من تبوك إلى أُحد.. دروس نبوية في التخطيط والمبادرة وصناعة القوة
ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
23 أغسطس 2026مـ – 10 ربيع الأول 1448هـ
لم يكن رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) مجرد داعيةٍ يبلّغ رسالة، ولا معلّمٍ يقتصر دوره على بيان الأحكام، بل كان في ميدان الرسالة أعظم قائدٍ، وأشجع بطلٍ، وأكمل رجلٍ حمل مسؤولية مواجهة الطغيان والانحراف. تحرّك في سبيل الله ليقارع المنكر، ويكسر سلطان الباطل، ويواجه قوى الاستكبار والفساد، فوقف في وجه اليهود، وواجه مشركي العرب وطغاتهم ومفسديهم، ثم واجه القوى المعادية بما امتلكته من عُدّةٍ وقوة، فلم تكن رسالته استسلاماً للظلم، ولا دعوةً إلى الخضوع للطغاة، بل كانت حركةً كبرى لإقامة الحق وإزالة الباطل.
وهذا هو رسول الله الذي خاض المعارك ذوداً عن الحق، وانتصاراً للمستضعفين، ودفاعاً عن المظلومين، وسعياً لإزالة الظلم والطغيان. وعلى هذا الأساس قام الدين، وقام الحق، واستقر العدل، ونشأ للمسلمين كيانٌ عزيز، ووجودٌ مقتدر، وأمةٌ تعرف معنى القوة والكرامة.
ولم يفتر رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) عن أداء هذه المسؤولية في أي مرحلة من مراحل حياته؛ فقد بلّغ، وقاتل، وربّى، وعلّم، وأصلح، وجاهد بكل ما أوتي من جهد. وحتى في أيامه الأخيرة، وهو على فراش المرض، لم يكن بعيداً عن همّ الأمة ومسؤولية حمايتها، بل أعدّ جيشاً مجاهداً، وأصرّ على إنفاذه قائلاً: «أنفذوا جيش أسامة، أنفذوا جيش أسامة».
وبذلك الجهد العظيم الذي بذله وهو يبلّغ الرسالة، ويقود المواجهة، ويربّي الرجال، ويعلّم الأمة، ويصلح واقعها، قام للإسلام كيانٌ عظيمٌ عزيزٌ قوي. غير أن ذلك البناء بدأ يضطرب حين تراجعت الأمة عن تلك التعليمات الكبرى، وانفصلت عن المنهج الذي أقام به رسول الله ذلك الصرح. وكان التراجع مصحوباً بالذلة والهوان، والتشتت والفرقة، وضمور الشعور بالمسؤولية، والانحطاط في القيم، حتى أصبح كثيرٌ من المنتسبين إلى الإسلام يحملون نفوساً مهزومة، وقلوباً ضعيفة، وإراداتٍ هزيلة، فأصبحوا قابلين للظلم والاستذلال والقهر والإهانة.
وهنا يبرز السؤال الذي لا ينبغي للأمة أن تهرب منه: هل يفيدها أن تنسى نبيها؟ وهل ينقذها أن تبتعد عن دينها ومنهج رسالتها؟
كلا والله. فما تجنيه الأمة من نسيان نبيها إلا مزيداً من الشقاء، ولا تحصده من الابتعاد عن دينها إلا مزيداً من المعاناة والاستعباد. وحين تتخلى الأمة عن منهج العزة الذي جاء به رسول الله، يهيمن عليها الطغاة، ويتسلط عليها أعداؤها، فيذلونها ويقهرونها، وتتحول حياة الناس إلى حياةٍ مثقلةٍ بالشقاء والمهانة.
ومع ذلك تبقى المسؤولية قائمةً أمام الله؛ لأن كل واحدٍ منا مسؤول عن حقيقة اتباعه لرسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله)، وعن أن يسير على دربه، ويأخذ بتوجيهاته، ويقتدي بمواقفه، ويتأسى به في منهجه وجهاده وأخلاقه ومسؤوليته، كما قال تعالى:{لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}(الأحزاب: 21)
إن رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) ليس مجرد ذكرى تستعاد، ولا اسماً يُردَّد، ولا مناسبةً عابرةً تحتفي بها الأمة، وإنما هو الأسوة والمنهج؛ نقتدي به، ونتبعه، ونطيعه، ونأخذ بتعليماته، ونسير في الاتجاه الذي سار فيه.
