اليمن.. حبُّ الرسول الأعظم هويةُ أمة

4

ذمــار نـيـوز || مـقـالات ||
18 أغسطس 2026مـ – 5 ربيع ألاول 1448هـ

بقلم// وفاء الكبسي

كيف تصف الكلمات من وصفه الله بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾؟ وكيف تحيط الأقلام بمن أرسله الله رحمةً للعالمين؟
إنه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ نبيٌّ لم يصنع التاريخ فحسب، بل غيّر وجهه، وأحيا القلوب بنور الوحي، وأقام أمةً على الإيمان والحق والرحمة.

هناك محبةٌ تُقال، ومحبةٌ تُعاش، ومحبةٌ تتحول إلى هوية أمة. وفي اليمن، يبدو حب رسول الله من هذا النوع الأخير؛ حبًّا لم يبقَ في حدود المشاعر، بل سكن البيوت، وتناقلته الأجيال، واستقر في الوجدان، حتى غدا المولد النبوي الشريف موعدًا تتجدد فيه الصلة بالحبيب المصطفى، وكأن القرون لم تفصل بين القلوب وبينه.

ومنذ أن دخل الإسلام إلى اليمن، استقرت محبة رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم في وجدان أهله، وتناقلت الأجيال سيرته ومناقبه، حتى غدا اسمه حاضرًا في تفاصيل الحياة، ومكانته جزءًا من الهوية الإيمانية لليمنيين. ويكفي هذا الشعب شرفًا ما جاء في الحديث: «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية».

لا يستقبل اليمنيون المولد النبوي الشريف كمناسبة في التقويم، بل يستحضرون حبيبًا يسكن الوجدان.

تتزين المدن والقرى، وتتهيأ البيوت، وتقام المجالس والفعاليات، وتتردد الأناشيد والقصائد، وتتوافد الجموع إلى الساحات؛ رجالًا ونساءً، كبارًا وصغارًا، في مشهدٍ تتسع فيه دائرة الفرح، وتتقدم فيه المحبة من القلب إلى الميدان.

لكن سرَّ المشهد ليس في كثرة الحشود، ولا في زينة الساحات؛ إنما في المعنى الذي يقف خلفها: قلبٌ يقول هذا رسول الله، ومجتمعٌ يرى في مولده نعمةً تستحق الفرح، وفي سيرته طريقًا يستحق الاقتداء، وفي رسالته منهجًا للحياة.

وهنا تتجلى خصوصية الاحتفاء في اليمن، فالمولد لا يُراد له أن يكون فرحًا عابرًا، بل مناسبةً تستعيد فيها الأمة وعيها برسولها، وتصل حاضرها بماضيها، وتستحضر أخلاقه ومواقفه، ليكون الفرح به بابًا إلى الاقتداء به.

ومن بركة هذا الارتباط أن عاد المولد في الوعي اليمني مرتبطًا بالقرآن الكريم؛ فالرسول لا يُعرف بعيدًا عن الكتاب الذي نزل عليه، وسيرته لا تُفصل عن الوحي الذي حمله، ومحبتُه لا تكتمل إلا بالاقتداء بمنهجه.

وفي هذا السياق، ارتبط اتساع الحضور القرآني بالخطاب الذي يقدمه السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله، والذي يربط إحياء ذكرى المولد بالعودة إلى القرآن، واستعادة الوعي برسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بوصفه قائدًا وقدوةً ومنهجًا، لا مجرد شخصية تاريخية.

وهنا تصبح الاستجابة للقيادة القرآنية امتدادًا لقيادة الرسول الأعظم الذي يعيد للأمة صلتها بكتاب الله وسيرة رسوله؛
فالقرآن هو الذي عرّف الأمة بنبيها:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.

وهو الذي كشف عظمة خلقه:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.

وهو الذي أعلن مقامه:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.

فإذا عاد الإنسان اليمني إلى القرآن، وجد الرسول أمامه قدوةً؛ وإذا قرأ سيرته، وجد القرآن يتحول أمامه إلى حياة.

وفي قلب هذا المشهد تقف المرأة اليمنية، لا على هامشه، بل في صميمه. هي التي يبدأ عندها الاحتفاء قبل أن تصل الساحات؛ تهيئ البيت، وتحدث أبناءها عن الرسول، وتعلمهم الصلاة عليه، وتغرس في نفوسهم أن حب المصطفى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس كلمةً في مناسبة، بل خلقٌ وسلوكٌ وموقف.

ثم تمتد من البيت إلى الميدان؛ معلمةً ومثقفةً وإعلاميةً ومنظمةً ومشاركةً، تحمل المحبة من جيل إلى جيل، وتحول السيرة إلى تربية، والذكرى إلى وعي، والفرح إلى عمل.

إنها لا تورّث أبناءها اسم النبي فقط، بل تورثهم شيئًا من هديه: الصدق والرحمة والصبر والثبات والكرامة؛ وبذلك تصبح المرأة شريكةً في حفظ هوية الأمة وصناعة مستقبلها.

إن أجمل ما في المولد النبوي ليس أن تزدحم الساحات، وإنما أن تخرج الأمة من المناسبة وهي أكثر معرفةً بنبيها، وأشد صلةً بكتاب ربها، وأصدق في ترجمة أخلاقه إلى واقعها.

أن يكون الفرح به شكرًا، والمحبة له اتباعًا، وذكر سيرته تربيةً، والصلاة عليه عهدًا.

فاليمنيون حين يحيون مولد رسول الله اليوم، إنما يستحضرون خيطًا ممتدًا في تاريخهم؛ من أجيالٍ حملت الإسلام، إلى بيوتٍ حفظت سيرته، إلى ساحاتٍ تعلن محبتها، إلى جيلٍ جديد يتعلم أن النبي الذي نحبه هو النبي الذي نتبعه.

ستبقى الأجيال تصلّي عليه، وتحيي سيرته، وتستمد من هديه نور الطريق، وسيظل اليمن، كلما أقبل المولد، يرفع صوته من أعماق المحبة:
يا رسول الله… ما غبتَ عنّا.