مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ : رحمةٌ واتباعٌ ومسؤولية
ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
24 أغسطس 2026مـ – 11 ربيع الأول 1448هـ
يقدم القرآن الكريم في قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ} [الفتح: 29]، لوحةً قرآنيةً مكتملةً لشخصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وللذين يرتبطون به ارتباطاً صادقاً في الإيمان والاتباع والمنهج والموقف.
وتكتسب هذه الآية دلالةً أعمق حين تأتي بعد قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [الفتح: 28]؛ فمحمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم هو رسول الله، أرسله بالهدى ودين الحق، وحمل مشروعاً إلهياً متصلاً بالله سبحانه وتعالى، مستنداً إلى حكمته ورحمته وعزته. ولذلك لا يمكن أن يُقاس مشروعه بمشروعات البشر، ولا أن يستمد قوته من الحسابات البشرية المحدودة؛ فهو مشروع الهدى في مواجهة الضلال، والنور في مواجهة الظلمات، والحق في مواجهة الباطل.
{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ}؛ حمل رسالة الله نقيةً خالصة، وأدّاها بأمانةٍ كاملة، فلا زيادة فيها من هوى البشر، ولا نقصان يفرط في شيءٍ من هداها. قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3-4]، وقال سبحانه: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42]. ثم حفظ الله هذه الرسالة في كتابه الكريم، لتبقى هدايةً للأجيال المتعاقبة، كما قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
ولم يكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ناقلاً للرسالة فحسب، بل تحرك بها في واقع الحياة، مبلغاً وهادياً ومعلماً ومربياً، وصابراً في سبيل إخراج الناس من الظلمات إلى النور، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم: 1].
وهنا تتجلى عظمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ فهو عظيم بعظمة الرسالة التي حملها، ومتمسك بها، ومنطلق على أساسها، ملتزم بتعاليمها، {جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ}، وآمن بالله وكلماته، وكان {شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}. فشخصيته لم تكن منفصلة عن الرسالة، بل كانت تجسيداً عملياً لها، كما أن رسالته لم تكن كلماتٍ مجردة، بل منهجاً تحرك به وغيّر به واقع الإنسان والمجتمع.
ثم يقول تعالى: {وَالَّذِينَ مَعَهُ}، وهنا يبرز معنى الارتباط الحقيقي بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ فـ«معه» ليست مجرد معاصرةٍ زمنية، ولا انتساباً لفظياً، وإنما معيةٌ في الإيمان والاتباع والمنهج والموقف والمسيرة. وهم الذين تظهر حقيقة ارتباطهم بالرسول في واقعهم العملي، وتشهد عليهم صفاتهم ومواقفهم.
وأولى هذه الصفات: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ}؛ أي إنهم لا يقفون من القوى المحاربة للرسالة، الساعية إلى ظلم الناس وإفسادهم وصدهم عن الحق، موقف الضعف والخضوع والاستسلام. فالتمسك الحقيقي بالرسالة يقتضي الثبات أمام من يحارب مبادئها، ورفض التبعية لمن يريد أن يفرض إرادته وهيمنته على الأمة.
إن البدائل التي تقدمها قوى الطغيان والفساد لا تقود إلى الهداية والحرية والكرامة، ولذلك لا يمكن للأمة أن تتمسك برسالة الله وتبقى في الوقت نفسه خاضعةً لإملاءات من يحاربها ويعمل على إضعافها وتشويهها. ومن هنا كانت الشدة في موضعها موقفاً من مواقف الإيمان؛ قوةٌ في الحق، وعزةٌ أمام الاستكبار، وثباتٌ أمام التهديد، وإباءٌ يرفض الذلة والهوان.
وهذه الشدة لا تعني العدوان ولا القسوة المنفلتة؛ ولذلك يعقبها الوصف الآخر: {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}. فهم أقوياء في مواجهة الظلم، لكنهم رحماء في مجتمعهم، تتجلى الرحمة في كلامهم ومعاملاتهم، وفي إحسانهم واهتمامهم، وفي علاقاتهم ومواقفهم، فتكون الرحمة أساساً من أسس وحدتهم، وعاملاً من عوامل قوتهم وتماسكهم.
