أي ثمن تدفعه واشنطن جراء تصعيدها العسكري ضد إيران؟

4

ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
31 أغسطس 2026مـ – 18 ربيع الأول 1448هـ

تـقـريــر || محمد ناصر حتروش

تواصل أمريكا اعتداءاتها المتكررة على الجمهورية الإسلامية إيران، وتمضي في توسيع دائرة تدخلاتها العسكرية في المنطقة، رغم إدراكها جيداً أن تلك التدخلات السافرة لها تداعيات كبرى على الاقتصاد والداخل الأمريكي، ناهيك عن تكريس سقوط هيبتها العسكرية في المنطقة، والتي تتهاوى أكثر فأكثر مع تكرار الاستهداف الإيراني لقواعدها العسكرية في المنطقة.

وفيما يرى عسكريون أن استمرار العدوان الأمريكي على إيران يعمّق استنزاف القدرات العسكرية ومخزونات الدفاع الأمريكية، يذهب آخرون إلى أن اتساع رقعة المواجهة قد يدفع واشنطن إلى فتح جبهة جديدة من جهة اليمن، في ظل معادلة وحدة الساحات التي تضع القوات الأمريكية وحلفاءها أمام تحديات متزامنة، وتضاعف الأعباء على واشنطن التي تستنزفها أصلاً مغامرتها العسكرية ضد إيران.

وتظهر في هذه المواجهة معادلة كلفة مختلة؛ فأسلحة منخفضة الكلفة يستخدمها محور المقاومة تفرض على الولايات المتحدة وحلفائها استخدام منظومات دفاعية باهظة الثمن، بما يسرّع استنزاف المخزونات ويضاعف فاتورة الحرب، ويجعل مواصلة العمليات بالوتيرة ذاتها أكثر صعوبة.

ومع انتقال آثار التصعيد إلى أسعار الوقود والأسواق وحياة المواطن الأمريكي، يظهر للواجهة واحدة من أبرز مفارقات الحرب: فكلما اتسعت دائرة العدوان خارجياً، اتسعت معها دائرة الكلفة داخلياً، فهل تملك واشنطن القدرة على تحمل هذا الاستنزاف المتصاعد، أم أن مغامرتها العسكرية تدفعها تدريجياً نحو مأزق أكبر؟

في السياق، يضع الخبير العسكري اللبناني العقيد أكرم سروي الرفض الأمريكي المحتمل للطلب السعودي في سياق عدم رغبة واشنطن في تكرار تجربة المواجهة السابقة مع اليمن، بعدما واجهت قواتها، وفق قراءته، صعوبات في الاقتراب من السواحل اليمنية، وتكبدت خسائر في الطيران دون بلوغ أهدافها.

ويأتي ذلك بينما تجد الولايات المتحدة نفسها أمام نقص في مخزون الصواريخ الدفاعية، بفعل الاستهلاك الكبير خلال المواجهة مع إيران، الأمر الذي يجعل فتح جبهة جديدة مع اليمن خياراً محفوفاً بمزيد من الاستنزاف.

ووفق سروي، تتسع دائرة القلق الأمريكي مع احتمال إغلاق باب المندب، بالتزامن مع أزمة مضيق هرمز، بما قد يدفع أسعار الوقود والسلع إلى مستويات أعلى، ويحوّل الممرات البحرية إلى عامل ضغط مباشر على الاقتصاد الأمريكي؛ فالمواطن، في هذه المعادلة، يلمس كلفة الحرب في محطة الوقود والأسواق أكثر مما تعنيه له تفاصيل الصواريخ والمواقع العسكرية.

وعلى المستوى الميداني، يقرأ الخبير العسكري العمليات اليمنية على مواقع تحشديات العدو السعودي باعتبارها مؤشراً على تطور القدرات الصاروخية والمسيرات اليمنية، مستشهداً بدقة الإصابات وما خلفته الضربات من أضرار.

وفي المقابل، تفرض الترسانة العسكرية منخفضة الكلفة لمحور المقاومة معادلة استنزاف غير متكافئة على محور الشر، إذ تدفعه إلى استخدام منظومات دفاعية أمريكية وإسرائيلية وسعودية مرتفعة الكلفة للتصدي لها، بما يضاعف فاتورة المواجهة ويستنزف قدراته الدفاعية بوتيرة متصاعدة.

ومن هنا، يربط سروي بين هذا الاستنزاف وبين توجه أمريكي نحو تطوير أسلحة أقل كلفة، معتبراً أن استمرار المواجهة لا يكسر الإرادة لمحور المقاومة بقدر ما يستنزف مخزونات واشنطن وحلفائها ويضيّق خياراتهم العسكرية.

وخلص إلى أن التصعيد يضيّق خيارات واشنطن وتتسع تداعيات التصعيد الأمريكي في المنطقة لتتجاوز ميادين المواجهة، وتلقي بثقلها على الاقتصاد والسياسة داخل الولايات المتحدة؛ فمع استمرار الحرب تتصاعد كلفتها، وتتزايد أعباء الإنفاق والدين، وترتفع أسعار الطاقة والسلع، فيما تنتقل آثارها تدريجياً إلى حياة المواطن الأمريكي.

وسياسياً، تدفع التداعيات المتراكمة الإدارة الأمريكية إلى مواجهة ضغوط داخلية متصاعدة، وتضع قدرتها على مواصلة سياسة التصعيد أمام اختبار حقيقي، بعدما بدأت كلفة تحركاتها الخارجية تنعكس على الاستقرار الاقتصادي والمشهد السياسي في الداخل.

وبين اقتصاد تستنزفه أعباء الحرب، وواقع سياسي تتفاعل معه تداعياتها، تجد واشنطن نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً؛ فنتائج التصعيد تُقاس بما تخلّفه من أعباء في الأسواق والشارع الأمريكي وليس بما تحققه في ميادين المواجهة فحسب.

وفي قراءة لهذا المشهد، يربط الناشط السياسي والإعلامي حسين مرتضى ارتفاع أسعار البنزين مباشرة بأسعار المواد الغذائية، باعتبار أن الدورة الاقتصادية مترابطة، بالتزامن مع ما تتحدث عنه تقارير من تفاقم الفقر والمجاعة ونقص بعض المواد.

وفي حديثه لبرنامج صدى الخبر على شاشة المسيرة، يضع مرتضى صعوبة إيصال السلع والمواد الأولية عبر المسارات والمضائق المائية، إلى جانب الحروب والسياسات التي تنتهجها إدارة ترامب ورفع التعرفة الجمركية، ضمن العوامل التي تزيد الضغط على الاقتصاد الأمريكي، لافتاً إلى أن المواطن الأمريكي غير مهيأ لظروف اقتصادية قاسية، بخلاف شعوب عاشت سنوات من الحروب والعقوبات وتمكنت من التكيف معها.

ولا تقف التداعيات عند الاقتصاد؛ إذ يتحدث مرتضى عن مؤشرات مرتبطة بنقص المخزونات الصاروخية التي يحتاج إليها الجيش الأمريكي، وما يترتب عليها من تأثير في الحروب والنتائج التي تسعى واشنطن لتحقيقها.

وبحسب مرتضى، يظهر الدين العام الأمريكي، الذي يقدّره بنحو 40 تريليون دولار، كأحد مؤشرات الأزمة، فيما يترقب الداخل الأمريكي الاستحقاق الانتخابي النصفي وسط واقع معيشي يتفاقم، بحسب قراءته، بفعل سياسات الإدارة الأمريكية وحالة التخبط التي ترافقها.