الجمهورية الإسلامية تفرض هويتها على مضيق هرمز

7

ذمــار نـيـوز || تقارير ||

1 سبتمبر 2026مـ – 19 ربيع الأول 1448هـ

تقرير || وديع العبسي

بات العالم على قناعة تامة بأن معادلة أمريكا (السيطرة بالقوة) قد تحطمت كلياً أمام تكتيكات الردع الإيرانية، وصار عليها التسليم بأن خياراتها قد نفدت، والإقرار بالهزيمة، والقبول بإدارة طهران لمضيق هرمز باعتبار ذلك الخيار الأقل سوءاً. وهذا الواقع الذي تسببت به الحماقة الأمريكية يؤكد حقيقة لا مفر منها بأن الحقبة الأمريكية إلى زوال، وإنما تمر حالياً بتفاعلات ما قبل النهاية.

وكنتيجة لهذه الحقيقة يمر الداخل الأمريكي بمرحلة من عدم اليقين بشيء بعد أن اختلطت أوراقه وانكشف وهم الهيمنة المطلقة على العالم، الأمر الذي صار يدفع لظهور أصوات أمريكية تحاول تدارك ما تبقى من الدولة التي نشرت شرورها على العالم عبر عمليات النهب بالإكراه، وفرض الوصاية على المناطق الغنية بالطاقة والمعادن.

وتعكس مطالبة البعض لإدارة البيت الأبيض بالتسليم بالهزيمة والانسحاب من المعركة الفاشلة مع الجمهورية الإسلامية، تعكس مستوى التغيير الذي طرأ على تفكير النخب الأمريكية؛ فهي من جهةٍ لم تعد على إيمان بقوة واجهتها السياسية والعسكرية على فرض الإرادة الأمريكية، ومن جهة ثانية صارت متكيفة مع حقيقة أن السقوط من موقع الصدارة أصبح احتمالاً وارداً.

تطور الحالة المرضية لدى الولايات المتحدة والمتمثلة بالنهم المستمر لسفك دماء الأبرياء وتدمير الدول، والنزوع إلى “سرقة” ثروات الشعوب، دخل بالدولة مرحلة العد التنازلي للأفول، خصوصاً وأن الأمر قد صار إلى مستوى من التآكل الداخلي، ما يجعل عمق الدولة هشاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة.

“دع إيران تسيطر على هرمز”
قبل أيام نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريراً، وجه بصرامة النقد إلى المجرم دونالد ترامب بالكف عن السياسة العبثية في إثارة العالم ضد الولايات المتحدة. حمل التقرير عنوان “دع إيران تسيطر على هرمز”، وتضمَّن -صراحةً- مطالبة ترامب للأخذ بالخيار الوحيد العقلاني المتبقي أمام الإدارة الأمريكية، وهو السماح لطهران بإدارة الممر المائي.

التقرير استند إلى أن الإقرار بحق الجمهورية الإسلامية في الحصول على العوائد من عبور السفن لمضيق هرمز الأكثر أهمية في العالم يمنحها حافزاً ذاتياً لإبقائه مفتوحاً، بينما أثبتت التطورات الميدانية الشاملة أن القوة العسكرية الأمريكية الغاشمة، وامتلاك أعتى الأساطيل والتفوق التكنولوجي والجوي المطلق لم تستطع إحداث أي فارق لصالح العدو الأمريكي في معادلة السيطرة على مضيق هرمز، وإنما تحول هذا الحشد العسكري المكثف إلى مجرد عبء لوجستي وإستراتيجي عاجز عن حسم معركة الجغرافيا والتكتيكات الإيرانية.

أمريكا لن تستطيع فتح المضيق
تدعم “روزماري كيلانيك”، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة ديفنس برايروتيز، اتجاه هذا التقرير من خلال رصد أبعاد “الهزيمة الإستراتيجية” للولايات المتحدة، فتشير إلى أن المعادلة الميدانية الصلبة والفعلية القائمة على الأرض اليوم تنحصر في أن “أمريكا لن تستطيع فتح المضيق بالقوة”، مؤكدة أن هذا الواقع يمثل هزيمة صريحة ومكتملة الأركان لواشنطن بعدما أثبتت طهران قدرتها الميدانية المطلقة على فرض كلمتها وإرادتها على حركة ناقلات النفط والتحكم في مساراتها ومواعيد عبورها، في الوقت الذي عجزت فيه الإدارة الأمريكية كلياً عن امتلاك قرار سلامة الملاحة في المضيق، أو حتى كسب ثقة شركات الشحن الملاحي ومشغلي ناقلات النفط العملاقة الذين فضلوا السلامة على الوعود الأمريكية العائمة.