وهكذا تتكامل الشخصية الإيمانية؛ فلا تتحول القوة إلى توحش، ولا تتحول الرحمة إلى ضعف. الشدة تكون في مواجهة العدوان والباطل، والرحمة تكون بين المؤمنين، فينشأ مجتمعٌ قويٌّ في موقفه، رحيمٌ في داخله، متماسكٌ في صفه.
ثم يكشف القرآن عن المصدر الذي تستمد منه هذه الشخصية قوتها: {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا}. فهؤلاء لا يستمدون قوتهم من الطغيان، ولا يتحركون من أجل أطماعٍ شخصية أو مصالح دنيئة، وإنما يتوجهون بآمالهم وأعمالهم إلى الله سبحانه وتعالى، يطلبون فضله ورضوانه.
إنهم أشداء في مواجهة الباطل، ولكنهم خاضعون لله؛ شامخو الرؤوس أمام المستكبرين، راكعون ساجدون بين يدي ربهم. وفي هذا التوازن سرُّ عظمة شخصيتهم؛ فالذي لا يخضع إلا لله لا يمكن أن يكون عبداً للطغاة، والذي يستمد عزته من الله لا يبحث عنها عند المستكبرين.
وهكذا ارتسمت ملامح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأتباعه الحقيقيين: رسالةٌ من الله، وقائدٌ متحركٌ بها، وأتباعٌ صادقون يجسدونها في الواقع؛ أشداء في مواجهة الباطل، رحماء فيما بينهم، عابدون لله، طالبون لفضله ورضوانه. وهي المواصفات التي تميز الارتباط الحقيقي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن مجرد الانتساب إليه.
وهذه المسيرة ليست غريبةً عن تاريخ الرسالة الإلهية، بل هي امتدادٌ لمسيرة الأنبياء جميعاً، في عنوانها العظيم: الإسلام؛ قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]، وقال عن إبراهيم عليه السلام: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67].
فمن أراد أن يكون من {الَّذِينَ مَعَهُ} حقاً، فليكن معه في الإيمان، وفي المنهج، وفي التمسك بالرسالة، وفي الموقف من الحق والباطل؛ لأن معية الرسول لا تُثبتها الدعوى، وإنما تشهد لها صفات الإيمان في الفكر والسلوك والموقف.
العنوان العظيم للرسالة والرسول هو الرحمة
إن العنوان الأعظم للرسالة المحمدية، والعنوان الأبرز لشخصية رسولها، هو الرحمة؛ الرحمة التي جعلها الله غايةً من غايات بعثته، فقال سبحانه وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}. فلم تكن رسالته صلى الله عليه وآله وسلم مشروعاً لإثقال الإنسان أو إذلاله، وإنما جاءت لإنقاذه من الضلال، وإخراجه من ظلمات الجهل والظلم إلى نور الهداية، وفتح الطريق أمامه ليحيا حياةً تليق بإنسانيته وكرامته.
وهذه الرحمة لا تتحقق للإنسان بمجرد معرفته بها أو انتسابه إليها، وإنما ينعم بها حين يقبلها، ويتفاعل معها، ويستجيب لما جاءت به من هدى. فالقرآن الكريم، بما يحمله من تعاليم وهداية، رحمةٌ للإنسان وللمجتمع؛ لأنه يرتقي بالنفس، ويزكيها، ويطهرها من آثار الضلال، ويعيد إلى الإنسان إنسانيته حين تتعرض للانحراف والتشوه.
فالإنسان حين يبتعد عن هدي الله لا يفقد المعرفة الصحيحة فحسب، بل قد يفقد معها جانباً من إنسانيته؛ فتتحول الرحمة إلى قسوة، والعدل إلى ظلم، وحب الخير إلى نزعةٍ للشر والعدوان. أما الهداية الإلهية فتعمل على تحرير النفس من هذه الآثار، وإعادتها إلى ما فطر الله الناس عليه من حب الخير، ومكارم الأخلاق، والرحمة، والشعور بمسؤولية الإنسان تجاه أخيه الإنسان.
