الاحتفال بالمولد النبوي بين صمود الهوية الإيمانية وانفصام المعارضين
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
22 أغسطس 2026مـ – 9 ربيع الأول 1448هـ
تقرير|| وديع العبسي
لا يحتفل اليمنيون بذكرى مولد النبي الأكرم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله ويقفون عند حدود الزينة وتشكيلات الإضاءة، ولا يستلهمون من المناسبة القيم والمبادئ التي حملتها الرسالة المحمدية ويجعلون لها إطاراً زمنياً محدداً، فقد مثلوا دائماً في سلوكهم وقناعاتهم الانعكاس الملموس لتلك المنهجية، فارتقوا في تعاطيهم مع تعاليم الله وأعلوا منطق الحق، كما جعلوا من تأسيهم برسول الهداية والإنسانية سنداً لتعزيز قيم الصمود والثبات في مواجهة التحديات.
وفق إيقاع حب اليمنيين لرسول الله والذي بدأ عالي السقف، تنعكس الثمار في ثبات مشهود على الموقف، ورفض حاسم للقبول بالمنطق المقابل القائم على الظلم والاستباحة، المستند على إنهاء كل مظاهر الدين واحتواء تعاليمه وحصرها في أطر شكلية. على ضوء ذلك، شحذت النفوس الخبيثة بذاءاتها لتعود إلى ديدن الإساءة إلى المناسبة ومن يحيونها حق ما تستحق من اهتمام وما تعنيه من إحياء للثوابت، ومقارعة الشر في كل مكان وأي زمان، لتبقى راية الإسلام مرفوعة.
الفزع الذي يتلبس القوى المستكبرة وأدواتها
في كل عام، وبينما يحتفي اليمنيون بذكرى المولد النبوي الشريف بمظاهر فرائحية، ووقفات تعظيم تحيي في القلوب سيرة أعظم خلق الله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، وتُشكّل لوحة جمالية من أعمال تزيين وبهاء ضوئي ومشاريع تجديد وصيانة، وإحياء لقيمة التكافل إلى آخره؛ في هذا الوقت ينشغل المناهضون لفكرة الاحتفال بإحياء طقوسهم النقدية المعتادة، بلا حجج موضوعية، وبلا أسانيد حاسمة.
لا يمكن -بطبيعة الحال- قراءة الهجوم الموجه ضد الاحتفاء بهدى النبي الأعظم بمعزل عن سياقات الصراع التي تشهدها المنطقة، وقبل ذلك الصراع الطبيعي بين الحق والنفوس الشيطانية، وبين ما رسخه الإسلام من قواعد تلفظ حالات السكون والخضوع والاستسلام، وما تحاول قوى الشر ترسيخه من مفاهيم جديدة تميل إلى الجنوح للمهادنة والقبول بتشريعات هذه القوى، ثم التماهي مع تفريخاتها، سواء من أدوات بشرية أو مناهج عمل شيطانية لا تراعي إلا مصالح مبتدعيها. وفي الهجوم القائم والمتكرر ما يؤكد الدافع السياسي لهذه التناولات، ويعزز حقيقة الاستلاب التي يعيشها من يقف خلف هذه النزعة. وفضلاً عن تَعارُض النقد الموجه ضد الاحتفاء بالمناسبة -كلياً- مع الفطرة السليمة والوعي الإيماني، فإنه يُفصح في أصله عن عمق الفزع الذي يتلبس القوى المستكبرة وأدواتها الوظيفية من أثر هذه المناسبة العظيمة وهذا الالتفاف الكبير حول رسول الإنسانية.
توجه الصهيونية لتفكيك الأمة
يدرك أعداء الإسلام والملوثون بالفكر القاتل القادم من الغرب أن التمسك بقيم الرسول الكريم يعني استمراراً لحياة هذا الدين الذي يرفض الظلم ويرفض سلب الشعوب حقوقها ومقدراتها، كما يرفض التعامل مع الثوابت الإنسانية من منطلق مصالح القوى الكبرى، لتنهش وتنهب، وتقتل وتبيد كما تشاء. وبالنظر إلى بنية الخطاب الهجومي الفارغ من الحُجة، يتضح أنه لا ينطلق من غيرةٍ على نصوص الشريعة أو حرصٍ على الدين كما يحاول أصحابه الترويج له، بل يستند إلى أجندات تسعى بقوة إلى تفكيك الركائز الجامعة للمسلمين التي استمدت منها الأمة حضورها الحضاري وصمودها التاريخي. وهو ذاته التوجه الذي أسسته الحركة الصهيونية، وعملت على ترجمته إلى واقع عملي عن طريق الأدوات الغربية من قوى الاستكبار والغطرسة، والتي جعلت لها -بدورها- برامج عمل محلية تنتشر في الأوساط الإسلامية عن طريق أدوات محلية لخلخلة العلاقة بين المسلمين ونبيهم ودينهم الحق.
