هشاشة قصور الرمال: البنية التحتية السعودية في ميزان الردع الاستراتيجي اليمني

8

ذمــار نـيـوز || متابعات ||
31 أغسطس 2026مـ – 18 ربيع الأول 1448هـ

​يكشف المشهد الجيوسياسي الراهن في علاقة مملكة آل سعود باليمن عن أزمة بنيوية عميقة تحكم النظام السعودي؛ أزمة تتجلى في ذهنية استعلاء استمرأت لعقود إخضاع اليمن وتطويع قراره السياسي عبر وصاية مالية وحروب بالوكالة. هذا التوجه يظهر بوضوح في الاستعداد الدائم لإنفاق عشرات مليارات الدولارات لجلب المرتزقة وتمويل التحالفات العابرة للحدود، مقابل تعنت متعمد في الوفاء بأبسط استحقاقات السلام مع اليمن، وعلى رأسها صرف رواتب الموظفين من عائدات الثروات السيادية اليمنية. هذا السلوك في واقعه يعكس أزمة أخلاقية مستمرة منذ بدء الحصار على اليمن، كما يكشف عن مأزق استراتيجي يعيشه النظام السعودي في فهم طبيعة الواقع اليمني ومتغيراته الجذرية.

ورغم إصرار هذا النظام على تجاهل تلك المتغيرات الكبيرة، إلا أن هناك توجس كبير في الرياض من القدرات اليمنية الكبيرة في ظل إدراك عميق للهشاشة الأمنية التي تعاني منها بنية المملكة التحتية ككتلة من المصالح الحيوية المترابطة التي تبدو قصور من رمال ترتكز على دعامات النفط والتقنية والخدمات الأساسية وتتربع على رأس هذه الهواجس منشآت النفط العملاقة التي تمثل عصب الدولة وروحها الاقتصادية. ويبرز عملاق الطاقة العالمي “أرامكو”، وتحديداً مجمع بقيق الحيوي ومعامل راس تنورة المتحكم بنصيب هائل من إمدادات التصدير والتكرير العالمية، إضافة إلى حقول النفط الأكبر والأبرز كحقل الغوار، وحقل الشيبة، وحقل السفانية البحري، وحقول المنيفة والخرسانية والقطيف والظلوف، ومحطات المعالجة في الخريص، إلى جانب المجمعات التكريرية والمصافي الكبرى مثل مصفاة راس تنورة في المنطقة الشرقية، ومصفاة الجبيل – سامرف، و أرامكو توتال – ساتورب في الجبيل الصناعية، ومصفاة ساسرف وياسرف في ينبع الصناعية، ومصفاة جيزان، ومصفاة الرياض في منطقة الرياض، ومصفاة الخفجي المشتركة، ومصفاة لبريف وهي مرافق متخصصة في ينبع وجدة، إلى جانب مصفاة ينبع المحلية. وأي استهداف دقيق لهذه المواقع لا يعطل تدفق النفط فحسب، بل ينسف الموثوقية التاريخية للمملكة كمزود آمن للطاقة، ويصيب الموازنة العامة بشلل يفقدها القدرة مع مرور الوقت على تمويل التزاماتها الداخلية والخارجية، حيث أن موازنة المملكة تعتمد على الايراد النفطي بحوالي 65 %.

​ولا يقل قطاع المياه خطورة وحساسية عن قطاع الطاقة؛ فالمملكة تعتمد كلياً على شبكة ضخمة من محطات تحلية المياه على ساحلي الخليج العربي والبحر الأحمر لتأمين شريان الحياة لملايين السكان في الحواضر الكبرى. ومحطات مثل تلك التي تخدم الرياض، أو جدة، أو الدمام، وعلى رأسها محطات التحلية الرئيسية كمحطة الجبيل العملاقة، ومحطة الشعيبة، ومحطة الشقيق، ومحطات الخبر وينبع ورابغ والركوبة، تمثل أهدافاً رخوة وحيوية في آن واحد، وخروجها عن الخدمة بفعل طائرات مسيرة أو صواريخ دقيقة يحول مدن كبرى إلى بيئات طاردة للحياة، عدا عما يخلقه ذلك من فوضى بشرية وضغط اجتماعي لا يستطيع أي نظام أمني احتواء تداعياته.

