عيسى: المولد النبوي محطة لتحويل قيم الرحمة والتكافل إلى سلوك مستدام في المجتمع

10

ذمــار نـيـوز || متابعات ||

28 أغسطس 2026مـ – 15 ربيع الأول 1448هـ

أكد الكاتب والباحث الأكاديمي الدكتور عبدالملك عيسى أن الاحتفاء بذكرى المولد النبوي الشريف يستحضر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بوصفه القدوة والأسوة، منوهاً إلى أن الشعب اليمني حوّل القيم التي جسدها الرسول الأعظم إلى ممارسات فردية ومجتمعية ومؤسسية، وفي مقدمتها الرحمة والإحسان والتكافل والصدق والأمانة ونصرة قضايا الحق.

وفي مداخلة على قناة المسيرة، شدّد الدكتور عيسى على أن الشعب اليمني، من خلال تأثره بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، حوّل كثيراً من القيم إلى ممارسات اجتماعية ملموسة، داعياً إلى أن يمتد هذا الشعور الذي يتعزز في موسم المولد النبوي إلى الاستدامة طوال العام، بما يعزز الترابط والتعاون والأمان الاجتماعي، خصوصاً في ظل الحصار والاحتياج.

وقال الدكتور عيسى إن قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ يضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدوة للمسلمين، مشيراً إلى أن التأثر بهذه القدوة يدفع المجتمع إلى تعزيز القيم وتحويلها إلى ممارسة.

وأوضح أن هذه الممارسات تشمل “قيم الرحمة، والإطعام، ومساعدة الفقراء، وزيارة المرضى، ودعم الأسر المحتاجة”، مؤكداً أن هذه القيم تحولت إلى ممارسة اجتماعية نتيجة التأثر بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

 

التكافل والعمل التطوعي.. شبكة لحماية المجتمع:

وتناول الدكتور عيسى أهمية تعزيز التكافل الاجتماعي والعمل التطوعي، مشيراً إلى أن العمل الذي يقوم به أفراد المجتمع عبر المنظمات والجمعيات والتعاونيات يمثل جزءاً مهماً من شبكة التعاون الاجتماعي التي حث عليها الإسلام.

وقال إن هناك محاولات لفصل المجتمع عن هذا العمل التطوعي وشبكات التعاون والتضامن والاشتراك فيما بينها، مؤكداً أن هذه الشبكات تسهم في بناء “رأس المال الاجتماعي”، الذي وصفه بأنه من المسائل المهمة التي يسعى إليها الإسلام.

وأضاف أن هذا التكافل يؤدي دوراً في تخفيف معاناة الفقراء والأسر المحتاجة وبعض الأعباء الاقتصادية، مؤكداً أن المجتمع المحاصر والمستهدف بالعدوان يحتاج إلى أن يشعر فيه المواطن المحتاج بأن المجتمع يقف إلى جانبه.

ولفت إلى أن هذه المبادرات “لا تنهي مسألة الحصار، ولا تنهي الجوع، ولا تنهي أشياء كثيرة جداً”، لكنها تمنح المحتاج شعوراً بأن جاره ورفيقه ومجتمعه مهتمون بحاجته ويسعون إلى التخفيف عنه.

وضرب مثالاً بالتعاون اليومي بين أفراد المجتمع، مثل قيام من يملك سيارة بنقل الآخرين معه، معتبراً أن هذه السلوكيات تعزز الإحساس بالترابط والتكاتف بين أبناء المجتمع.

 

الأمان الاجتماعي ثمرة الوقوف إلى جانب المحتاج:

واعتبر الدكتور عيسى أن من أهم نتائج هذه القيم تعزيز الشعور بالأمان الاجتماعي، موضحاً أن الشخص الذي يشعر بأن مجتمعه إلى جانبه “لا يحس بالخوف، لا يحس بالانعزال عن مجتمعه”، لأنه يدرك أن المجتمع لا يتركه في محنته.

وأكد أن هذه المعاني تظهر بصورة كبيرة خلال موسم المولد النبوي الشريف، داعياً إلى نقلها من حالة موسمية إلى حالة مستدامة.