وما هذا الضعف الذي أصاب الأمة، ولا ما لحق بها من ذلٍّ وهوان، إلا ثمرةٌ من ثمار الابتعاد عن هذا المنهج والتجاهل لهذه المسؤولية. لقد فقدت الأمة بذلك كثيراً من حكمتها، وفقدت كثيراً من قوتها، وأضاعت قيماً عظيمةً كانت تحيي النفوس، وتشد المواقف، وتصنع الرجال، وتبني الأمة.
وما أحوجها اليوم إلى أن تعود إلى رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) لا عودةَ الشعار، بل عودةَ الاتباع؛ لا عودةَ الكلمات، بل عودةَ المواقف؛ لا عودةَ الاحتفاء بالذكرى وحدها، بل عودةَ الأمة إلى المنهج الذي أقام به رسول الله ديناً عزيزاً، وأمةً قوية، وكياناً يأبى الظلم، ويحمل الحق، ويصون الكرامة.
الرسول ربى الأمة لتقف على قدميها وتقارع الأمم الأخرى
إن الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) لم يُرِد لأمته أن تنشأ أمةً معلّقةً بغيرها، تستمد قدرتها من القوى الكبرى، وتنتظر عون الآخرين لتدافع عن نفسها أو تواجه خصومها، بل ربّاها لتقف على قدميها، وتعرف ما أودعه الله فيها من قدرة، وتتحرك اعتماداً على الله ثم على ما تملكه من طاقات وإمكانات، حتى تكون قادرةً على مقارعة الأمم ومواجهة التحديات. فلم يلجأ رسول الله إلى الفرس، ولم يطلب عون الروم، مع أنهما كانتا القوتين الأعظم في العالم آنذاك، لم يستعن بالفرس على الروم، ولا بالروم على الفرس، ولم يطلب من الفرس أن يعينوه على قريش، ولا من الروم أن يقفوا إلى جانبه في مواجهتها، لقد كان يبني أمةً لا تُربّى على الارتهان، ولا تتعلم أن تجعل مصيرها مرهوناً بإرادة الآخرين.
وكانت التربية النبوية تسير في اتجاه واضح: أن تعرف الأمة أنها قادرة على النهوض، وأن تمتلك إرادة الحركة، وأن تتحمل مسؤوليتها بنفسها، وأن تواجه الواقع مهما كان صعباً. فالأمة التي تُربّى على انتظار الخارج، لا يمكن أن تكون أمةً مستقلة، والأمة التي لا تثق بما أودعه الله فيها من طاقات، يسهل أن تتحول إلى أمةٍ تابعة، تنتظر دائماً من ينقذها أو يقاتل بالنيابة عنها.
وقد ظهر هذا المعنى بصورة جلية في ترتيبات غزوة تبوك، ذلك الموقف الذي جسّد جانباً عظيماً من التربية القرآنية التي كان رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) يربي الأمة عليها. فقد كان رجلاً قرآنياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ يتحرك بهدي القرآن، ويعرف ما يريد القرآن أن يصنعه في نفوس الأمة، وما الغاية التي ينبغي أن تصل إليها في وعيها وإرادتها ومواقفها.
إن القرآن لا يريد لأمة الإسلام أن تبقى أمةً ضعيفة النفس، عاجزة الإرادة، تتجه ببصرها دائماً إلى القوى الكبرى طلباً للحماية والإنقاذ، وإنما يريد لها أن تكون أمةً تمتلك شخصيتها، وتعرف مسؤوليتها، وتتحرك في مواجهة الأخطار اعتماداً على الله، ثم بما تملك من إمكانات، مهما كانت تلك الإمكانات محدودة.
وهذا مبدأٌ بالغ الأهمية: حتى في أحلك الظروف، وأشد مراحل المعاناة، لا ينبغي للأمة أن تفقد إرادتها، ولا أن تفرط في مسؤوليتها، ولا أن تجعل خلاصها رهناً بأطراف أخرى. عليها أن تتحرك هي، وأن تنهض هي، وأن تتحمل مسؤوليتها هي.
