أكاديمي جزائري: الحشود اليمنية في المولد النبوي نموذج واعٍ لمشروع حضاري يستمد قوته من القرآن والنهج المحمدي
ذمــار نـيـوز || متابعات ||
28 أغسطس 2026مـ – 15 ربيع الأول 1448هـ
أكد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي الجزائري الدكتور نور الدين أبو لحية أن الحشود اليمنية الغفيرة المحتفية بذكرى المولد النبوي الشريف تمثل مشهداً عظيماً يعكس معرفة اليمنيين بـ”رسول الله الحقيقي”، بما يحمله من مواجهة للطغاة ونصرة للمستضعفين وتحمل للمسؤوليات، معتبراً أن هذه الجموع تكتسب أهميتها من من المعاني الإيمانية والواعية التي تحملها ومن ارتباطها بالمشروع القرآني.
وفي مداخلة على قناة المسيرة، أوضح أبو لحية أن الاحتشاد اليمني خلف قيادة واحدة وصفها بالقيادة القرآنية يمثل ميزة بارزة، مؤكداً أن هذه الجموع تجتمع انطلاقاً من الأوامر الإلهية، وتربيةً على نهج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وجزم الدكتور أبو لحية بأن السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي يمثل نموذجاً للقيادة الرشيدة التي تجتمع حولها هذه الجماهير.
وقال إن هذه الحشود ليست “تكثير سواد”، ولا تشبه التجمعات التي وصفها بأنها تخدم مشاريع أخرى أو التجمعات التي تقام في ملاعب كرة القدم والمهرجانات، مؤكداً أنها “جموع واعية، صاحبة بصيرة، صاحبة إيمان قوي”، وترى فيها معاني الآيات القرآنية التي تتحدث عن انتصار الدين وظهور النموذج الإسلامي الأصيل والحضاري.
وأشار إلى أن هذه الجموع تمثل، في نظره، أساساً لمشروع حضارة إسلامية جديدة تنطلق من القرآن الكريم وحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واعتباره قائداً وأسوة، ومن البراءة من المعتدين والظالمين والمستكبرين، مؤكداً أن الاحتفاء بها لا يتعلق بعدد المشاركين فقط، وإنما بما تمثله من معانٍ ومواقف.
غياب الشخصية الحقيقية للرسول الأعظم عن واقع الأمة:
وانتقل أبو لحية إلى الحديث عن أسباب ما تعانيه الأمة من تراجع في الوحدة والسلم والتراحم، معتبراً أن المشكلة تكمن في الابتعاد عن المعاني التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وقال إن القرآن رسم صورة المجتمع المؤمن في قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، متسائلاً عن موقع هذه المعاني في واقع الأمة، مشيراً إلى مفارقة في بعض الدول العربية والخليجية على وجه التحديد تتمثل في وجود الرحمة تجاه الولايات المتحدة والغرب ، مقابل غياب الاهتمام بمعاناة المسلمين.
وربط أبو لحية بين هذا الواقع وبين الابتعاد عن هدي الرسول، قائلاً إن بعض المسلمين “ابتدعوا لنا رسولاً يتناسب مع أمزجتهم”، وانتقد اختزال سنته في مظاهر شكلية، متسائلاً: “أين سنة الجهاد؟ أين سنة التكافل؟ أين سنة مواجهة الطغاة؟”.
كما انتقد مواقف الخضوع للولايات المتحدة والتعامل الحسن مع العدو الصهيوني على أمل إسلامه، معتبراً أن ذلك يعكس ابتعاداً عن المعاني التي جسدها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في مواجهة المستكبرين ونصرة المستضعفين.
معايير مادية وهوية مفقودة:
وتحدث أبو لحية عن تبدل المعايير داخل الأمة، قائلاً إن بعض الناس ينبهرون بالأوروبي والأمريكي ويسعون وراء جنسياتهم، في حين لا ينظرون إلى الهوية اليمنية بالاعتزاز نفسه.
واعتبر أن الانبهار بالنموذج الغربي لم يجعل من المقلدين غربيين، ولم يمنحهم الرفاه الذي أعجبوا به، مضيفاً بالقول: إنهم أصبحوا، في تشبيهه، “كالغراب الذي أراد أن يتعلم مشية الحمامة فنسي مشيته”.
وفي المقابل، أشاد الدكتور أبو لحية بثبات اليمنيين على هويتهم، رابطاً ذلك باحتفائهم بميلاد الهوية الإيمانية وبإسلام اليمن على يد الإمام علي عليه السلام، ومعتبراً أن ارتباطهم بأصالتهم وتاريخهم والأنصار من الأوس والخزرج أسهم في تحقيق السلامة والطمأنينة النفسية والوحدة الاجتماعية والتلاحم السياسي.
وقارن ذلك بواقع دول عربية شهدت تحولات سياسية، متسائلاً عما آلت إليه أوضاع دول مثل سوريا وليبيا، مؤكداً أن المشكلات تنشأ عندما تأتي مشاريع تتناقض مع هوية المجتمعات.
الرسول في كل عصر:
وشدّد الباحث الجزائري على أن معرفة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا ينبغي أن تبقى حبيسة الماضي، بل يجب أن تكون حاضرة في كل عصر كما يُقرأ القرآن الكريم في كل زمن.
وقال إن الرسول لو كان حاضراً في هذا العصر “سيكون مجاهداً، سيكون مقاوماً، سيكون ناصراً للمستضعفين، سيهتم بالمستضعفين”، معتبراً أن حصر شخصيته في أشياء قديمة لا علاقة لها بالواقع يخلق حالة من التناقض.
وأشار إلى اهتمام السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، بمعرفة الرسول معرفة حقيقية، مؤكداً أن هذه المعرفة، البعيدة عن التحريف التاريخي، تصنع الإيمان والإسلام الحقيقيين.
ونوّه أبو لحية إلى أن المشكلة الكبرى في الأمة تشبه، في جانب منها، هجر القرآن وتحريف معانيه لتتوافق مع الأهواء، مؤكداً أن التحريف طال كذلك شخصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
وقال إن هناك من “حوّله من مقاوم إلى مطبّع، ومن ناصر للمستضعفين إلى خاذل للمستضعفين، ومن مواجه للمستكبرين إلى ساكن وخاضع للمستكبرين”.
ورأى أن “المشروع اليمني” نجح لأنه تمسك بشخصية الرسول الحقيقية، وجمع بين طاعة الله ورسوله والقيادة الرشيدة والتمسك بالمشروع القرآني، الذي اعتبره الأساس الذي تنطلق منه هذه المسيرة.
وختم أبو لحية حديثه بالتأكيد على أن الحشود اليمنية المحتفية بالمولد النبوي تمثل، بما تحمله من وعي وإيمان وتمسك بالقرآن والهوية المحمدية، نموذجاً يجسّد عملياً معاني الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ودوره في مواجهة الطغيان ونصرة المستضعفين وبناء الأمة.