وقد نجحت هذه الهجمة العدوانية فعلياً في وضع مفاهيم جديدة بديلة، متأثرة بمظاهر الحضارة الغربية الجديدة من قشريات تدفع للانضواء تحت مظلات القوى الفاعلة، ذات البهرجة والقادرة على استهلاك أعمار الشعوب سريعاً في اهتمامات فارغة من أي أثر أو جدوى.
تناقض صارخ يفضح سوء النوايا
كما يكشف تحليل الخطاب النقدي -بمُجمل الصيغ التعبيرية الساذجة التي يقوم عليها- عن حجم ما يوصف بـ “الانفصام المعياري والأخلاقي” الذي يعاني منه أصحاب هذا الطرح، فالأطراف والجهات التي تستنفر كل طاقاتها وتجيّش منصاتها الإعلامية وذبابها للتهكم على مظاهر الزينة، وتجريم الفرح بمولد خاتم الأنبياء تحت ذرائع البدعة، هي ذاتها التي تلتزم الصمت المريب، بل وتبارك وتستورد الفعاليات والحفلات الغربية التي تهتك القيم وتستنزف المقدرات.
هذا التناقض الصارخ يُسقط الورقة الأخيرة عن سوء نية تلك المنظومات؛ إذ يُثبت أن المعركة ليست ضد “المبدأ الاحتفالي” في ذاته، ولا ضد تجميع الناس في مكان واحد، وإنما المعركة هي ضد “المضمون والرمز”. فالذعر الحقيقي نابع من التأثير المباشر لرمزية النبي الأعظم في نفوس الجماهير، وما تولده هذه الرمزية من مشاعر العزة والأنفة، ورفض الخنوع للظلم والوصاية الخارجية. ولا شك بأن هذا الاستهداف المباشر لرمزية المولد النبوي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بخطط الهيمنة الجيوسياسية التي تديرها واشنطن وحلفاؤها، إذ تعي قوى الاستكبار العالمي أن قوة الشعوب الإسلامية لا تكمن في مواردها المادية أو جغرافيتها الحاكمة فحسب، بل في عقيدتها وارتباطها بقادتها الربّانيين.
ومن هنا، فإن استهداف المولد النبوي وتشويه شرعيته إنما يندرجان ضمن استراتيجية القوة الناعمة التي تضع خطوطها الصهيونية وتنفذها الأدوات عموماً، وتسعى إلى تفكيك الروابط العقائدية، وإفراغ الأمة من عناصر قوتها المعنوية، وتحويلها إلى مجتمعات هشّة قابلة للاستيعاب في الهياكل السياسية والاقتصادية للقوى الطاغوتية دون أي مقاومة. وحين يُسلَب المجتمع المسلم رموزه الكبرى وتُشوه مناسباته الجامعة، يسهل اختراقه ثقافياً وفكرياً، ويسهل سوقه نحو مسارات الاستسلام والتطبيع مع أعدائه التاريخيين.
فصل الأجيال عن نبي الحق والهداية
وما بات يدركه المحمديون كثيراً -اليوم- هو أن خطاب النقد إنما الهدف منه تجريد المسلمين من أعظم محطات شحن الوعي والاستنفار الروحي، بهدف صناعة حالة من الانفصال الشعوري والمعرفي بين أجيال الأمة وبين القائد والأسوة الأول صلوات الله عليه وآله. وحين تُستحضر هذه الذكرى اليوم بأساليب جامعة ومظاهر احتفائية مهيبة كهذه التي يتصدر بها الشعب اليمني مظاهر الحب والولاء لرسول الله، لا شك بأنها تثير قلق الدوائر المعادية وعلى رأسها الصهيونية. وهذا القلق يتمدد كلما ازداد حجم اهتمام المسلمين بالمظاهر المرتبطة بالإسلام وفي مقدمتها إحياء ميلاد الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، فتأثير ذلك يتجاوز اللحظة إلى إحياء المعاني السامية الداعية إلى التعايش وفق المنهجية الإسلامية التي أعلت من قيمة الإنسان.