نحن نتحرك، نحن نواجه، نحن نتحمل المسؤولية. هكذا ربّى رسول الله أمته، وهكذا تجلّى ذلك في تبوك؛ أمةٌ تقف على قدميها، لا أمةٌ تنتظر من الآخرين أن يقيموها، وأمةٌ تواجه، لا أمةٌ تبقى أسيرة انتظار من يقاتل عنها.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أمةً من الأمم هو أن تُنتزع منها الثقة بنفسها، وأن تُربّى على الاعتقاد بأنها لا تستطيع مواجهة التحديات إلا في ظل قوة أجنبية أو حماية خارجية. أما رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله)، فقد كان يصنع أمةً أخرى؛ أمةً تعرف أن عليها واجباً، وأنها مسؤولة، وأن الطريق إلى العزة لا يُفتح للذين ينتظرون، بل للذين يتحركون.
رسول الله يجند المجتمع
لم تكن حركة رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) حركةً عشوائيةً أو ارتجالية، بل كانت حركةً واعيةً ومنظمة، تقوم على إعداد المجتمع المؤمن، وتوظيف طاقاته، وبناء أفراده على أساس المسؤولية والاستعداد والبذل. لقد جنّد الرسول المجتمع المؤمن، فلم تكن الأمة يومها طبقاتٍ من القادة والمرؤوسين على نحوٍ يجعل القيادة امتيازاً شخصياً أو منزلةً لا يتنازل عنها صاحبها؛ لم تكن هناك رتبٌ تجعل أحدهم فوق الآخر في ميزان المسؤولية، وإنما كانوا جميعاً جنوداً في سبيل الله، لا يعلم مقدار إيمان كل واحدٍ منهم إلا الله.
وكانت ذهنيتهم مرتبطةً بالله، لا بالمواقع ولا بالرتب. فهذا يقود سريةً اليوم، فإذا استشهد أو غاب، تولّى غيره قيادتها، ومن كان قائداً بالأمس يمكن أن يخرج في الغد جندياً تحت قيادة رجلٍ آخر، دون أن يرى في ذلك انتقاصاً من قدره أو إهانةً لمكانته؛ لأن القيمة الحقيقية لم تكن في الموقع الذي يشغله الإنسان، وإنما في صدقه مع الله واستعداده لتحمل المسؤولية حيثما وُضع.
وهذه من أرقى صور التنظيم التي يمكن أن تقوم عليها أمة؛ تنظيمٌ لا يقوم على تقديس المناصب، ولا على ربط الكرامة بالرتبة، وإنما يقوم على معرفة الطاقات، وحسن توزيع المسؤوليات، ووضع الرجل المناسب في الموقع المناسب. كان رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) يعرف من يصلح لقيادة هذه السرية، ومن يصلح لهذه المهمة، ومن تقتضي المرحلة أن يتقدم، ومن تقتضي أن يكون جندياً، دون أن يتحول انتقال الإنسان من القيادة إلى الجندية إلى أزمةٍ في نفسه أو شعورٍ بالإهانة.
إنه تنظيمٌ يربّي الإنسان على أن يكون جندياً حين يحتاج الموقف إلى جندي، وقائداً حين تقتضي المسؤولية قائداً، وأن تكون غايته رضا الله ونجاح المهمة، لا المحافظة على موقعٍ شخصي أو امتيازٍ خاص.
رسول الله يتخذ المسجد مركزاً للحركة
ولم يكن المسجد في عهد رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) مكاناً للعبادة بمعناها المنفصل عن واقع الحياة، بل كان منطلقاً لصناعة الأمة وإدارة شؤونها، ومركزاً للتوجيه والتعبئة والتنظيم، ومنه كان الرسول يعيّن السرايا والقادة، ويحرّك المجتمع المؤمن نحو مسؤولياته.
وهنا تتضح دلالة المسجد في الإسلام: بيت الله الذي تُبنى فيه علاقة الإنسان بالله، ومنه تنطلق الأمة وهي تستمد قوتها من الله، لا من الطغاة ولا من القوى المتسلطة. ولذلك فإن ارتباط الحركة بالمسجد ليس مجرد ارتباطٍ مكاني، بل هو إعلانٌ عن مصدر المرجعية والاتجاه؛ الله أكبر، فلا اعتراف بكبرياءٍ مطلقٍ إلا لله، ولا خضوع لطغيانٍ يجعل نفسه فوق الحق.