وتضيف “كيلانيك” أن حجم النفط الذي بات يعبر المضيق بطرق متعددة -بما في ذلك أساليب التخفي والتهرب والتنقل المحفوف بالمخاطر من ناقلة إلى أخرى- لم يعد يصل حتى إلى ربع الكمية التقديرية التي كانت تعبر هرمز قبل اندلاع هذه الأزمة والمواجهة العسكرية.

أفق سياسي وعسكري مسدود
في هذا الوقت تؤكد المعطيات العسكرية أن الولايات المتحدة تستنزف -بشكل كبير ومُخيف للأمريكيين- ذخائرها الإستراتيجية وصواريخها الاعتراضية والهجومية الباهظة الثمن، فضلاً عن استهلاك جهد وتركيز قواتها في مواجهة تكتيكات إيرانية منخفضة الكلفة. وهذا الاختلال الميداني، الذي لم تألفه أمريكا من قبل، جعل كلفة التأمين والحماية مستحيلة، ودفعها إلى مواجهة أزمة حقيقية بلا حلول عسكرية أو غير عسكرية حاسمة نتيجة الاندفاع غير المحسوب وراء الوديعة “الإسرائيلية”.

وأمام هذا الأفق السياسي والعسكري المسدود، تظل الولايات المتحدة في تذبذب مستمر عن اتخاذ قرار التراجع، وهو الذي يتمظهر في مناوبتها بين نبرة التصعيد ونغمة التهديد المستهلكة، وبين توسل الوساطات الإقليمية للبحث عن مخرج. ما يؤكد -بحسب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الإيراني عباس غلرو- وصول واشنطن إلى طريق مسدود في مساري الضغط العسكري والسياسي.

تساقط أوراق واشنطن
وبدافع من هذا التراجع الأمريكي بعد الفشل الذريع في ميداني القوة العسكرية والحصار الاقتصادي، والواضح في مضمون الرسائل السرية، تحاول إدارة ترامب بشتى الطرق والوسائل الإعلامية الحفاظ على صورتها وشكل ردعها أمام أعدائها وحلفائها على حد سواء، لكنها مع ذلك تبقى تُجدِّف في ذات المكان بلا قوة على السير خطوة واحدة نحو أي نجاح.

ومن مسارات ضجيج التصريحات، إلى شن ضربات غادرة، وتسويق استجداء طهران للعودة إلى طاولة المفاوضات، تتساقط أوراق واشنطن، فالتصريحات الأمريكية لم يعد هناك من يأخذ بها، والتحرك العسكري سرعان ما يلقى الرد القاسي من القوات الإيرانية، أما توليفة الادعاءات بأن إيران ترغب بالتنازل من أجل إنهاء العدوان، فإن الوقائع الميدانية والسياسية الصريحة تسقط هذا الغطاء الهش؛ إذ تؤكد كافة المعطيات أن واشنطن تعي أن الوضع لم يعد يتيح لها أي إمكانية للمناورة، وليس أمامها إلا الرضوخ.

ترسانة صاروخية ومسيرة موزعة باحترافية
يعيد هذا الواقع قادة العدوان إلى مأزق الانكشاف أمام الحلفاء في المنطقة، حيث يمثل سقوط الردع إيذاناً بمرحلة جديدة تفرض عليهم إعادة تقييم الوضع وفق مصلحة البقاء، وهو ما تخشاه واشنطن، فصورة القوة العسكرية هي السلاح الوحيد الذي تستند إليه، إلا أنها باتت عاجزة فعلياً عن الحفاظ على هذه الصورة نتيجة عجزها عن استيعاب جغرافيا المخاطر التي تتهدد البنية التحتية والموانئ التابعة للحلفاء، فضلاً عن القدرة على توزيع قدراتها الدفاعية لحمايتها.

ويرى خبراء أن الترسانة الصاروخية والمسيرة الإيرانية موزعة باحترافية تتجاوز تهديد حركة الناقلات في قلب مضيق هرمز إلى إمكانية استهداف مصافي النفط، ومحطات تحلية المياه، وموانئ التصدير الرئيسية على كامل الساحل الجنوبي للخليج. وهو ما يضع واشنطن أمام معضلة إستراتيجية يبدو معها القرار العسكري الأمريكي مكبلاً بشرنقة من قيود المآلات القاتمة حال لجأ إلى خيار المغامرة.