وتابع قائلاً: إن المطلوب هو استمرار هذا الشعور بالأمان الاجتماعي بشكل دائم، لافتاً إلى الدور الذي تقوم به هيئة الزكاة وبعض مؤسسات الدولة، ومؤكداً ضرورة ألا تقتصر أعمال التكافل والمبادرات الاجتماعية على موسم المولد النبوي، حتى يستمر الأمان الاجتماعي الذي يشعر به المجتمع عند إحياء المناسبة.

 

“رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ”.. مراجعة للسلوك على ثلاثة مستويات:

وتوقف الدكتور عبدالملك عيسى عند ما تضمنه خطاب السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي من شرح لقوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، مؤكداً أن الآية تطرح مراجعة للسلوك على ثلاثة مستويات: الفردي والمجتمعي والمؤسسي.

وعلى المستوى الفردي، دعا إلى مراجعة سلوك الإنسان في الرحمة والإحسان والصدق والأمانة، وفي طريقة تعامله مع الآخرين، وكذلك في موقفه من قضايا الحق.

وقال إن على الإنسان أن يسأل نفسه: “هل يقف مع قضايا الحق أم يقف ضد قضايا الحق؟”، مشيراً إلى الموقف من الصهيونية العالمية والكيان الصهيوني باعتباره من القضايا التي ينبغي للإنسان مراجعة سلوكه وموقفه تجاهها.

وأضاف أن مراجعة الإنسان لنفسه تشمل أيضاً النزاهة والإخلاص وغيرها من القيم التي ترتبط بمن يعتقد أن قدوته هو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

 

مسؤولية المجتمع.. إصلاح وتطوع ومبادرات جماعية:

وعلى المستوى المجتمعي، دعا الدكتور عيسى إلى مراجعة المجتمع لسلوكه، متسائلاً عن مدى اهتمامه بإصلاح ذات البين، ومساعدة الفقراء، والمشاركة في الأعمال التطوعية.

وأشار إلى دعوات السيد القائد لإقامة حملات النظافة خلال موسم المولد النبوي الشريف، موضحاً أن السيد القائد يطلب من الشعب أن تكون هناك مبادرات جماعية مستمرة، لا أن تقتصر المبادرات على الجهود الفردية.

وأكد أن هذه الممارسات تمثل تطبيقاً عملياً لقوله تعالى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾، من خلال بناء مجتمع يسعى إلى التعاون وإصلاح العلاقات والوقوف إلى جانب المحتاجين.

 

الجامعات والمدارس والمؤسسات أمام مسؤولية القيم:

وعلى المستوى المؤسسي، دعا الدكتور عيسى الجامعات والمدارس والمستشفيات والمؤسسات إلى جعل قيم الرحمة والإحسان قيماً أساسية في عملها.

وربط ذلك بالمواقف من القضايا المصيرية، وفي مقدمتها الوقوف مع غزة والشعب الإيراني والشعب اللبناني ومحور المقاومة، مؤكداً أن هذه القضايا تدخل ضمن المعاني التي طرحها السيد القائد عند الحديث عن قوله تعالى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾.

وحذر من أن عدم مراجعة الإنسان لسلوكه وعدم الارتقاء إلى المستوى الإيماني والأخلاقي الذي تقتضيه هذه القيم يعني الابتعاد عن التمسك بقيم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

 

المولد النبوي.. مساحة جامعة ومحطة لمراجعة عام كامل:

وأكد الدكتور عيسى أن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يمثل “مساحة رمزية جامعة”، داعياً إلى أن تكون قيم الرحمة والعدالة والإحسان من أهم القيم التي يتمسك بها الإنسان في حياته وواقعه.

وشدد على أن ذكرى المولد النبوي ينبغي أن تكون محطة لمراجعة الإنسان لسلوكه طوال عام كامل، وأن يسأل نفسه: أين هو من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ هل هو قريب منه أم بعيد عنه؟

وقال إن هذه المراجعة تشمل سلوك الإنسان وأخلاقه وقيمه ومبادئه وتمسكه ونزاهته وإحسانه، مؤكداً أن هذه من أهم المعاني التي ينبغي أن يستحضرها المجتمع في إحياء ذكرى المولد النبوي.

وفي ختام مداخلته، جدّد الدكتور عبدالملك عيسى التأكيد على أن المطلوب ليس “حباً أعمى” يدفع الناس إلى الساحات دون استحضار القيمة العظمى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل معرفة حقيقية تترجم محبته إلى سلوك وأخلاق وقيم ومواقف عملية في حياة الفرد والمجتمع والمؤسسات.