وهذا ما يفسر سرّ انزعاج قوى الاستكبار من أن تكون حركة الأمة من داخل المسجد، وعلى أساس كتاب الله؛ لأن المسجد، في المنهج النبوي، لم يكن مكاناً معزولاً عن مسؤوليات الأمة، بل كان مركزاً تتصل فيه العبادة بالوعي، والإيمان بالمسؤولية، والدين بحركة المجتمع.
رسول الله يخطط ويقرأ جغرافية المعركة
ولم يكن تحرك رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) في مواجهة أعدائه قائماً على الاندفاع المجرد، بل كان قائماً على التخطيط، وحسن تقدير الموقف، ومعرفة الأرض، واختيار المواقع التي تمنح المؤمنين أفضليةً في مواجهة العدو.
ومن هنا يأتي قوله تعالى:{وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ}(آل عمران: 121). إن عبارة {تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} تفتح أمامنا أفقاً واسعاً في فهم قيمة التخطيط ومعرفة الأرض؛ فاختيار الموقع ليس أمراً هامشياً، وإنما جزءٌ من إدارة المواجهة. فالأرض ليست متشابهة: فيها الجبال والوديان، وفيها المدن والقرى، وفيها السهول والمناطق المفتوحة، وفيها الأشجار والممرات والمواقع التي تختلف قيمتها من مكانٍ إلى آخر.
ومن هنا تأتي أهمية أن تمتلك الأمة وعياً بجغرافية أرضها، وأن تعرف طبيعة المنطقة التي ستتحرك فيها، وأين تكون المواقع الأنسب، وكيف تُرتّب الطاقات فيها، وكيف تستفيد من خصائص الأرض في حماية الصف، ومنع التسلل والالتفاف، وتعزيز القدرة على مواجهة العدو. فقد يكون موقعٌ معين ذا أهميةٍ استراتيجية لأنه يغلق منفذاً أمام العدو، وقد يكون موقعٌ آخر أكثر ملاءمةً للمواجهة، وقد تمنح طبيعة الأرض في مكانٍ معين ميزةً لا تتوافر في مكانٍ آخر. ولذلك لا يكفي أن تكون لدى الإنسان الشجاعة وحدها؛ بل لا بد من وعيٍ بالأرض، وفهمٍ لطبيعتها، وإدراكٍ لما تتيحه من إمكانات.
وهكذا فعل رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) في أُحُد؛ حين وصل إلى الموقع لم يترك المجاهدين يتحركون عشوائياً، بل اختار لهم المواقع المناسبة، ورتّبهم في المواضع التي تحقق أفضل استعدادٍ لمواجهة العدو، مستفيداً من طبيعة الأرض وما فيها من مرتفعاتٍ وممراتٍ ومواقع مؤثرة.
وهنا تتضح الصورة الأوسع للمنهج النبوي: إيمانٌ بالله، ووعيٌ بالواقع، وتأملٌ في التجارب، وفهمٌ لطبيعة الأرض، وحسنٌ في ترتيب المسؤوليات، ثم استعانةٌ بالله وتوكلٌ عليه.
فالإيمان عند رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) لم يكن بديلاً عن التخطيط، كما أن التخطيط لم يكن بديلاً عن الإيمان؛ بل كان المؤمن يتحرك بعقله، ويستفيد من تجربته، ويدرس واقعه، ويأخذ بالأسباب، ثم يستعين بالله ويطلب هدايته. وبهذا تتكامل عناصر القوة: قلبٌ متعلقٌ بالله، وعقلٌ واعٍ بالواقع، ونفسٌ مستعدةٌ للمسؤولية، وأمةٌ تعرف كيف تنظم طاقاتها وتوظف إمكاناتها.
رسول الله -بتخطيطه الفذ- جعل العدو يعيد حساباته
لم تكن تحركات رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) في مواجهة أعدائه قائمةً على ردّ الفعل أو انتظار ما يقرره الخصم، بل كانت قائمةً على المبادرة، وحسن التقدير، ووضوح الهدف، بما يجعل العدو نفسه مضطراً إلى إعادة حساباته قبل أن يُقدم على المواجهة.
ويكفي أن نتأمل ما حدث في تبوك؛ فقد كان الروم يومها قوةً عظمى، وقد سبق للمسلمين أن التقوا بهم في مؤتة، حيث كان عدد المسلمين قليلاً أمام قوةٍ أكبر، ومع ذلك أظهر المسلمون تماسكاً وشجاعةً وقيادةً جعلت الطرف الآخر يدرك أن مواجهة هذه الأمة ليست أمراً سهلاً. وكان في مقدمة القادة زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، فكان ذلك الموقف وما رافقه من قتالٍ شديد درساً للعدو في طبيعة هذه الأمة وقدرتها على الصمود.
