاستمرار هذه الحرب غير المبررة والتي تهدد بجر البلاد إلى حرب إقليمية شاملة لا نهاية لها.

قاعدة احترام الحقوق الإيرانية
وعلى الساحة الدولية والإقليمية، يتنامى حجم العزلة التي باتت تعاني منها واشنطن نتيجة سلوكها المتهور. ففي الوقت الذي أعلنت فيه دول ومؤسسات محور المقاومة —وعلى رأسها اليمن عبر وزارة خارجيته وهيئاته الحقوقية— الوقوف الكامل والمبدئي إلى جانب الجمهورية الإسلامية حقاً ودفاعاً، تلقت واشنطن تحذيرات صارمة من القوى الدولية الكبرى. إذ أعلنت منظمة “شنغهاي” للتعاون دعمها المطلق لسيادة إيران وتحذيرها من التداعيات الخطيرة للاعتداءات الأمريكية على الأمن والسلم الدوليين. كما دعت دول محورية في آسيا وأفريقيا ولاتينيا إلى الوقف الفوري للعدوان، رافضة سياسة الاستكبار وفرض العقوبات وسياسة الذراع القوية.

حتى الدول الإقليمية المحيطة بالخليج والتي تضم قواعد أمريكية، أصبحت تجد نفسها في موقف حرج ومأزق جيوسياسي خطير؛ إذ إن استمرار واشنطن في استخدام أراضيها ومجالها الجوي للاعتداء ينتهك سيادتها المعلنة ويجعلها في مرمى الاستهداف المباشر من قبل القوات المسلحة الإيرانية، وهو ما دفع أطرافاً إقليمية -كباكستان- للتوسط والمشاركة في جهود دبلوماسية مكثفة عقب الزيارات المتبادلة لكبار قادتها العسكريين إلى طهران للبحث عن صيغ لخفض التوتر وإعادة الهدوء لمضيق هرمز والمنطقة على قاعدة احترام الحقوق الإيرانية.

وفي سياق متصل، حرصت القيادة العسكرية الإيرانية -عبر بياناتها- على توجيه رسائل تطمين لشعوب المنطقة، كما جاء في خطاب الحرس الثوري للشعب الكويتي بالتأكيد على عمق المحبة والروابط التاريخية، وأن استهداف القواعد الأمريكية يهدف حصراً لتطهير الأراضي الإسلامية من الوجود والاحتلال العسكري الأمريكي الإرهابي الذي يجلب الكوارث للإقليم.

أمريكا في مواجهة انهيار شامل
إن المشهد السياسي والعسكري الحاصل يقطع بوضوح بأن زمن الاستفراد الأمريكي والتصرف بكبرياء القوة الغاشمة قد انتهى كلياً. إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بقيادتها السياسية وبسواعد قواتها المسلحة من الحرس والجيش، فرضت معادلة ردع إقليمية صلبة غيرت موازين القوى الدولية، وباتت واشنطن بين خيارين لا ثالث لهما: إما التسليم بوقف الاعتداءات والانصياع لحقوق إيران وسيادتها الكاملة ورفع الحصار، أو مواجهة انهيار استراتيجي شامل لقواعدها ومصالحها في المنطقة تحت ضربات حاسمة ومستمرة تجعل من بقاء القوات الأمريكية في الإقليم أمراً مستحيلاً.