ووفق القراءة الواقعية فإن ذهاب واشنطن إلى مواجهة واسعة النطاق لفتح المضيق بالقوة يعني التأثير الناري المباشر على البنية التحتية النفطية للحلفاء، ما سيؤدي تلقائياً إلى إحداث صدمة اقتصادية في أسواق الطاقة العالمية لا يستطيع الاقتصاد الأمريكي أو الأوروبي تحمل تبعاتها السياسية والمعيشية.

تفوق عسكري أمريكي يبدو بلا فاعلية أو تأثير
تثبت مجريات الأحداث والتطورات المتلاحقة أن ورقة “مضيق هرمز” ظلت الكرت الرابح الأقوى بيد إيران، والتي نجحت من خلاله في لي الذراع الأمريكية والإقليمية والعالمية دون الحاجة إلى خوض مواجهة عسكرية شاملة ومباشرة. لقد فرضت طهران قواعد لعبة جديدة على حركة الملاحة والاقتصاد العالمي، وأثبتت أن التفوق العسكري الكلاسيكي يبدو مجرداً من الفاعلية والتأثير عندما يصطدم بذكاء الجغرافيا، والتخطيط الإستراتيجي الطويل، وتكتيكات الاستنزاف غير المتماثلة منخفضة الكلفة.

لم تعد أزمة هرمز تقدم صورة قوة أمريكية قادرة على فرض إرادتها في المياه الدولية، بل أصبحت شهادة إثبات تاريخية على حدود تلك القوة، ونهاية الحقبة التي كانت تعتقد فيها واشنطن أن بإمكانها إدارة العالم والممرات المائية الحيوية عبر التهديد وبارود الأساطيل العائمة.

نهاية أربعة عقود من الوجود العسكري
تتجاوز أبعاد هذا الانكفاء الأمريكي مسرح المياه الدولية، حيث تحاول بحرية ترامب الاحتماء من الغضب الإيراني، لتعصف بأساسات الوجود العسكري لواشنطن في المنطقة؛ وفي هذا الوقت يسلط الإعلام الأمريكي والغربي الضوء على تراجع جدوى الإبقاء على القواعد العسكرية القائمة في الخليج بعد أن ثبتت هشاشتها أمام الضربات الصاروخية الإيرانية. ونقلت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن القصف الإيراني المكثف للقواعد الأمريكية كشف سريعاً عن المدى الحرج لضعف هذه المنشآت الضخمة، ما أجبر واشنطن على تقليص وجودها العسكري المباشر، ونقل جنودها وطائراتها نحو مواقع أقل خطورة. وأشارت الصحيفة إلى أن المواجهة الأخيرة قد تضع حداً نهائياً لأربعة عقود من الوجود العسكري الأمريكي الفعلي على الأرض.

وفي اعتراف صريح بضخامة الإنجاز الاستراتيجي لإيران، أقرت نائبة مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابقة، دانا سترول، بنجاح طهران الكبير في إبعاد الوجود الأمريكي، مؤكدة أن “أولئك الذين سعوا لإخراجنا من تلك القواعد سيشعرون بأنهم قد حققوا مبتغاهم”، داعية إلى التخلي عن القواعد المكشوفة التقليدية باعتبارها باتت “من مخلفات الماضي”.

“الجيش الأمريكي في واقع ميداني مظلم”
يؤكد هذا التداعي العسكري التقارير الصادرة عن كبار الخبراء في واشنطن؛ حيث اعتبر المدير السابق لشؤون إيران في مجلس الأمن القومي الأمريكي، “نيت سوانسون”، أن إعادة بناء القواعد العسكرية في الخليج أمر لا جدوى منه، ولن تُقدم عليه القيادة العسكرية لتجنب إبقاء القوات كأهداف سهلة ومكشوفة أمام الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية.

من جانبه، أكد الباحث في جامعة جونز هوبكنز، “هال براندز”، أن الجيش الأمريكي ينفذ بالفعل إعادة توزيع لقواته بعيداً عن مدى الاستهداف المباشر في الخليج، في ظل عجز البنتاغون عن إيجاد “نموذج انتشار تكتيكي بديل” يصعب استهدافه. فيما تخلص فايننشال تايمز إلى أن إدارة ترامب حشرت الجيش الأمريكي في واقع ميداني مظلم، جعل من خيار المغادرة وتفكيك البنية العسكرية التقليدية القرار الأكثر عقلانية وواقعية بدلاً من الاستمرار في المغامرة والتصعيد.