وقد جاء القرآن الكريم، الذي حمله خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ليقيم في حياة الإنسان والمجتمع دعائم الرحمة في مختلف مجالات الحياة. فأمر بالعدل ونهى عن الظلم رحمة، وأمر بالإحسان ونهى عن الإساءة رحمة، وأمر بالخير ونهى عن الشر رحمة، وأحل الطيبات وحرم الخبائث والمفاسد رحمة بالإنسان وحمايةً له من أسباب الضرر والانحطاط.
ودعا إلى التكافل والتراحم بين أبناء المجتمع، ليعطف القوي على الضعيف، والغني على الفقير، والكبير على الصغير، وأمر بالتعاون على البر والتقوى ونهى عن التعاون على الإثم والعدوان؛ حتى يكون المجتمع أكثر تماسكاً ورحمةً وقدرةً على مواجهة أزماته.
كما جعل من حفظ كرامة الإنسان، وصيانة دمه وماله وعرضه، أساساً من أسس الحياة الإنسانية، ووجّه الأمة إلى أن تكون قويةً عزيزةً حرة، قادرةً على حماية نفسها والدفاع عن دينها وكرامتها وأرضها. فالقوة التي تحمي المجتمع من الظلم والعدوان ليست نقيضاً للرحمة، بل قد تكون من مقتضياتها.
وكل ذلك جزءٌ من الرحمة التي حملتها الرسالة المحمدية؛ فهي تهدي الإنسان إلى معرفة الله، وتفتح له باب الصلة به، ليجد في قربه طمأنينة النفس، وفي هدايته البصيرة، وفي عونه القوة، وفي رحمته الأمل. كما تقدم للإنسان الوعي الذي يقيه مزالق الضلال، ويكشف له حقائق الحياة والناس والأحداث، ويقوده إلى الصراط المستقيم الذي غايته رضوان الله ورحمته.
ولهذا قال تعالى: {وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. فالرحمة التي تضمنها القرآن ليست فكرةً مجردة، وإنما طريقٌ يُقبل عليه بالاتباع والتفاعل والاستجابة.
ومن هنا، فإن الكفيل بأن تنعم الأمة بهذه الرحمة في واقعها، فرداً ومجتمعاً، هو أن تعود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لا بوصفه رمزاً تاريخياً فحسب، بل باعتباره حامل الرسالة ومبلغها ومجسدها في واقع الحياة؛ الأسوة والقدوة، والمعلم والمزكي، والمربي والهادي.
لقد استنقذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمةً أرهقتها الجاهلية، وأفسدت فيها القيم، وأضعفت الشعور الإنساني، فجاءها بالرحمة التي أعادت بناء الإنسان، وأقامت المجتمع على أساسٍ من الإيمان والعدل والتراحم والكرامة. واليوم، أمام ما تعيشه الأمة والإنسانية من صورٍ جديدة للضلال والظلم والانحطاط، فإن الحاجة إلى هذه الرحمة لا تقل عن حاجة الإنسان إليها يوم بعث الله رسوله.
وإن طريق العودة إلى رحمة الله يبدأ بإعادة الصلة الحقيقية بهذه الرحمة المهداة للعالمين؛ برسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبمنهجه ورسالته التي تضمنها القرآن الكريم. ولن تستقيم هذه العلاقة إلا على أساس المعرفة والتعظيم والتوقير والاتباع، ليكون الارتباط بالرسول ارتباطاً حياً ينعكس في الفكر والسلوك والموقف، وتستعيد الأمة من خلاله جوهر رسالتها، وكرامتها، ورحمتها، ومكانتها التي أرادها الله لها.