وتجديد عهد الولاء للرسول الأعظم يأتي في هذا السياق، إذ يُعد -في جوهره- عملية استدعاء وإحياء واعية لمنهج أخرج الإنسانية من ظلمات الجاهلية إلى نور الحرية والاستقلال، وهذا ما تخشاه المنظومات الغربية المعادية والهادفة لإبقاء الشعوب الإسلامية في حالة شتات وضياع هوية وانجذاب لحضاراتها الملوّثة بحضور الشيطان.
وفي كل عام، ومع حلول ذكرى المولد النبوي الشريف، تتكشف حقيقة هذه المعركة الثقافية والسياسية التي تخوضها الأمة في مواجهة مشاريع التزييف، حيث محاولة تأطير ذكرى المولد النبوي في قالب السجال الضيق ومحاصرتها بتهم البدعة تشكل صنيعة مكشوفة لصرف المسلمين عن عقيدتهم، وتبليد تطلعاتهم لامتلاك حقوقهم ورد الظلم عنهم.
حسمٌ ميداني لتأكيد الارتباط الإيماني
ويصيب الخروج المليوني والتعبئة الروحية المتجددة للشعب اليمني في هذه المناسبة جهود ومحاولات الأعداء الخبيثة في مقتل، حيث يصيبهم الأمر باليأس، لثقتهم بأن استمرار حياة الإسلام يعني استمرار تآكل حضورهم المؤثر، وتراجع شيطانهم عن تربع واقع حياة البشرية. فضلاً عن أن هذا الحراك اليمني منقطع النظير يعني عودة لصياغة الذاكرة الجمعية على نحوٍ يستعصي على كل محاولات التدجين بلوغ هدفها بتسطيح عقلية المسلمين إذا ما تأثروا بالفعل اليمني واقتدوا به.
كما تشكل الحشود المليونية التي تغص بها الساحات اليمنية في مشهد حب رسول الله حقيقةً أكيدة لا قِبل لأجهزة الإعلام المُغرضة بتجاوزها أو الطعن فيها. والمشهد الجماهيري الذي يرتسم سنوياً في العاصمة صنعاء وباقي المحافظات ليس مجرد عروض احتفالية شكليّة، وإنما هو حسمٌ ميداني لصالح تأكيد الارتباط الإيماني الوثيق بمنقذ البشرية من براثن الشر الشيطاني.
في ذكرى الميلاد الشريف أيضاً يخرج الناس بمختلف شرائحهم من كل حدب وصوب ليرسلوا رسالة صريحة ومباشرة مفادها أن الاستجابة للرسول الأعظم هي مرتكز صمودهم وثباتهم ودفاعهم عن حقوقهم المسلوبة، وأن الهوية الإيمانية الأصيلة ستبقى هي الدرع الذي يتحطم عليه كل استكبار. وعلى هذا يمارس الشعب اليمني حقه السيادي والروحي بكل اعتزاز، متجاوزاً أشكال الحصار والضغوط الاقتصادية.
جدار ردع عقائدي وسياسي
والأكيد أن تحويل مناسبة المولد النبوي الشريف في اليمن إلى جدار ردع عقائدي وسياسي يمثل نقلة استراتيجية فارقة في إدارة الصراع، حيث لم تعد المناسبة مجرد محطة تعبدية فردية ينكفئ فيها الفرد على ذاته، بل تحولت -بفضل الوعي القيادي والالتفاف الشعبي- إلى منصة إطلاق للرسائل العسكرية والسياسية الحاسمة.
وبناء على ذلك يُرسخ الحشد المليوني اليمني حالة من التماسك الداخلي العصي على الاختراق، ويُظهر للعدو أن الجبهة الداخلية إنما تسند خياراتها إلى عقيدة صلبة وقيم ثابتة لا تخضع للمناورة أو المساومة، لتجد القوى الدولية -وعلى رأسها الولايات المتحدة و”إسرائيل”- نفسها أمام مجتمع متماسك يستمد شرعيته وصموده من عمقه الحضاري والإيماني، ما يربك حساباتها الميدانية ويجعل من استهداف هذا الشعب عملية باهظة التكلفة، وغير مضمونة النتائج.