ثم جاءت تبوك، فكان تحرك رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) نفسه رسالةً بالغة الدلالة؛ تحرك بجيشه نحو الشمال، وقطع مسافةً شاسعةً عن المدينة، في اتجاه منطقةٍ تقترب من تخوم بلاد الشام، وحشد معه عدداً كبيراً من المسلمين في وقتٍ كانت فيه الروم قوةً عسكريةً كبرى. وهنا أدرك العدو أن أمامه أمةً لا تنتظر أن تُفرض عليها المواجهة، وإنما تتحرك هي في الوقت الذي تختاره، وتبادر قبل أن يصل الخطر إلى ديارها. فكانت النتيجة أن تراجعت الروم عن المواجهة المباشرة.
وهذه هي قيمة المبادرة: أن لا تبقى الأمة أسيرةً لردود الأفعال، ولا تنتظر حتى يصل الخطر إلى قلب واقعها، بل تمتلك من الوعي والإرادة ما يجعلها قادرةً على التحرك في الوقت المناسب.
رسول الله جعل المبادرة جزءاً من قوة الأمة
لقد كان رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) يتحرك بروح المبادرة، وتبوك من أوضح الشواهد على ذلك. فلم يترك للعدو أن يختار وحده زمان المواجهة ومكانها، بل تحرك المسلمون بأنفسهم، وانطلقوا نحو تبوك، في مسافةٍ بعيدةٍ عن المدينة، في ظروفٍ شديدة الصعوبة. وهذا ينسجم مع التوجيه القرآني: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} (آل عمران: 133)، فالقرآن الكريم نورٌ يهدي المؤمنين، لا لكي يعيشوا في انتظار الأحداث، وإنما لكي يهتدوا به في كيفية التعامل معها، ويستبقوا الخطر بالوعي والحركة، ولا يسمحوا للباطل بأن يفاجئهم وهو قد وصل إلى قلب ديارهم.
ومن هنا فإن تبوك لم تكن مجرد مسيرٍ إلى مكانٍ بعيد، بل كانت درساً في المبادرة وتحمل المسؤولية؛ أن تتحرك الأمة قبل أن تُفرض عليها الحركة، وأن يكون لها حضورها وقرارها، وأن لا تجعل عدوها هو الذي يرسم لها وحده حدود الفعل ورد الفعل.
رسول الله واجه اختلاف الظروف بتعدد أساليب المواجهة
ومن خلال أحداث السيرة يتضح أن رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) لم يكن يتعامل مع كل ظرفٍ بالطريقة نفسها، وإنما كان يقدّر طبيعة كل موقف، ويبحث عن الأسلوب الذي يناسبه. فحين واجه المسلمون في “الأحزاب” ضغطاً كبيراً وتجمعاً واسعاً للخصوم، ظهر الخندق كوسيلةٍ دفاعية مبتكرة فرضتها طبيعة الموقف، وأصبحت جزءاً من إدارة المواجهة في ذلك الظرف.
وهذا يكشف عن جانبٍ مهم في شخصية الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله): أن الإيمان لا يعني الجمود، وأن الثبات على المبادئ لا يعني غياب المرونة في الوسائل، بل إن الأمة الواعية تعرف كيف تتعامل مع اختلاف الظروف، وتستفيد من التجارب، وتبحث عن الوسيلة المناسبة لحماية مجتمعها ومواجهة ما يحيط بها من أخطار.
وكذلك كان الحصار في خيبر درساً آخر من دروس السيرة؛ فقد واجه رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) مجتمعاً قوياً ومحصناً، وتعامل مع الموقف بما يناسبه، فكانت تلك الأحداث جزءاً من مدرسةٍ عمليةٍ تتعلم منها الأمة كيف تواجه التحديات، وكيف تربط الإيمان بالوعي والمسؤولية وحسن التصرف.
فالقرآن كتاب هدايةٍ للأمة إلى آخر الزمان، ورسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) خاتم النبيين، وسيرته ليست أحداثاً منقطعةً عن واقع المسلمين، وإنما مدرسةٌ تتعلم منها الأمة كيف تتحرك في مواجهة ظروفها المختلفة.