أراد الله لهذه الأمة أن تكون مرتبطة بنبيها ارتباطًا يقوم على الولاء الصادق والطاعة
أراد الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة أن تكون علاقتها برسولها محمد صلى الله عليه وآله وسلم علاقةَ ولاءٍ صادق، وطاعةٍ واعية، واتباعٍ يترجم الإيمان به إلى موقفٍ وسلوكٍ وحياة؛ فليس الرسول في التصور الإيماني مجرد شخصيةٍ تُحب، أو سيرةٍ تُروى، أو ذكرى تُستحضر، وإنما هو نبيٌّ أرسله الله ليُطاع ويُتَّبع ويُقتدى به، قال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6]، وقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64].
ولهذا أراد الله للأمة أن تعرف نبيها، أن تعرف صفاته، وأن تتعرف على هديه، وعلى سيرته ومنهجه، وأن تستفيد من حياته في بناء واقعها ومواقفها؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الأسوة التي يُقتدى بها، والنموذج الذي تُستمد منه معالم الطريق، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].
وهذه العلاقة لا تقتصر على جانبٍ فردي أو شعورٍ وجداني، بل تمتد إلى مسؤوليةٍ واسعةٍ تحملها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتحملتها الأمة من بعده؛ فرسالته لم تكن موجهةً إلى العرب وحدهم، ولا محصورةً في قومٍ أو أرض، وإنما كانت رسالةً للعالمين، ورحمةً للناس جميعًا، قال الله سبحانه وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وقال: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158].
ومن هنا فإن الأمة التي ترتبط بهذا النبي لا تعيش لنفسها بمعزلٍ عن الآخرين، وإنما تحمل مسؤوليةً تتصل بالناس، وتسعى إلى إقامة الحق والعدل، ونشر الهدى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].
وهذه المسؤولية ليست عبئًا أريد للأمة أن تُستنزف تحته، ولا تكليفًا يراد لها أن تتحمل تبعاته من دون عون؛ بل هي شرفٌ عظيم، وطريقٌ إلى عزتها وقوتها واستعادة دورها. فالله سبحانه وتعالى حين حمّل رسوله هذه المسؤولية، وحين جعل على أمته تبعةً في حمل الرسالة، لم يتركها وحيدةً في مواجهة الواقع، وإنما جعلها تتحرك في مشروعٍ إلهي، مشروعٍ وعد الله له بالظهور والنصر، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33].
فحين تتحرك الأمة في طريق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنها لا تتحرك نحو مزيدٍ من الضعف، ولا تحمل مسؤوليةً تقودها إلى الهلاك، وإنما تتحرك في الطريق الذي تستعيد فيه عزتها، وتستجلب فيه معونة الله وتأييده؛ لأن الله سبحانه وتعالى وعد أهل الإيمان بالنصر والتثبيت، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7].
ومن هنا فإن الارتباط برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس مجرد انتسابٍ عاطفي، وإنما هو ارتباطٌ بالمنهج الذي جاء به، وبالمسؤولية التي حملها، وبالطريق الذي سار فيه. أن تكون الأمة مع نبيها يعني أن تكون معه في إيمانه، وفي طاعته لله، وفي التزامه بالرسالة، وفي سعيه لإقامة الحق، وفي رحمته بالناس، وفي ثباته أمام الباطل؛ لأن صدق الولاء لا يُقاس بكثرة ما نقوله عن رسول الله، وإنما بما يتركه هذا الولاء من أثرٍ في واقعنا ومواقفنا.
وعندما تستعيد الأمة هذه العلاقة على أساسها الصحيح، وتعود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عودةَ اقتداءٍ وطاعةٍ وتمسك، فإنها لا تستعيد ذكرى ماضيها فحسب، بل تستعيد الطريق الذي به يمكن أن تصلح حاضرها وتبني مستقبلها؛ فمشروع الرسالة ليس شيئًا من الماضي، وإنما هو طريق الهداية الذي تحتاج إليه الأمة في كل زمان، وطريقٌ تستجلب به معونة الله ونصره، كما قال سبحانه: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ}.