يضاف إلى ذلك شبكة نقل جوي دولي ومطارات كبرى تعد نوافذ المملكة الواسعة على العالم حيث يعبر المطارات السعودية ما يفوق المائة مليون مسافر، في مطارات أبرزها مطار الملك خالد الدولي بالرياض ومطار الملك عبد العزيز بجدة، ومطار الملك فهد الدولي بالدمام، بالإضافة إلى المطارات الهامة في أبها، ونجران، وجازان، والطائف، والقصيم، وحائل، وتبوك، وغيرها. هذه البوابات لا تقتصر أهميتها على البعد المالي وجني عشرات المليارات من حركة السفر العابر فحسب، بل تمثل الرمز الأبرز لتماسك الدولة وانفتاحها المزعوم. وتحويل هذه الأجواء إلى مساحات محظورة ومعزولة بفعل شبح الصواريخ يفقد المملكة صفتها كمركز لوجستي عالمي ويدخلها في عزلة خانقة.

ويتكامل هذا المشهد مع بنية المدن الصناعية والاقتصادية الكبرى، من الجبيل وينبع اللتين تمثلان قلب البتروكيماويات النابض، إلى العاصمة السياسية الرياض ومراكز المال والأعمال في الشرق والغرب. هذه الحواضر المدعومة بشبكات رقمية ذكية ومراكز بيانات مركزية تدير مفاصل الدولة الإدارية والمالية، ستبدو رهينة لسيناريو “العمى الرقمي” والشلل الإداري في حال طالتها ضربات نوعية مكثفة تقطع أوصال الاتصالات وتقوض ثقة المستثمر الأجنبي، وتدفع الشركات العالمية والمقرات الإقليمية إلى هروب جماعي وسريع لنقل عملياتها وأصولها خارج المملكة حماية لاستثماراتها وتفادياً للمخاطر المباشرة.

ولا يتوقف رصيد الوجع الاستراتيجي عند هذا الحد، بل يمتد ليمس شرايين معقدة أخرى؛ تشمل موانئ التصدير والاستيراد الاستراتيجية كميناء جدة الإسلامي وميناء ينبع التجاري والنفطي وميناء جيزان، وميناء الملك عبد العزيز بالدمام وبقية الموانئ الهامة كميناء رأس الخير، وميناء مدينة الملك عبد الله الاقتصادية برابغ، وموانئ ضباء، والزور، وأرصفة التصدير في الشعيبة والمعجز وغيرها، التي تكفل إطباق الحصار البحري التام، إضافة إلى شبكات الكهرباء العملاقة ومحطات التوليد المركزية التي تضمن إغراق المدن في الظلام. وتتسع الدائرة لتطال مدن البتروكيماويات والصناعات الثقيلة الكبرى التي ستقطع إيرادات الدولة البديلة، ومراكز البورصة والقطاع المالي (تداول) ومراكز الحوسبة السحابية التي تصيب حركة الأموال بالعمى الكامل، وصولاً إلى الواجهات البراقة لمشاريع رؤية 2030 في (نيوم، القدية، البحر الأحمر،…)، وانتهاءً بالمطارات العسكرية وقواعد الإسناد الجوي الكبرى (كقاعدة الملك خالد العسكرية بحفر الباطن، وقاعدة الملك عبد العزيز بالظهران، وقاعدة الملك فهد بالطائف، وقاعدة الأمير سلطان، وغيرها) التي تعرّي سماء المملكة بالكامل وتتركها بلا غطاء دفاعي، لتنكشف تلك الواجهات البرّاقة عن واقع مأزوم تتهاوى تحته أساطير الاستقرار السعودي المترف، والقائمة طويلة من الأهداف التي يمكن لليمن أن تطالها.

هذه الخارطة الواسعة من الأهداف الحيوية تضع النظام السعودي أمام حقيقة استراتيجية غير قابلة للتجاهل؛ حقيقة مفادها أن الاستمرار في المراهنة على خيار تحريك أدوات العدوان وجلب المرتزقة لإعادة التصعيد، لن يكون سوى المغامرة الأشد كارثية على الإطلاق؛ بالنظر إلى نتائج ونكسات الحروب السابقة التي أثبتت عقم هذا الخيار وفشله الذريع. ما يجعل الهروب السعودي من استحقاقات السلام والإصرار على إيذاء اليمن واليمنيين كارثة حتمية ستجلب الخراب للجار الشقي وتهدد بتدمير أسس الاستقرار الاقتصادي والأمني لمملكة آل سعود بصورة كليّة قد تخرج عن السيطرة.