رسول الله يتحرك في أشد الظروف ولا يسمح للعسرة أن توقفه
ومن أعظم الشواهد على ذلك ما وقع في تبوك، حتى سماها القرآن {سَاعَةِ الْعُسْرَةِ}؛ فقد اجتمعت على المسلمين مشقاتٌ كثيرة، وبلغ بهم الحال مبلغاً شديداً من الجوع والعطش والتعب، ومع ذلك لم تتوقف الحركة، ولم تمنع قسوة الظروف الأمة من تحمل مسؤوليتها.
كانت المؤن شحيحة، حتى إن الطعام لم يكن متوافراً بما يكفي، وكانت التمرة الواحدة تُقسم بين اثنين، بل بلغ الأمر من شدة الحاجة مبلغاً عظيماً. وكانت وسائل النقل قليلةً قياساً بعدد المشاركين، فكان بعضهم يتناوب الركوب، بينما يمشي الآخرون، ثم يتعاقبون على ما توفر لهم من الدواب.
وكانت الحرارة شديدة، والجوع والظمأ حاضرين، والمشقة بالغة، وهي ظروفٌ يمكن أن تضعف الإنسان وتزلزل عزيمته؛ لكن تلك العسرة نفسها أصبحت ميداناً ظهر فيه صدق المؤمنين وثباتهم، وأصبح الصبر فيها جزءاً من التربية التي تصنع النفوس القادرة على تحمل المسؤولية.
ثم جاءت رحمة الله ولطفه؛ فثبّت المؤمنين، ورعاهم، وهيأ لهم أسباب الفرج، وأنزل عليهم الغيث، وأخرجهم من ضيق العسرة إلى سعة اليسر.
وهنا يتضح درسٌ عظيم: أن صعوبة الطريق ليست دليلاً على خطئه، وأن شدة الظروف لا تعني أن المسؤولية تسقط، وأن المؤمن لا يُقاس فقط بما يفعله حين تكون الظروف مهيأةً وميسرة، وإنما يظهر معدنه الحقيقي حين تضيق السبل وتشتد المحن.
نجاح رسول الله كان آيةً قائمةً بذاتها
ومن هنا يمكن فهم عظمة النجاح الذي حققه رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) في بناء الأمة؛ فقد واجه خلال مسيرته طيفاً واسعاً من الخصوم، واختلفت أساليبهم ومواقفهم، فمنهم المشركون، ومنهم اليهود، ومنهم النصارى، ومنهم المنافقون، وفيهم القوي، والمراوغ، والمتآمر، وصاحب الدعاية، ومع ذلك مضت الرسالة قدماً، وتجاوزت تلك العقبات واحدةً بعد أخرى.
وإذا تأملنا القرآن وجدناه يسجل لنا مواقف هؤلاء جميعاً، ويرصد ما كانوا يقولونه ويدبرونه، ثم يضع أمامنا النتيجة التي انتهت إليها تلك المواجهة: أن الباطل، مهما تعددت أشكاله وتنوعت أساليبه، لا يستطيع أن يطفئ نور الحق إذا قامت به أمةٌ تتحمل مسؤوليتها وتتحرك على أساسه.
لقد خرج الإسلام من بين تلك القوى المتعددة، ورسّخ وجوده، وبنى للأمة كيانها، حتى صدق قول الله تعالى:
{وَيُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (التوبة: 32).
وهكذا كانت سيرة رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) مدرسةً متكاملة: مبادرةٌ حين تقتضي المسؤولية المبادرة، وتخطيطٌ حين يحتاج الموقف إلى التخطيط، وثباتٌ حين تشتد الظروف، واستفادةٌ من التجربة، وربطٌ دائمٌ بين الحركة في الواقع والهداية من الله.
ولذلك لم يكن نجاح الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) مجرد انتصارٍ في معركةٍ أو تجاوزٍ لمرحلة، بل كان نجاحاً في بناء أمةٍ تعرف كيف تتحرك، وكيف تصبر، وكيف تواجه، وكيف تحمل رسالتها في مواجهة واقعٍ مليءٍ بالتحديات؛ حتى ظهر أمر الله، وتراجع الباطل، وبقيت الرسالة حاضرةً ممتدةً في حياة الأمة.
